علم الدين عمر يكتب : الواسطة.. شعبٌ يترنح ودولة تُهدم !! ..1/2

حاجب الدهشة..

من أكثر الأشياء التي تثير دهشتي.. وتستفزني للحد الذي أفقد معه المنطق إستهجان الناس وإستغرابهم لأنني لا أزال أتعامل مع مؤسسات الدولة بالطريقة التي يفترض أن يتعامل بها أي مواطن.. أدخل من الباب المخصص للجميع.. أقف في الصف إذا اقتضى الأمر.. وأنتظر دوري.. وأرفض أن أرفع سماعة الهاتف باحثاً عن شخص “يعرف شخصاً” ليختصر لي الطريق.. على أي حال لا أعتبر ذلك بطولة.. وإنما السلوك الطبيعي الذي يجب أن يكون هو القاعدة.. لكن المفارقة أن هذا السلوك الطبيعي أصبح في السودان سلوكاً غريباً.. حتى يكاد صاحبه يبدو وكأنه يغرد خارج السرب..

لقد بلغ هوس الواسطة عندنا مرحلة تستحق الدراسة.. فلا يكاد المواطن يشرع في إنجاز معاملة حتى يبدأ بالسؤال عن الوسيط قبل أن يسأل عن الإجراءات.. وعن صاحب (النفوذ) قبل أن يبحث عن (النافذة) المختصة.. وكأن مؤسسات الدولة لم تعد مؤسسات.. لقد حولوها لشبكة علاقات شخصية.. لا تتحرك إلا إذا دارت فيها عجلة الهاتف والرجاء والمعرفة.. والتبادل المنافع..

يقيني أن هذه ليست مجرد ممارسة إجتماعية طبيعية كتلك التي تحدث في كل الدنيا وعلي مر التاريخ الإنساني.. بل تحولت إلى ثقافة كاملة أعادت تعريف النجاح والفشل.. المواطن لم يعد يشعر بقيمة حصوله على الخدمة لأنها حق يكفله القانون.. إنما لأنه حصل عليها عبر إستثناء يميزه عن الآخرين ويشعره بالعظمة ويذيقه حلاوة الإستثناء.. وكأن القيمة الحقيقية ليست في إنجاز المعاملة..بل في الطريقة التي أُنجزت بها.. وكلما زادت الخصوصية.. تضخم الإحساس بالمكانة..

حتى عبارة “سأقف في الصف” أصبحت عند البعض إعلاناً عن قلة الحيلة.. كما حدث معي حين جعلني صديق مقرب مادة (للونسة) بسبب ترددي علي شباك الخدمة بسفارة السودان بالقاهرة لإجراء معاملة لا تستهلك أكثر من ربع دقيقة هاتفية بظنه..فهو ينظر إلى من يتجاوز الطوابير.. ويقتحم المكاتب.. ويستعين بالهواتف والأسماء.. كشخص ناجح يعرف كيف “يقضي أموره”.. وهنا تكمن المأساة.. فقد انقلب ميزان القيم.. وأصبح احترام النظام استثناء.. بينما صار الإلتفاف حوله هو الأصل..

ولهذا تحولت مكاتب الخدمة العامة.. في الوعي الجمعي.. إلى جزر للخدمات الخاصة.. فلا تكاد تجد معاملة..مهما كانت بسيطة أو ميسرة.. إلا ويبحث صاحبها عن باب خلفي.. لم يعد كثيرون يثقون في الإجراءات نفسها بقدر ثقتهم في الأشخاص الذين يستطيعون تعطيلها أو تجاوزها..

المؤلم أن الدولة.. عبر سنوات طويلة أنفقت الأموال والجهود لتطوير الخدمات.. وتبسيط الإجراءات..وإدخال الأنظمة الإلكترونية.. وتقليل الإحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع..لكننا كثيراً ما نهدم هذه الجهود بأيدينا.. فما جدوى تبسيط الخدمة إذا كان المواطن نفسه يصر على أن يشعر بأنه حالة إستثنائية؟ والدولة تصر عبر موظفيها (الأعداء) علي فتح أبوابها الجانبية لبعضهم؟؟!!وما قيمة المؤسسات إذا كان الجميع يبحث عن معاملة لا تشبه معاملة الآخرين؟..

في كل دول العالم يقف الناس في الطوابير لأنهم يدركون أن الصف ليس إهانة.. بل عنوان للمساواة.. أما نحن، فقد نجحنا في تحويل الطابور إلى رمز للهزيمة الشخصية.. والواسطة إلى وسام اجتماعي.. والاستثناء إلى حق مكتسب..إنها معادلة مقلوبة لا يمكن أن تنتج دولة مستقرة أو مؤسسات محترمة..

إن أخطر ما أصاب المجتمع السوداني ليس انتشار الواسطة فحسب.. وإنما تحولها إلى معيار للمكانة الاجتماعية.. حتى كأن بعض الناس لا يطمئنون إلى أن لهم قيمة إلا إذا فُتحت لهم الأبواب المغلقة.. وتوقفت الإجراءات من أجلهم.. وأنتظر الآخرون حتى يمروا أولاً.. إنه مرض إجتماعي مزمن.. يمكن أن نطلق عليه بلا مبالغة..وهم العظمة..

لن نبني دولة حديثة ما دام كل فرد يريد أن يكون استثناءً.. لابد أن نعلم أن القانون يكفي.. وأن الصف يحفظ الكرامة.. وأن الحق الذي يصل إليك دون واسطة هو أعظم من ألف خدمة جاءت عبر الهاتف..

يوم يصبح المواطن السوداني فخوراً بأنه أنجز معاملته مثل أي مواطن آخر.. لا أفضل منه ولا أقل.. سيكون ذلك اليوم إعلاناً حقيقياً عن بداية تعافي الدولة… وتعافي المجتمع..

نعود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى