المليشيا تطالب بنصف إيرادات جنوب السودان من النفط
محلل عسكري: على حكومة سلفاكير عدم الاستجابة للابتزاز

في ديسمبر من العام المنصرم، أعلنت مليشيا الدعم السريع المتمردة سيطرتها على الحقل النفطي الاشهر في السودان، وجنوب السودان عقب الانفصال (هجليج).. وهو الحقل الاستراتيجي الكائن بولاية غرب كردفان، والذي يضم منشآت المعالجة الرئيسة لنفط الجنوب ومنها عبر الأنابيب يرحل الى ميناء بورتسودان لعمليات التصدير.. اقتحام المليشيا للحقل ترتب عليه انسحاب القوات المسلحة السودانية والشركات الأجنبية، وسط مخاوف كبيرة من توقف إنتاج النفط الذي يمثل 90% من إيرادات عاصمة الجنوب جوبا، مما أدى لتوتر وتفاهمات أمنية مازالت مستمرة.
مفاوضات جديدة
جاء في اخبار (العودة) خلال الأيام القليلة الماضية، أن قائد المليشيا المتمردة، محمد حمدان دقلو طالب حكومة سلفا بنصف عائدات بترول الجنوب وان مندوب سلفاكير للتفاوض مع (دقلو) عاد بخيبة امل كبيرة، حيث كشفت المتابعات الدقيقة أن رئيس حكومة جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، بعث بأحد مستشاريه الكبار واللعيبة الأساسيين في المنطقة، إلى إحدى دول الجوار والتقى المبعوث الرئاسي بقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) داخل إحدى المزارع البعيدة المقامة في ضاحية تبعد عن العاصمة الأفريقية الشهيرة عدة كيلومترات، وكشفت المصادر أنه قد تم التفاوض حول النفط وإمكانية سماح المليشيا لبترول الجنوب من التدفق من الحقل الذي احتلته المليشيا قبل عدة شهور الى ميناء التصدير عبر الأراضي السودانية.. وأشارت عدة مصادر بأن قائد المليشيا اشترط على حكومة الجنوب أن تمنحه نصف عائدات النفط.. والا سيقوم بإيقافه فورا، حيث أمهل حكومة الجنوب شهرا واحدا قبل تنفيذ التهديد.. وعلى هامش اللقاء قال القائد المليشي لمندوب سلفاكير أنه لم يخسر الحرب وان المعركة مستمرة وستكون لصالحه.. الجدير بالذكر أن مستشار سلفاكير وصف الحالة التي انتهى إليها قائد المليشيا بدقة شديدة وقال إن وزنه بات لا يتعدى الخمسين كيلو وقد ابيّض شعر رأسه بالكامل.
تأثير الحرب على نفط الجنوب
بقدر ما سلطت الحرب الضوء على قطاع النفط في دولة جنوب السودان وتعرض البنية التحتية النفطية لأضرار جسيمة حيث بات الحديث كثيفا عن العائدات وعمليات الفساد إلا أن توقف التصدير لما يقارب العام هو القشة التي قصمت ظهر حكومة سلفاكير التي تعتمد على البترول كلية وهو شريان حياة الاقتصاد في جنوب السودان بمساهمة تكاد تتجاوز ال 90 % من عائدات الدولة والموازنة العامة، غير أن هذا الاعتماد الكلي على قطاع النفط جعل الجنوب نهبا للتقلبات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بهذه السلعة العالمية.
احتياطيات النفط
تقول المعلومات المبذولة أن جنوب السودان، يمتلك كمية كبيرة من احتياطات النفط المؤكدة التي تضعه في المرتبة الثالثة أفريقيا، وفي عام 2020 بلغ إجمالي تلك الاحتياطات نحو 3.5 مليارات برميل معظمها غير مستغل بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الاستثمارات، وكان وزير النفط بوت كانج شول قد أعلن في السابق أن بلاده سوف تستأنف إنتاج النفط الخام بمعدل يصل إلى 90 ألف برميل يوميا.. وقد شهد هذا الرقم في السابق تذبذبا كبيرا، إذ بلغ الإنتاج ذروته في 2011 عقب الانفصال عن دولة السودان بـ350 ألف برميل يوميا، لينخفض لاحقا إلى 148 ألفا عام 2015، في حين بلغ 150 ألفا قبل اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023.. ووفقا لتقرير صادر عن “موردر إنتلجنس”، وهي مؤسسة مختصة بدراسة الأسواق، فإن هذا التفاوت يعزى إلى مجموعة من العوامل، يأتي على رأسها الحرب الأهلية المستمرة وعدم الاستقرار السياسي، اللذان قوّضا قدرة البلاد على الوصول إلى ذروة الإنتاج، حيث يشكل انخفاض ثقة المستثمرين والوضع الأمني عقبات كبيرة أمام قدرة الحكومة على تعزيز إنتاج النفط الخام.
الشركات العاملة
الشركات العاملة والناشطة في بترول الجنوب وقفت مكتوفة الأيدي أمام الصراعات الكبيرة التي تتجاوز قدراتها فلم تفعل شيئا سوى حمل آليات أو ما استطاعت حمله منها وسحب العمال من مهندسين وفنيين وطلب النجاة من الحرب المستعرة، حيث فقد الحقل عدد من الأرواح البرئية في حوادث متفرقة بسبب إطلاق المليشيا للمسيرات قبل احتلال الحقل بالكامل، علما بأن الشركات التي تنشط في جنوب السودان على رأسها شركة النيل للبترول، وشركة أكون للتكرير المحدودة، وشركة البترول الوطنية الصينية، وشركة بتروليام ناشيونال بيرهاد (بتروناس) وغيرها.. ويتضمن القطاع النفطي في جنوب السودان عددا من المصافي المهمة التي تعمل على تكرير التفط الخام، ومن أبرزها مصفاة بانتيو في ولاية الوحدة الغنية بالنفط، والتي تهدف إلى إنتاج 10 آلاف برميل يوميا، وفقا لتصريحات أيان مالونج نائب المدير العام ومدير إدارة المصب في مؤسسة النيل للبترول.. وبلغت تكلفة بناء المصفاة 100 مليون دولار، وهي واحدة من خمس مصاف من المقرر أن تبلغ طاقتها التكريرية الإجمالية المخطط لها 127 ألف برميل يوميا لتغطية احتياجات السوق المحلية والإقليمية.
محلل عسكري يستبعد
استبعد محلل عسكري والخبير الاستراتيجي الملم بأحوال المنطقة، أن تخضع حكومة الجنوب لابتزاز قائد المليشيا المتمردة محمد حمدان دقلو، مبينا أن المليشيا لا تمتلك اي حق يدفعها للمطالبة بنصف إيرادات نفط جنوب السودان، واضاف: إن فرضنا أن هذا المطلب قد جاء من أجل حماية حقول النفط، فممن نحميها والمليشيا وحدها هي التي تخرّب وتغتصب وتمارس الهمبة والدمار، مشيرا إلى أن خروج الدعم السريع من جميع مناطق غرب كردفان مسألة وقت ليس الا، والجيش قادر على استعادة كل شبر في السودان، لذلك نطالب حكومة سلفاكير بعدم الاستجابة للابتزاز لأن مفاوضتها للمليشيا خطأ استراتيجي ما كان لها أن تقع فيه منذ الوهلة الاولى، حتى لا يحسب آل دقلو أن لديهم حق في الحقول النفطية.
استفادة الشمال من الجنوب
يستفيد السودان ماليا من نفط جنوب السودان الذي يمثل العائد الرئيسي للنقد الأجنبي عبر رسوم العبور والمعالجة، وتشغيل مصفاة الخرطوم، وتوفير جزء من النفط الخام لتوليد الكهرباء (محطة أم دباكر)، ويحصل السودان على العوائد المالية مقابل نقل النفط عبر أنابيبه وميناء بشائر على البحر الأحمر.. كما يتم تكرير النفط الخام الوارد من الجنوب في مصفاة الخرطوم لتلبية الاحتياجات المحلية من الوقود.. وكذلك الحصول على كميات من النفط الخام (حوالي 18 ألف برميل يومياً) لتشغيل محطة “أم دباكر” لتوليد الكهرباء في النيل الأبيض.. كما يتقاضى السودان مبالغ مالية كجزء من ترتيبات مالية انتقالية تعوضه عن فقدان حقول النفط بعد انفصال الجنوب في 2011.



