خروج البرهان من القيادة.. أسرار عملية النجاة الجريئة

العميد م طبيب كجاب يزيح الستار عن الملحمة البطولية
سماء الخرطوم كانت حمراء بنيران المليشيا ومضاداتها
البرهان خرج بتكتيك وعملية عسكرية نوعية
هذه ما فعله النقيب قائد “المركب” حين سأله ديدبان المليشيا عن هويته
استشهد قائد المركب ومن ثم مساعده.. وهكذ وصل الركب للمهندسين
أعدها للنشر: رمضان محجوب
في ليلة لم يكن فيها ضوء لقمر، وسماء الخرطوم تلتهب بالحمرة القانية من شدة المضادات والثنائيات، كانت قيادة الجيش ترسم بالدم والحيلة العسكرية طريقا للخروج من حصار المليشيا المطبق. هناك، حيث تمتزج أصوات الراجمات بأنين النيل، انطلقت ملحمة “الأبرار” المجهولة. لم يكن خروج القائد العام نزهة أو صفقة، بل كان عبورا جريئا بين حد الموت ومعاقل المليشيا، صنعه فدائيون نقشوا أسماءهم في سجل الخلود العسكري…. تداولت مواقع التوصل فجر الأحد مقطع فيديو مهم للعميد م طبيب طارق الهادي كجاب يسرد فيه شهادته للتاريخ والاجيال عن هذه الملحمة البطولية…
▪️ جحيم الحصار والسماء الحمراء
يقول العميد كجاب في شهادته :”حينها كنت متواجدا في المهندسين والسلاح الطبي؛ حيث كانت سماء الخرطوم تتحول إلى كتلة حمراء قانية بمجرد سماع صوت طائرة. كانت عشرات المضادات الثنائية تضرب بكثافة من جنوب أم درمان، وغربها، ومن جهة الفتيحاب، ومن تلك المناطق البعيدة في الخرطوم وجنوبها، حيث تمتد سيطرة قواتنا حتى المواقع الاستراتيجية جهة توتي وأبراج قصر الصداقة وقاعة الصداقة.
▪️ تكتيك عملية الأبرار النوعية
ويواصل كجاب :”أؤكد لكم أن البرهان قد خرج حقا خروج الرجال الصادقين، وبتكتيك عسكري محكم وعملية عسكرية مدروسة للغاية. القوة التي نفذت عملية الإبرار هذه كنا نحن في السلاح الطبي في انتظارهم واستقبلنا جرحاهم؛ حيث تحركت تلك المجموعة التي صاحبت القائد العام عبر نهر النيل بواسطة مركب انطلق من سلاح الإشارة، وكان يقوده نقيب بحري وبرفقة مساعد في القوات البحرية.
▪️ رحلة الزورق تحت النيران
ويضيف كجاب :”لقد ضم هذا المركب الصغير جميع الضباط المرابطين هناك، ومن بينهم حرس الرئيس وطاقم مكتبه الخاص الذين كان من المفترض أن يغادروا معه. تحركت المجموعة بتقسيمة عسكرية مدروسة، سائرين مع مجرى النهر حتى وصلوا إلى كبري المك نمر عند نقطة الديدبان، وهناك سئلوا عن هويتهم، فما كان من النقيب البحري إلا أن ضغط على خانق السرعة لأقصى حد، ودفع بالمركب نحو منتصف البحر.
▪️ جحيم الراجمات وقصف الأبراج
ويمضي كجاب بالقول :”في تلك اللحظة، انفتحت على المركب نيران الراجمات وقذائف الآر بي جي والمضادات الثنائية بشكل كثيف ومرعب. لم تكن القوات المهاجمة تقف في أماكن مكشوفة، بل كانوا يتمركزون فوق مباني الديار القطرية، وفندق قصر الصداقة، وعمارات عبد الباسط، وعند كبري كوبر، وبجوار مباني الخارجية، والعمارات الكويتية، والأبراج المحيطة، وبرج الفاتح، وفندق الهيلتون، حيث انصبت الذخيرة بأصوات صاخبة لا يمكن تصورها.
▪️ لحظات الاستشهاد داخل المركب
ويضيف :” كانت المجموعة تلتصق بأرضية المركب تفاديا للموت، بينما كان المركب يندفع بقوة تحت وابل النيران الكثيفة. وفي هذه الأثناء، تعرض النقيب البحري لإصابة بطلقة نارية استشهد على أثرها، حيث نقل لي أحد الزملاء الذين كانوا في المركب قائلا: “سقط النقيب علي مباشرة دون أن ينبس بكلمة أو يقول حتى (آي)، وبعد لحظات شعرت أن الضربة قد مزقت كتفه بالكلية”.
▪️ التشبث بالدفة ومواجهة النيران
بعد سقوط النقيب، تقدم مساعد النقيب البحري فورا وأمسك بدركسون المركب ليقوده، بينما كانوا هم يحاولون التعامل مع مصادر نيران العدو بواسطة أقسام أسلحة الدوشكا التي بحوزتهم. لكن للأسف، أصيب المساعد أيضا واستشهد في مكانه؛ مما دفع بقية الضباط الجالسين إلى خفض رؤوسهم والإمساك بالدركسون وشده بواسطة الحبل بإحكام فقط لضمان استمرار المركب في مساره الدائر.
▪️ العبور إلى جزيرة الدكين
ويضيف كجاب :”لم تتوقف عنهم الذخيرة المقصفة طوال رحلتهم حتى تجاوزنا منطقة فندق الهيلتون، إلى أن ارتطم المركب بشاطئ “جزيرة الدكين”. لم يكن هنالك أي شخص في العالم يعلم بهذه الرحلة السرية، وبعد الوصول إلى هناك, أجرت المجموعة اتصالا هاتفيا مع قيادة سلاح المهندسين لإخبارهم بالعبور قائلين: “لقد وصلنا، أين أنتم؟”، فجاء الرد: “أنتم لم تصلوا بعد، فالدنيا ظلام دامس”.
▪️ الوصول بجوار مبنى البرلمان
ويواصل بقوله :”لقد خرجت المجموعة في ليلة غاب عنها ضوء القمر تماما، وأخذوا يصفون موقعهم لقيادة المهندسين بأنهم في جزيرة ويوجد بها بقر، فقالت لهم القيادة: “لا، ليس هذا هو الموقع المطلوب، عليكم أن تأخذوا المنعطف اليميني الثاني لتتقدموا”. وبالفعل، استمروا في السير حتى خرجوا عند مبنى البرلمان، وحينها استقبلناهم واستقبلنا الشهداء وواريناهم الثرى، وعالجنا الجرحى وتصورنا معهم، في عمل بطولي غير مسبوق.
▪️ معجزة طائرة صافات الصغيرة
ويمضي كجاب بالقول :” هنا تتجلى قصة طائرة شركة “صافات” الصغيرة التي تتسع لشخصين فقط، والتي طالما سخر منها البعض متسائلين عما ينتجه السودان. هذه الطائرة، ورغم كثافة مسيرات المليشيا ودفاعاتهم الجوية المحاصرة للقيادة العامة حصارا مطبقا، جاءت ودخلت عبر ساحة السيد عبد الرحمن، ونزلت داخل القيادة، ثم أقلت السيد الرئيس وطارت به لتصل إلى قاعدة وادي سيدنا خلال خمس دقائق فقط، دون أن يسمعها أحد من الأعداء النائمين.
▪️ عقيدة الجيش وابتكار الحلول
ويختم كجاب شهادته بقوله :”لذلك، لا يمكن لأحد أن يدعي أن الخواجات أو الأطراف الأجنبية هي التي أخرجت الرئيس؛ فحينما التقى البرهان بأحد العساكر في وادي سيدنا وسأله العسكري مستعجبا: “هل أنت القائد حقا؟”، أجابه بأنه هو بالفعل. هذا هو الجيش السوداني وهذا هو شغله الحقيقي إلى يوم الدين، فهم رجال يبتكرون الحلول للمشاكل التي تقع أمامهم، والعسكري عندهم يمتلك حسن التصرف لأنه مؤهل ومدرب ليكون “ابن الموقف” بمجرد انطلاق الرصاصة الأولى.



