“عضّ الأصابع”.. كيف يُدار “صراع النفوذ” داخل حكومة الأمل؟

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وصحيح أن حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة جبريل إبراهيم ووزير المالية في حكومة الأمل التي يترأسها كامل إدريس، بموجب التزامات اتفاق جوبا للسلام، كانت قد اضطرت اضطرارًا لأن تخرج ببيان على لسان متحدثها الرسمي / محمد زكريا، لتنفي صلتها بالتصريحات التي صدرت أيضًا بمنشور على صفحة رئيس مكتبها في أيرلندا السيد / إدريس لقمة، كان قد نال فيها، وبشكل مباشر، من السيد رئيس الوزراء، وقال: “إن رئيس الوزراء صار يفتي في كل شيء، من المطارات إلى الزكاة والضرائب للعودة والترحيل”، بل ومضى لأكثر من ذلك إلى حد وصفه بالخطر الحقيقي على الدولة، وأنه تجب إقالته من منصبه الحالي كرئيس للوزراء في الحكومة.
قالت الحركة إن الحديث أعلاه يمثل رأي إدريس لقمة، ولا يمثلها، وإنها جزء من مؤسسات الدولة التي تعمل في ظروف استثنائية، بما فيها رئيس الوزراء، وهذه الظروف تستدعي من الجميع التحلي بالمسؤولية.
(*) الشريك الحكومي “يفلق” ويداوي..
المنطق الذي جاءت به حركة العدل والمساواة السودانية في نفيها لتصريحات رئيس مكاتبها في أيرلندا إدريس لقمة، بالتأكيد ليس بالبدعة الجديدة، والأمر غير المسبوق، بل يمكننا الجزم بأن ما حدث صار “تكتيكًا” معروفًا يُستخدم سياسيًا؛ جهة “تفلق” وجهة “تداوي”، على طريقة: التصريحات لا تمثلنا وتمثل رأيًا شخصيًا. فالتصريحات الصادرة من إدريس لقمة، بأي حال من الأحوال، لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي خرجت فيه بشكل مكتوب ومتماسك، والأشياء محددة، وتعبر حقيقة عن خلاف وتماسات حقيقية، ولا تخطئها العين، بين رئيس الوزراء ووزير المالية ورئيس الحركة جبريل إبراهيم، لم تبدأ بتصريحات إدريس لقمة، ولن تنتهي عليها.
لم يعد سرًا بأنه قد صار هنالك حديث في دوائر إصدار القرار الحكومي حول وضعية وزير المالية، وضرورة تحريكه من منصبه الحالي، لأسباب لديها علاقة بالأداء المالي والاقتصادي للحكومة في ظرف اقتصاد الحرب، والعجز الواضح في كل مفردات موازنة الحكومة، إضافة إلى الفترة التي قضاها جبريل إبراهيم على الكرسي الحساس والمهم، والتي تعتبر هي الأطول على الإطلاق لوزير مالية في السودان، وأن هنالك محاولات لإعادة ترسيم خارطة النفوذ تستوجب الإبعاد. ردت عليها الحركة برسالة في بريد السيد كامل إدريس تقول بأنها تحتفظ بحق الرد على مطالبات وصلتها بضرورة ابتعاد رئيسها عن المنصب التنفيذي المهم والحساس إلى مهام استشارية، ومن السهل أيضًا أن يكون “ساعي البريد” الذي سيقوم بهذه المهمة هو إدريس لقمة.
(*) عضّ الأصابع..
وقراءة دفتر أحوال العلاقة بين السيد رئيس الوزراء والسيد وزير المالية تقودنا المضابط إلى أن “عضّ الأصابع” لم يبدأ بما ذكرناه أعلاه، وبالرسائل المتبادلة، بل يمكننا إعادته إلى سلسلة القرارات التي أصدرها السيد كامل إدريس، والتي قضت بإقالة عدد من المسؤولين في الحكومة، إلا أن قرار إقالة السيد / محمد بشار، وكيل وزارة المالية، قد وصل إلى “اللحم الحي” للحركة، وبمثابة الإعلان الرسمي للمواجهة بين الطرفين.
استمر “العضّ” كما تراه حركة العدل والمساواة السودانية عندما قام السيد كامل إدريس بإصدار قرار تم بموجبه إلغاء إدارة التخطيط بوزارة المالية، وإصدار قرار بتمديد تعيين وكيل وزارة المالية السيد / عبدالله إبراهيم علي لمدة عام إضافي، دون منح الوزير حق التشاور.
“عضّ الأصابع” استمر لأبعد من ذلك عندما قام السيد كامل إدريس بتكليف لجنة للتحقيق في ملفات “فساد” بمؤسسة الأسواق الحرة، التي يترأس مجلس إدارتها وكيل الوزارة المقال / محمد بشار.
ما حدث يمكن توصيفه بأنه صراع داخل حلبة النفوذ، الغرض منه زيادة مساحات “التكنوقراط”، وهي مدرسة رئيس الوزراء كامل إدريس، في مقابل الخارطة الكبيرة والمؤثرة التي صنعتها اتفاق جوبا للسلام عن طريق “المحاصصة”، وهي بطبيعة الحال تمثل المدرسة التي ينتمي إليها السيد جبريل إبراهيم.
(*) الدعوة للتفاهم والحوار..
ولأسباب تراها الحكومة بأنها منطقية، فإن منطق “عضّ الأصابع” مع الخصوم السياسيين من الصف المدني كان هو الأعلى، في مقابل فتح “أحضان” الحكومة والوطن لمن رفعوا السلاح. قدم السيد كامل إدريس، الأسبوع الجاري، الدعوة بشكل صريح لهؤلاء الخصوم لفتح صفحة “الحوار”، وكان التسامح والسلام هو اللغة الحاكمة لزيارته لـ بابا الفاتيكان، وبالتالي لم يُعرف إن كانت دعوته للحوار تلك عبارة عن اتجاه وقناعة حقيقية بالتخلي عن سياسة “عضّ الأصابع”، أم هي ضرورات مرحلة.
إذ ليس من المقبول منطقيًا أن تُحكم علاقات الشركاء في تحالف الحكومة بسياسة “عضّ الأصابع”، ويكون الحوار هو السبيل للتفاهم مع الخصوم السياسيين.
يُعتبر الوضع، في ظل استمرار الحرب، حساسًا للغاية، وشراكة “الميدان” قد تفرض واقعًا يُعد فيه استخدام منطق “عضّ الأصابع” بمثابة اللعب بالنار وإطلاق الرصاص على الأقدام، والأولوية في “الحوار” لدى الحكومة هي مع حلفاء الحرب، ما لم تكن هذه التصرفات هي جزءًا من ترتيبات الحوار مع الخارج وإعادة ترتيب المشهد السياسي في السودان ليستوعب مرحلة الاتفاق السياسي.
فكرة الحصانة المطلقة لمخرجات اتفاق جوبا للسلام تجعل من أي تصرف وقرار تصدره الحكومة بمثابة “عضّ للأصابع”، في وقت لا تتحمل فيه الحالة السودانية أي عرض جديد ومكلف للاختلافات القائمة على اقتسام ومحاصصة السلطة والثروة، ويجب أن تُدار حرب النفوذ بمنطق غير “عضّ الأصابع”.



