ولاية سنار تقترب من طي صفحة الخلافات..

لجنة المصالحات تعلن إنجاز 80% من التوافق وترتب لمؤتمر برعاية البرهان..!
إرث “السلطنة الزرقاء” ينتصر على التشرذم.. كيف نجحت “الجودية” في رأب الصدع المجتمعي بولاية سنار؟
تقرير: مصطفى احمد عبدالله
في خطوة متقدمة نحو تحقيق الاستقرار ورتق الشروخ التي خلفتها الأزمات الأخيرة، أعلنت اللجنة العليا للمصالحات والسلم المجتمعي بولاية سنار عن قطع شوط كبير في إنهاء المشاكل والنزاعات الاجتماعية بأغلب محليات الولاية، معلنة الوصول إلى نسبة 80% من التوافق الشامل بين المكونات المجتمعية المختلفة.

جهود مكثفة لمواجهة آثار الحرب
وفي تصريحات صحفية أدلى بها مدير عام وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بالولاية ورئيس اللجنة العليا للمصالحات، الدكتور إبراهيم العوض أحمد أبوكمة، أكد أن اللجنة تبذل جهوداً جبارة ومستمرة وتتحرك ميدانياً في كافة المحليات.
وأوضح أبوكمة أن الهدف الأساسي هو معالجة وتجاوز الآثار والتصدعات الاجتماعية الصعبة التي نتجت عن دخول قوات الدعم السريع إلى أجزاء واسعة من الولاية، والتي أحدثت تخريباً في النسيج المجتمعي المتماسك تاريخياً.
ولا يمكن قراءة هذا النجاح الكبير للجنة المصالحات بمعزل عن الطبيعة الخاصة لولاية سنار؛ فهي ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي مهد الهوية السودانية وعاصمة أول دولة إسلامية موحدة في السودان (سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء 1504 – 1821م)، والتي قامت تاريخياً على صهر المكونات العربية والأفريقية لتبني نموذجاً فريداً في الوسطية والقبول بالآخر
.تُمثل سنار اليوم فسيفساء قبلية نادرة ونموذجاً مصغراً للسودان؛
حيث تضم مزيجاً من القبائل التاريخية كـ (الرفاعة، كنانة، الجعليين، الشايقية، وقبائل النيل الأزرق)، إلى جانب كونها بوابة للتداخل الأفريقي باحتضانها لمجتمعات عريقة مثل (الهوسا، الفلاتة، والبرنو) الذين استقروا بالمنطقة منذ عقود وساهموا في نهضتها الاقتصادية والزراعية.
هذا التنوع الإثني أنتج ثراءً إبداعياً وفلكلورياً تتناغم فيه إيقاعات “المردوم” و”الجراري” مع المديح الصوفي والرقصات الشعبية في لوحة فريدة من التعايش السلمي.
الصوفية والإدارة الأهلية:
صمام الأمان والعدالة العرفية
وثمّن د. إبراهيم العوض الأدوار المحورية والتاريخية لرجالات الإدارة الأهلية والبيوتات الدينية والطرق الصوفية في ولاية سنار. وأشار إلى أن هذه الكيانات تمثل صمام الأمان للمجتمع السناري، نظراً لما تتمتع فيه من حكمة وقبول مجتمعي واسع.
وتاريخياً، تلعب خلاوي ومساديد الطرق الصوفية (كالسمانية، القادرية، والتجانية) في سنار دوراً حاسماً في ضبط الإيقاع الاجتماعي؛ حيث تُعد ساحاتها منابر لعقد مجالس الصلح العرفي والتحكيم “الجودية”.
كما أن التداخل الاقتصادي التلقائي الذي فرضته الطبيعة بين المزارعين المستقرين والرعاة الرحّل خلق نمط حياة يقدس الجيرة والمصالح المشتركة، وهو ما يجعل مجتمع سنار بطبعه مجتمعاً متسامحاً يمتلك آليات داخلية مرنة قادرة على تجاوز الأزمات العابرة وتجفيف منابع الخلاف.
مؤتمر مرتقب برعاية رئيس مجلس السيادة
وكشف رئيس اللجنة عن ترتيبات جارية لعقد أول مؤتمر للمصالحات والسلم المجتمعي على مستوى الولاية، مشيراً إلى أن المؤتمر سيحظى برعاية رسمية رفيعة وتشريف من رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. ويعكس هذا الحضور السيادي الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لملف السلم المجتمعي باعتباره الركيزة الأساسية لأي استقرار سياسي أو أمني مستدام في مرحلة التعافي.
وفي استطلاع لآراء القيادات المحلية، أكد الناظر صلاح منصور العجب أحد رجالات الإدارة الأهلية البارزين بالولاية أن المكونات القبيلة فطنت مبكراً لمحاولات تمزيق النسيج الاجتماعي، قائلاً:” إن ما أحدثته الحرب من شروخ هو أمر دافعنا لرفضه بقوة. نحن في الإدارة الأهلية التزمنا بفتح حوارات مباشرة وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين.
سنار تاريخياً لم تعرف القبلية المرتكزة على الكراهية، ووجّهنا جميع العمد والمشايخ بالعمل الفوري على تطييب النفوس وإعلاء لغة العفو والتسامح، ونؤكد جاهزيتنا لإنجاح المؤتمر الجامع تحت الرعاية السيادية”.
من جانبهم، أعلن مشايخ الطرق الصوفية بالولاية (السمانية، القادرية، والتجانية) عنهم الشيخ حافظ جودة مباركتهم لخطوات لجنة المصالحات.
وفي تصريح للشيخ طلب الدراش عضو مجلس تشريعي بالولاية سابقا ، قال:”الطرق الصوفية هي تاريخياً صمام الأمان للسودان. خلاوينا ومساديدنا لم تغلق أبوابها، وهي مفتوحة الآن كمنابر لـ ‘الجودية’ والصلح العرفي والتعايش السلمي.
ودعا الدراش الجميع في سنار إلى نبذ العصبية وتجنب خطاب الكراهية، فالبلاد تحتاج في مرحلة التعافي هذه إلى رتق النسيج البشري بالقرآن والوعي وتطهير القلوب”.
على صعيد الشارع السناري، أبدى مواطنون في محليات الولاية ارتياحاً حذراً وتطلعاً كبيراً لإنهاء هذه الأزمة.
وذكر المواطن “أحمد الهادي” من أبناء مدينة سنجة:”
وصول التوافق إلى 80% خطوة ممتازة بعثت فينا الأمل. كمواطنين تضررنا كثيراً من فترة دخول المليشيا وما صاحبها من تخريب.
ما نريده الآن هو تفعيل دور القانون لرد المظالم بجانب المصالحات العرفية، حتى يعود المزارع إلى حقله والراعي إلى مساره دون خوف، وتعود سنار كما كانت نموذجاً للأمان والجيرة”.
بينما أشارت المواطنة “إشراقة هارون” من محلية الدندر إلى دور المجتمع قائلة:” المبادرات الشعبية والشبابية هنا في سنار أثبتت قوتها في تأهيل الخدمات والصحة جنباً إلى جنب مع الحكومة. نجاح المصالحات يعني استقرارنا النفسي والمعيشي، ونطالب الإعلاميين بالاستماع لصوت المواطن البسيط والابتعاد عن الشحن وتأجيج الفتن المرفوضة”.
بارقة أمل نحو الاستقرار المستدام
يُجمع مراقبون على أن هذا التلاحم والتكامل في الآراء بين الأجهزة الرسمية، القيادات الأهلية، الرموز الروحية، والمواطنين يعزز من فرص نجاح المؤتمر العام المرتقب. وتؤكد هذه المعطيات أن إرث سنار الثقافي والروحي العريق لا يزال يمثل الترياق الأقوى ضد التشرذم، تمهيداً لبناء مستقبل آمن ومستدام لكل مكونات الولاية.

نداء عاجل ومسؤول للإعلام
وفي سياق متصل، وجّه رئيس اللجنة نداءً حاراً وكبيراً إلى كافة الإعلاميين والمنصات الصحفية، داعياً إياهم إلى إعلاء قيم التسامح والتصافي، وتسخير أقلامهم وأدواتهم لنشر كل ما يدعم رتق النسيج الاجتماعي. كما شدد على ضرورة التحلي بالمسؤولية الوطنية وتجنب نشر خطاب الكراهية أو الشائعات التي تزيد من حدة الاحتقان وتعيق جهود السلام المجتمعي.
بارقة أمل نحو الاستقرار
يُجمع مراقبون على أن إعلان لجنة مصالحات سنار عن الوصول إلى هذه النسبة المتقدمة من التوافق (80%) يمثل بارقة أمل قوية لتعافي الولايات المتأثرة بالنزاع في السودان. وتؤكد هذه الخطوة أن إرث سنار الثقافي والروحي العريق لا يزال يمثل الترياق الأقوى ضد التشرذم، في انتظار ما سيسفر عنه المؤتمر العام المرتقب من توصيات وقرارات تضمن ديمومة هذا الاستقرار وبناء مستقبل آمن ومستدام لكل مكونات الولاية.



