محمد ضياء الدين يكتب: مفهوم “إحتكار العنف”.. وخطر التوظيف السلطوي

ارتبط مفهوم الدولة في الوجدان السوداني، لسنوات طويلة، بصورة العسكري والأمنجي بوصفهما أداة السلطة المطلقة الباطشة، مما شكّل علاقة أساسها الخوف والإرهاب، خاصة بعد أن إختزلت الدولة هيبتها في “إحتكار العنف” باعتباره الركيزة الوحيدة للشرعية.

ومع بروز مصطلح “إحتكار العنف” مؤخراً كأحد الحلول المطروحة لمعالجة فوضى تسلح المجتمع، عبر دمج التشكيلات المسلحة والمليشيات في الجيش والقوات النظامية الأخرى، إلا أن إستخدام هذا المصطلح يظل يحمل دلالات خطيرة في مجتمع عانى طويلاً من تغوّل الأجهزة الأمنية وتوظيف القوة خارج الضوابط القانونية.

غير أن نقد هذا المفهوم يتطلب فحص عميق يتجاوز الحساسية اللغوية إلى الواقعية السياسية، في سبيل بناء مشروع الدولة المدنية الديمقراطية. فماكس فيبر، حين صاغ نظرية “إحتكار العنف المشروع” لم يكن يقدّم تبرير أخلاقي للقهر، بقدر ما كان يصف جوهر الدولة الحديثة التي لا يمكنها الوجود دون إمتلاك قوة مادية تحتكر إستخدام العنف وفق القانون.

وفي السياق السوداني، يظل التفريق بين “إحتكار العنف” و”إحتكار سلطة تنفيذ القانون” ضرورياً، فالدولة المدنية الديمقراطية تستمد مشروعيتها من العدالة وسيادة حكم القانون، لكن هذا التفريق لا ينبغي أن يسقط في فخ الثنائية المتوهمة، إذ إن القانون من دون قدرة قسرية على إنفاذه، يتحول إلى نصوص معطّلة.

لذلك فإن مواجهة خطر المليشيات وانتشار السلاح تتطلب آليات عملية تتجاوز مجرد التحول السياسي، لأن الأمن والإكراه القانوني يشكلان الأساس الذي تُبنى عليه الشراكة بين الدولة والمواطن. وقد أثبتت تجارب إقليمية، مثل تجربة رواندا أن الدولة إستعادت عافيتها أولاً عبر إحتكار القوة الشرعية، قبل الانتقال لاحقاً إلى بناء المسار الديمقراطي.

 

المشكلة الحقيقية في السودان ليست في مبدأ “إحتكار العنف” بحد ذاته، بل في غياب الضوابط الديمقراطية وآليات المساءلة.

 

فالدولة المدنية الديمقراطية ليست دولة ضعيفة أو عاجزة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. كما أن سحب إحتكار القوة منها لا يصنع نظام ديمقراطي بقدر ما يفتح المجال لفوضى تملؤها المليشيات ومراكز القوة المتعددة. ويبقى الفرق الجوهري في عقيدة إستخدام السلاح.. هل هو عنف موجّه للقهر الداخلي، أم قوة ردع مؤسسية تُستخدم لحماية الحدود وإنفاذ القانون تحت رقابة قضاء مستقل ومجتمع مدني قوي؟

 

إن بناء مؤسسة عسكرية وقوى نظامية تقوم على عقيدة مهنية أساسها الخدمة العامة والالتزام الدستوري، يستوجب لغة سياسية جديدة تعيد تعريف إحتكار القوة في السياق الديمقراطي. فالصواب لا يقتضي التخلي عن هذا المفهوم، بل تحويله من حق سلطوي فوق القانون إلى أداة قانونية خاضعة للمساءلة والرقابة.

 

وبدلاً من إنتاج مواطن خائف، ينبغي أن نتجه نحو إنتاج مواطن محمي بموجب قانون عادل وقوة ردع شرعية، بحيث يكون إستخدام القوة مستنداً إلى الدستور لا إلى إرادة الحاكم. ذلك هو السبيل لتحويل الدولة من كيان يُرهب الناس إلى كيان يُعوَّل عليه في حمايتهم.

وتأسيساً على ذلك، فإننا لا نحتاج إلى محتكر جديد للعنف يعيد إنتاج السلطة المطلقة تحت مسميات مختلفة، كما أن المصطلحات القديمة التي وُظفت تاريخياً لصالح القمع والاستبداد لم تعد صالحة للتعبير عن طبيعة الدولة المدنية الديمقراطية التي نطمح إليها، إلا إذا أُعيد تعريفها ضمن منظومة واضحة من المساءلة والقضاء المستقل والمؤسسة العسكرية الخاضعة للدستور لا للحاكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى