الخماسية في أديس أبابا: مناورة النخب أم مدخل لسلام مستدام؟

المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:
هل تمثل اجتماعات الآلية الخماسية وسيلة حقيقية لتحقيق تطلعات السودانيين أم مجرد استنساخ لمنصات سابقة؟
كيف يمكن الموازنة بين الحاجة إلى تيسير دولي لإنهاء الحرب وبين الحفاظ على السيادة الوطنية الخالصة للقرار؟
تأتي اجتماعات الآلية الخماسية الدولية المعنية بالأزمة السودانية – والتي تضم في عضويتها كلاً من: الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيجاد) – في العاصمة الإثيوبية *أديس أبابا ٣-٥يونيو ٢٠٢٦م،* في توقيت شديد الحساسية والتعقيد من تاريخ السودان، حيث تتزامن مع تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وطرحه لمبادرة حوار سياسي شامل يُدار داخل البلاد. هذا التزامن يضع “الخماسية” كأداة دولية وإقليمية تحت مجهر الاختبار الشعبي والسياسي؛ فبينما يراها البعض خطوة ضرورية لكسر الجمود، ينظر إليها آخرون بعين الريبة باعتبارها محاولة لفرض وصاية خارجية قد لا تستصحب مرارات الداخل وتطلعاته؛ مما يجعل السؤال حول مدى توافق هذه الوسيلة مع الغاية المنشودة مشروعاً ومحورياً للاستقرار المستقبلي.
تُظهر المواقف المتباينة للقوى السياسية السودانية عمق الأزمة التأسيسية التي تواجه اجتماعات أديس أبابا، حيث تبلورت خارطة المواقف بين المكونات المختلفة و امتدت لتشكل انقساماً تنظيمياً وسياسياً حاداً داخل التحالفات نفسها وعشية انطلاق اللقاء. فبينما انخرط تحالف “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في هذه المشاورات بعد إعلانه التوصل لتفاهمات، واجه التحالف اتهامات من “الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية” بقيادة سالم أبو علامة، بممارسة ضغوط لاستبعاد قوى محددة واشتراط تصنيف الحاضرين في كتل ثلاثية (بورتسودان، نيالا، وصمود) بهدف احتكار تمثيل الكتلة المناهضة للحرب وتهميش بقية القوى المدنية.
هذا التصدع السياسي تبدى بوضوح أكبر في الانقسام الحاد الذي ضرب “الكتلة الديمقراطية”؛ حيث ظهر تياران متعارضان تماماً حول جدوى المشاركة. التيار الأول وهو الفصيل الموالي للمشاركة بقيادة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي ومبارك أردول، دفع بوفد رسمي إلى مقر الاجتماعات وعقد مؤتمراً صحفياً بأديس أبابا لتأكيد حضوره المستقل عن أي إملاءات، معتبراً أن غياب القوى الوطنية عن المنابر الإقليمية المؤثرة لا يخدم القضية. في حين قاد التيار الثاني جناح المقاطعة الشاملة ممثلاً بـ 14 قيادياً بارزاً من زعماء الحركات والكيانات؛ وعلى رأسهم جعفر الميرغني، د. جبريل إبراهيم، الناظر محمد الأمين ترك، والشيخ موسى هلال، والذين أصدروا بياناً مؤسسياً قاطعاً بالاعتذار عن الحضور بصيغته الحالية.
تتمحور الإشكالية الجوهرية التي أثارت القلق لدى قطاعات واسعة، وعبر عنها بيان القيادات المقاطعة في الكتلة الديمقراطية صراحة، في معيارية التمثيل والخلط المرفوض بين المسارين السياسي والأمني. إن إقدام الآلية الخماسية على دعوة ما يسمى تحالف أو حكومة “تأسيس” المرتبط بقوات الدعم السريع للمشاركة في مسار سياسي مدني، يراه الرافضون انفراداً من الآلية في تحديد الأجندة والأطراف دون تفاهمات مسبقة، وتجاوزاً خطيراً يمس بمبدأ المحاسبة عبر فرض واقع سياسي موازٍ ومساواة مؤسسات الدولة الشرعية بمليشيا متمردة متورطة في انتهاكات مدنية جسيمة، وهو ما يقدح في حيادية المنظمين ويهدد سيادة السودان ووحدة أراضيه.
في المقابل، يطرح الجانب الميسر والداعم للمؤتمر رؤية مفاهيمية مغايرة، تؤكد أن اجتماع أديس أبابا الحالي لا يعنى إستهلالاً للعملية السياسية النهائية إنما هو لقاء “استكشافي” محض ستعقبه جولات تالية في يوليو القادم لتشكيل لجنة تحضيرية مرنة وقابلة للتطوير. تهدف هذه المقاربة الدولية إلى هندسة وتصميم العملية القادمة وتحديد الجوانب الإجرائية مع الإقرار المبدئي بأن ملكية وقيادة الحوار يجب أن تظل سودانية. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن تعقيد الأزمة الإنسانية والعسكرية يتطلب حواراً جامعاً يربط مسارات وقف إطلاق النار بالحل السياسي الشامل، إذ لا يمكن تأسيس واقع مستقر دون استيعاب كافة القوى المؤثرة على الأرض.
تتوقف عقلانية التعاطي مع مخرجات هذا الحوار الاستكشافي على مدى إمكانية توجيه وتسيير وسائله الدولية لخدمة الغاية الوطنية الكبرى المتمثلة في التأسيس الدستوري الراسخ بدلاً من الخضوع لإملاءات النخب. ولعل المخرج الآمن لجيْرة نتائج لقاءات أديس أبابا يتجلى في تحويل مخرجاتها لتصب لصالح الرؤية الوطنية التي طرحتها مبادرة رئيس مجلس السيادة، والتي تشترط حواراً “سودانياً – سودانياً” شاملاً يقوده الداخل ولا يُقصي أحداً. ويتطلب هذا التوافق نقل منصة الحوار الشامل لتقام فوق التراب الوطني، مع حصر دور التسهيل الدولي في أربعة كيانات وازنة ومحترمة تحظى بتقدير الشعب السوداني وثقته؛ وهي المنظمة الإقليمية (إيجاد)و(جامعة الدول العربية) ، والمنظمة القارية (الاتحاد الأفريقي) والمنظمة الأممية (الأمم المتحدة)، بما يضمن رعاية نزيهة تحترم سيادة الدولة وتطلعات شعبها نحو سلام عادل ومستدام.



