ترميم النسيج السوداني: جبال النوبة وصناعة السلام من رحم المرارات

شيء للوطن
بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
تظل الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمم بمثابة المحك الحقيقي لصلابة الهوية الوطنية وقدرة المكونات المجتمعية على الارتفاع فوق الجراح. وفي المشهد السوداني الراهن، الملبد بغيوم الصراعات والمهدد بمخاطر التمزق، تبرز مبادرات البناء الوطني كبارقة أمل تعيد صياغة المشهد. إن الحراك الفاعل والمواقف الشجاعة التي تتبناها الكيانات المجتمعية العريقة، لاسيما تلك النابعة من قلب المعاناة التاريخية كمنطقة جبال النوبة، تمثل خارطة طريق عملية لرتق ما تصدع من وجدان هذا الوطن، وتأكيداً على أن خيار الحوار والوحدة هو الحصن الأخير المتبقي للجميع.
لم تكن منطقة جبال النوبة يوماً بعيدة عن عمق القضية السودانية، بل إنها ظلت تعاني لأكثر من أربعة عقود من ويلات نزاعات مسلحة متطاولة، دفعت ثمنها أجيال كاملة من الأمن والاستقرار والتنمية. وتفاقمت هذه الأوضاع بشكل مأساوي خلال الحرب الأخيرة، لاسيما في حواضر كبرى مثل الدلنج وكادقلي، حيث تحولت المدن القائمة على التنوع التاريخي إلى ساحات للمواجهة الإنسانية الصعبة. غير أن هذا العمق التاريخي من المعاناة لم يورث إحباطاً أو انكفاءً، بل تحول اليوم إلى قوة دافعة تنادي بضرورة الوقف الفوري للاقتتال والحفاظ على ما تبقى من نسيج اجتماعي متهتك.
إن العودة الطوعية للمواطنين واستقرارهم في قراهم ومناطقهم التاريخية لا يمكن أن تتحقق كأمنية مجردة، بل تتطلب تهيئة بيئة وطنية شاملة تقوم على أسس السلام المستدام وصوت الحوار العقلاني الذي يتجاوز لغة السلاح وعقلية الإقصاء.
في الأوقات التي يتعرض فيها كيان الدولة للتهديد، يصبح الصمت أو الانكفاء على الهويات الضيقة خيانة للمستقبل. ومن هنا، تأتي الرؤى الوطنية المرتكزة على تفعيل الهياكل والمكاتب الشعبية والأهلية في العاصمة والولايات كخطوة أساسية للمساهمة في رتق النسيج المجتمعي وتأكيد وحدة الصف. إن تبني مشاريع استراتيجية واضحة تتمثل في عقد مؤتمرات جامعة لكل المكونات المجتمعية، إلى جانب إطلاق حوار مستمر وصريح بين المجتمع والدولة لمناقشة القضايا القومية، يمثل حجر الأساس في بناء الدولة السودانية الحديثة.
هذا الحراك واللقاءات المستمرة مع الجهات الرسمية والأهلية يهدف بالأساس إلى صياغة رؤية توافقية وطنية، تتجاوز إفرازات الحرب الحالية وتصنع مشتركات متينة تمنع الانزلاق نحو التفتت والتشظي المجتمعي الذي يسعى إليه المتربصون بوحدة البلاد وسيادتها.
لا يمكن لسلام أن يعيش أو لتعايش أن يزدهر إذا بُني على حساب العدالة والإنصاف أو على التغاضي عن الجرائم. إن الموقف الأخلاقي والوطني الصارم يتطلب الرفض القاطع لكل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الميليشيات المتمردة (مليشيا الدعم السريع) بحق المدنيين العزل ومؤسسات الدولة. ومن هنا، تبرز الضرورة الملحة للمطالبة بفتح تحقيق دولي واسع في هذه الجرائم، لضمان تحقيق العدالة وعدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المساءلة والمحاسبة القانونية والأخلاقية.
إن المطالبة بالعدالة ليست دعوة للانتقام أو لتأجيج الصراع، بل هي الضمانة الوحيدة لتعزيز التماسك المجتمعي وتفويت الفرصة على الدعوات الخبيثة وخطابات الكراهية التي تستهدف تمزيق وحدة السودان الجغرافية والسياسية وتحويله إلى شظايا متناحرة.
في خضم الحروب العسكرية، تدور حرب أخرى لا تقل ضراوة وهي حرب الوعي وتشكيل الرأي العام ونبذ الأكاذيب. وفي هذا السياق، يقف الإعلام الوطني بكافة منصاته المقروءة والمسموعة والمرئية كشريك أصيل وطليعة متقدمة في معركة الكرامة، من خلال نقل الحقائق وتفنيد الشائعات وتعزيز الوعي القومي. إن الشراكة بين الكيانات المجتمعية والآلة الإعلامية هي التي تضمن صياغة رأي عام مستنير يرفض خطابات الفرقة والشتات، ويُعلي من قيم التماسك والتلاحم مع المؤسسات الوطنية الشرعية وعلى رأسها القوات المسلحة والقوات المساندة لها.
إن الركائز الأساسية التي لا يمكن بدونها تحقيق السلام والاستقرار تكمن في ثلاثة أركان: الحوار الوطني الشامل، وحدة الصف، والتكاتف بين كافة مكونات المجتمع السوداني. إن السودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مصفحة ١٠



