الخبير في شؤون الحرب والسلام بالسودان بروفيسور إبراهيم محمد آدم في حوار مع «العودة»:

 عودة النور قبة ستدفع قادة آخرين بالمليشيا الى صحوة ضمير

الإمارات أسست بديلاً للجيش منذ العام 2017

تمرد الدعم السريع امتداد لدعاوى التهميش التي خلفها الاستعمار

بين حرب الدعم السريع وتمرد الحركة الشعبية.. هناك فرق

حوار: عبود عبدالرحيم

مع مرور الذكرى الثالثة لتمرد وحرب مليشيا الدعم السريع، أجرينا هذا الحوار مع البروفيسور إبراهيم محمد آدم، الباحث الأكاديمي والخبير في شؤون الحرب والسلام بالسودان، الذي تناول كيفية تحول المليشيا الى طعنة نجلاء في خاصرة الوطن، باندلاع التمرد، وكشف عن التخطيط الإماراتي من أجل انقسام السودان كما أدلى بروفيسور إبراهيم برأيه في انسلاخ “النور قبة” عن المليشيا واستسلامه للقوات المسلحة.

وفي الحوار الخاص مع (العودة)، أوضح بروف إبراهيم جذور أزمة التهميش، ودور الإمارات في تمدد الدعم السريع.

 

*أزمة تهميش*

*قبل أيام مضت الذكرى الثالثة لإندلاع الحرب.. كيف تنظر للتمرد في السياق التاريخي للسودان؟

-تمرد الدعم السريع هو امتداد لنفس المشكلات التي حدثت في السودان بصناعة أجنبية إنجليزية خالصة.

وعندما خرجت إنجلترا من السودان تركت هذه المشاكل في المناطق المغلقة التي تُسمى الآن بالمناطق المهمشة وهي: جنوب السودان سابقاً، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، وأقصى شمال دارفور.

*ونتج عن ذلك أزمات خلقتها بريطانيا داخلياً وخارجياً بالبلاد؟*

-هذه حقيقة فقد خلقت بريطانيا مشكلات داخلية عبر سياسة المناطق المغلقة، وخارجياً بافتعال بؤر حساسة للتوتر بين السودان وجيرانه، مثل “مثلث حلايب” مع مصر، ومثلث إليمي مع كينيا قبل انفصال الجنوب. وضمت إقليم بني شنقول والقمز لإثيوبيا بعد أن كانت جزءاً تاريخياً من السودان منذ ما قبل عهد محمد علي باشا، وكذلك خلقت مشكلة أبيي الحدودية بين بحر الغزال وكردفان.

*دعاوى التهميش*

*هل يعني ذلك أن دعاوى التهميش لقادة وعناصر المليشيا أصبحت امتداداً لتخطيط اللاستعمار؟

-نعم، تمرد الدعم السريع امتداد لذات دعاوى التهميش، وللأسف هذه الدعاوى كانت وبالاً على السودان. ونجد الآن حتى الخطاب الذي يتحدث عن التهميش انتقل لمستوى الأسر، وأصبح وهماً ترك أثاره المدمرة على السودان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وتفرقت مفردة “التهميش” بين اهل السودان وهناك مجموعات تعيش وهم التهميش مما أثر على علاقاتها بالمجتمعات الأخرى.

 

*حروب الداخل*

*كيف أثرت هذه الدعاوى على الاستقرار السياسي؟

-منذ تمرد توريت 1955 وإلى اليوم، لم يشهد السودان استقراراً سياسياً، ونتيجة لذلك التمرد اندلعت حروب داخلية ومع جميع دول الجوار من أقصى شمال شرق السودان حتى أقصى شمال غربه قبل اندلاع حرب 2023.

*شعارات التنمية*

*لكن المليشيا وحركات ترفع السلاح تطلق شعارات تنموية؟

-للأسف الشديد تلك الجماعات المسلحة أجهزت على ما هو موجود أصلاً من تنمية. ليتها حافظت على الموجود وطالبت بالمزيد، لكنها قضت على الأخضر واليابس في سبيل تحقيق مطالب تدعي أنها حقيقية.

 

*انقلاب على الدولة*

*هل من وجه شبه بين تمرد الدعم السريع بما حدث من حالات تمرد سابقة؟

-تمرد الدعم السريع هو امتداد لتلك “التمردات”.. في البداية كان هو من أدوات الدولة التي استخدمتها لإخماد تمردات في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان. وقد فشلت المليشيا في جنوب كردفان والنيل الأزرق وحققت نجاحاً ما في دارفور، ثم طمعت هذه المليشيا في حكم البلاد مثلما حدث في التاريخ من قبل العثمانيين مع الخلافة العباسية ثم الإنكشارية مع السلطنة العثمانية والمماليك في مصر والهمج مع سلطنة الفونح.

فالدعم السريع في نهاية المطاف تسبب في تدهور أوضاع الدولة السودانية الذي نراه ماثلا اليوم وخدم أجندة القوى الأجنبية.

*دمار الخرطوم*

*ماذا عن صراع المركز والهامش بعد الحرب؟

-الصراع الذي كان يُدعى بين المركز والهامش انتهى بتمرد الدعم السريع، لم يعد في البلاد الآن مركز. لأن هذا المركز، الخرطوم، تعرض للدمار، كذلك تم تدمير كل السودان بصورة واضحة، وأصبح هناك توزيع للبؤس بدل توزيع السعادة والتقدم والتنمية.

 

*الإمارات والمليشيا.. سيناريو 2017*

*كيف تفسر تمدد مليشيا لدعم السريع بعد 2019؟

-الدعم السريع أصبح القوة الأكثر تمدداً خلال الأربع سنوات التي سبقت الحرب من 2019 إلى 2023. وسيناريو التمدد بدأ أصلاً في 2017 عندما سعت دولة الإمارات لإسقاط نظام الإنقاذ بقوة بديلة للجيش السوداني وهي قوات الدعم السريع.

*عاصفة الحزم*

*كيف بدأت علاقة دولة الإمارات بالدعم السريع؟

-أسست الإمارات علاقات مع الدعم السريع إبان مشاركة تلك القوات في عملية عاصفة الحزم باليمن، وأصبحت تتعامل مع هذه القوة بمعزل عن القوات المسلحة السودانية. وكان هناك تواصل مباشر بين هذه الدولة ومليشيا الدعم السريع، وكانت تعتبرها البديل للقوات المسلحة.

 

*التدخل الدولي*

*هل تعتقد بوجود علاقة للسياسيين بهذا المخطط؟

-كان هناك تنسيقا كبيرا واضحا بين قوى الحرية والتغيير (قحت) والدعم السريع قبل وبعد سقوط الإنقاذ.

والتغيير الذي تم في 2019 شاركت فيه قوات الدعم السريع ضمن الترتيب الإماراتي. وما حدث في السودان كان تدخلاً دولياً كثيفاً كالذي حدث في جورجيا وأوكرانيا من قبل دول الغرب لتغيير نظام الحكم فيها.

وهذه المجموعات كلها تم تدريبها والتنسيق لها في الإمارات وفرنسا وألمانيا. كان هناك تنسيقا كبيرا بين قحت والدعم السريع قبل وبعد سقوط الإنقاذ.

*جناح سياسي*

*هل كانت قحت تمثل مليشيا الدعم السريع سياسياً؟

-نعم، قحت كانت الجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع في ذلك الوقت وإلى الآن. كانت خطتهم الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري، وتم التمهيد له بالاتفاق الإطاري الذي كان يريد رسم سيناريو ينتهي بانقلاب في 15 أبريل. وفشل ذلك الانقلاب فتحولت المسألة إلى حرب مفتوحة ضد السودان.

 

*هناك فرق*

*ما هو الخلاف بين حرب مليشيا الدعم السريع وكل ما سبق من تمرد؟

-الحرب هذه لأول مرة جاءت موجهة ضد المواطن السوداني وليست القوات النظامية. حتى حركات التمرد الأخرى يمكننا وصف تمردها بانه كان “نظيفاً” نسبياً، ولم تستهدف المواطن العادي، ونجد ان الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل الانفصال، في أوج مسارها العسكري لم تكن تستهدف المواطنين العاديين في الجنوب أو جنوب كردفان أو النيل الأزرق أو حتى كسلا. كذلك حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم عندما دخلت أم درمان لم تستهدف المواطن العادي بل كانت تستهدف القوات النظامية.

 

كيف ترى خلاصة المشهد الآن؟

 

-الآن الشعب السوداني عرف المسالب الكبرى التي تحدث عندما يكون هناك تمرد ضد سلطة الدولة. هناك وعي كبير بأن ما يُساق كله غير صحيح. لذلك هذه الحرب فرصة لمراجعة الكثير من المعتقدات وقد أثبت استقبال النازحين في جميع مناطق السودان ان الوهم والإدعاء برفض مكونات المجتمع السوداني غير صحيح البتة. بل تكاد لا توجد أسرة سودانية مكونة من قبيلة واحدة وأن الذي يحدث هو صراع نخب سياسية تبحث عن مصالحها الشخصية على حساب المواطن البسيط وتغذي ذلك تدخلات أجنبية تبحث عن مصالحها في ظل دولة ضعيفة مفككة.

 

النور قبة.. صحوة ضمير

 

نختتم بآخر ماحدث من تطور باستسلام النور قبة وتأثير ذلك علي المليشيا وانهيارها في ظل انتصارات الجيش بمحاور العمليات؟

-هذه العودة للنور قبة إلى جادة الصواب فيها مصلحة كبيرة للوطن والجنوح للسلم مطلوب دوما ان يقابل بمثله، لقد كان قبة شاهدا على تطورات الأحداث منذ تكوين الدعم السريع والى احداث مستريحة التي كانت بداية التحول في موقفه.

هذا التحول فيه الكثير من التاثيرات على واقع العمليات في الأرض نتيجة لمكانته وانعكاس ذلك إيجابا على الآخرين من القادة الذين تتغشاهم الآن صحوة ضمير واتوقع ان تكون هناك عودة لكثيرين إلى صفوف الوطن وسيصب هذا إيجابا في تغيير الميزان العسكري لصالح القوات المسلحة وهي الآن المؤسسة الوطنية الوحيدة المتفق عليها من قبل الشعب السوداني الذي عانى كثيرا من حرب المليشيا وفي تقديري أن الاتجاه الأصوب الآن هو أن تسعى المجموعات الاجتماعية للتواصل مع أبناءها في المليشيا من أجل استعادتهم لتقليل كلفة الحرب فيما تبقى من أجزاء الوطن.

ختاما لكم مني في صحيفة العودة الشابة، خالص الشكر على الاستضافة ونسأل الله أن تكون العودة عودة للتعافي والتصافي في وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى