علم الدين عمر يكتب : الصحافة.. أشجان المهنة.. رسائل لرئيس الوزراء ووزير الإعلام

حاجب الدهشة..

أدهشني جداً.. وأثار استغرابي سيل (عرمرم) من الرسائل والمهاتفات التى وردتني عطفاً على المقال السابق حول الصحافة والصحفيين.. المدهش أن جُلها من غير زملاء المهنة.. من قطاعات مهنية أخري وسياسيين ورؤساء أحزاب وقادة مجتمع.. وسفراء ومنسوبي قوات نظامية.. تباينت رؤاهم لما طرحت بيد أنهم أجمعوا علي حوجة الوسط الصحفي (لغربلة) شاملة.. فبين يدي هذا الخراب الوطني الهائل الذي يبتلع السودان من أطرافه.. تبدو الصحافة – أكثر من أي وقت مضى – أمام إمتحان وجودي بالغ التعقيد.. ليس فقط لأنها مطالبة بالسير وسط حقل الأشواك المليئ بالضجيج والدماء.. وإنما لأنها مطالبة أيضاً بإعادة تعريف دورها وحدودها ووظيفتها الوطنية في زمن إختلطت فيه المعايير.. وتداخلت المفاهيم.. وتماهت فيه الفواصل بين الإعلام والمصالح.. وبين المهنية والإبتزاز.. وبين الرأي العام وغرف التوجيه المغلقة..

ولعل أخطر ما أصاب الوسط الصحفي خلال السنوات الأخيرة ليس التضييق.. المعلوم بالضرورة.. ولكن هذا الإنفلات الواسع الذي جعل المهنة مستباحة لكل عابر سبيل.. حتى تمددت الفوضى داخل الجسد الصحفي نفسه.. وأمتلأ السجل المهني بالشوائب والدخلاء ومتسوري النفوذ والمال السياسي.. للحد الذي غطت فيه الضوضاء والصخب المصلحي على الصوت المهني.. وأصبح الصحفي الجاد يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها..

غير أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر حملات موسمية أو دعوات إنفعالية لتنقيح السجل الصحفي فقط.. لأن المسألة أعمق من مجرد حذف أسماء أو إضافة أخرى.. القضية الحقيقية تتعلق بالحاجة الملحة لإعادة تأطير الوسط كله بضوابط واضحة وعادلة ومتوافق عليها.. تبدأ بإعمال القوانين واللوائح المنظمة للمهنة بصورة حقيقية.. وتنتهي ببناء بيئة مهنية محترمة تحفظ للصحافة حقها وتعيد لها هيبتها ودورها وكرامة العاملين فيها..

فالصحافة ليست جهاز تعبئة خاص بالسلطة.. وليست كذلك منصة للفوضى أو تصفية الحسابات أو الإرتزاق السياسي.. إنها شريك أصيل في الهم العام.. وركن ركين من أركان الوعي الوطني..وأحد خطوط الدفاع عن الدولة والمجتمع معاً.. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها عدواً يجب كبحه.. أو أداة يمكن إستخدامها وقت الحاجة ثم التخلص منها لاحقاً.. لهو خطأً إستراتيجي ظل السودان يدفع ثمنه لعقود متطاولة من كرائم أوقاته ومدخراته البشرية والقيمية..

وفي المقابل.. فإن الصحافة نفسها مطالبة بإعادة النظر في كثير من ممارساتها.. عبر تفعيل حقيقي لميثاق الشرف الصحفي وآلياته.. وليس الإكتفاء بتحويله إلى وثيقة رمزية تُستدعى في المناسبات ثم تُنسى.. فالميثاق المهني يجب أن يصبح مرجعية أخلاقية ملزمة تضبط الأداء.. وتحاصر خطاب الكراهية.. وتمنع الإبتزاز الإعلامي.. وتحمي المجتمع من الفوضى المعلوماتية التي صارت أحد أخطر أسلحة الحرب الحديثة..

والأهم من ذلك كله.. إشراك الصحفيين – عبر واجهاتهم المختلفة – في النقاش الوطني الشامل والذي أصبح ضرورة ملحة تضبط هذا الشتات المهني المدمر.. فالأزمة السودانية تجاوزت حدود السياسة التقليدية.. وأصبحت أزمة دولة وهوية وثقة عامة.. ولا يمكن تجاوزها دون حد أدنى من التوافق على ثوابت وطنية كبرى تحمي ما تبقى من البلاد من الإنهيار الكامل..والصحافة.. بحكم موقعها وتأثيرها.. قادرة على لعب دور محوري في هذا المسار إذا أُتيحت لها المساحة.. وحوصرت في الوقت ذاته الفوضى التي تسللت إلى بعض أطرافها..

إن احترام الصحافة لا يعني منحها حصانة مطلقة كما يحلم الحالمون علي عتباتها.. كما أن محاسبة المنفلتين لا تعني شيطنة المهنة كلها كما يرجو التائهون علي هوامشها.. المطلوب ببساطة هو بناء علاقة جديدة بين الدولة والإعلام.. تقوم على الإحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة.. بعيداً عن منطق التخوين والتوظيف السياسي والإبتزاز المتبادل..

فليس في جسد السودان متسع لجراح جديدة تخسره صحافته المهنية.. وصحفييه الأوفياء.. فهي ليست مجرد مهنة.. هي وهم أحد أهم أدوات نجاته وأستمراره كبلد محترم يتمتع بسيادته وسلامة مؤسساته..

هي رسالة في بريد الدولة والسلطة القائمة.. الصحافة ليست عدو.. ولا يليق بكم إستخدامها كحائط قصير عبر المتسلقين والمغرضين لتصفية الحسابات وممارسة الإستقطاب.. هي سلطة حقيقية قادرة بكم وبدونكم علي القيام بدورها وألتقاط أنفاسها.. فأجعلوا الأمر سهلاً عليها وعليكم..

نواصل

////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى