حلاوة “العودة”

أبعدته الخلافات عن أعظم مشروع جمالي
عثمان النو .. عراب عقد الجلاد
تقرير: سراج الدين مصطفى
عراب التأسيس:
وضع عثمان النور حجر الأساس لتجربة عقد الجلاد الموسيقية الفريدة ليصنع هوية لحنية ثورية غير مسبوقة في المشهد السوداني المعاصر حيث امتزج التوزيع الأوركسترالي بالصوت الجماعي المقاوم ليؤسس مدرسة التزمت بقضايا الإنسان والوطن وصاغت وجدانا شعبيا حرا تجاوز الأطر التقليدية للغناء السائد تاركا بصمة جمالية خالدة في الذاكرة الجمعية السودانية باقتدار تام.
صوت الجماعة:
حملت ألحان عثمان المبكرة شحنات تعبيرية استثنائية جعلت من الفرقة صوتا حقيقيا للمهمشين والمكافحين عبر توليف هارموني معقد ومتماسك دمج الإيقاعات المحلية بالرؤية العالمية الحديثة فكانت الأغنيات بمثابة منارات ضوء وسط العتمة السياسية وظلت رمزا فنيا ملهما أرسى تقاليد جديدة للغناء الجماعي وحقق قبولا جماهيريا عريضا تخطى حدود الجغرافيا والطبقات الاجتماعية بنجاح باهر.
بداية التصدع:
بدأت التوترات تدب في جسد هذا المشروع الجمالي العظيم حين غلبت الأنا الفردية على الروح التشاركية الخالصة وتحولت نقاشات التطور الفني إلى خلافات شخصية حادة قادت إلى تباعد الرؤى وانقسام الإرادات مما مهد لانهيار التوافق المبدئي الذي كان يشكل الدرع الحصين للفرقة أمام عواصف التغيير والتحديات الخارجية المختلفة دون وعي كاف.
قرار الرحيل:
اختار الموسيقار المجدد الابتعاد حين أصبحت بيئة العمل خانقة لطاقته الإبداعية المتجددة ليغادر مشروعه الأم في لحظة فارقة وصادمة للجمهور الذي كان يرى في عقد الجلاد وحدة مصير فنية لا تقبل التجزئة أو الغياب لكن الواقع الإنساني والتباين الإداري فرض مسارا حتميا للفراق المؤلم بين رفاق الدرب الطويل وسط خيبة أمل.
ولادة راي:
لم يستسلم عثمان للغياب أو الانكسار بل سارع إلى تأسيس فرقة راي الموسيقية ليواصل مغامرته اللحنية الخاصة باحثا عن آفاق أرحب وحرية أوسع في التعبير والتوزيع مستقطبا عناصر شابة بروح وثابة لإعادة صياغة تجربته برؤى معاصرة تواكب طموحه الموسيقي اللامحدود وتثبت قدرته الدائمة على التجدد والابتكار تحت مختلف الظروف والتحديات الفنية الصعبة.
امتداد النغم:
عكست أعمال فرقة راي نضجا فكريا وموسيقيا عميقا يؤكد أصالة موهبة عرابها الذي لا يتوقف عن استكشاف مساحات صوتية غير مطروقة مع الحفاظ على ذات المضمون الإنساني والوطني النبيل الذي ميز مسيرته الطويلة فكانت التجربة بمثابة امتداد طبيعي لفلسفته النغمية لكن بروح أكثر تمردا وانطلاقا نحو العالمية والتفرد التقني المدهش في التنفيذ.
انكسار الحلم:
أثبتت هذه التجربة المريرة كيف تؤدي النزاعات الشخصية الضيقة إلى إضعاف أعظم المشروعات الإنسانية والجمالية في تاريخنا الحديث حيث خسر الجمهور تماسكا أسطوريا كان قادرا على الاستمرار طويلا وتشتت جهود عظيمة لو اجتمعت لصنعت معجزات إضافية في فضاء الأغنية المعاصرة مما يجعل الدرس قاسيا لكل الكيانات التشاركية الملهمة في بلادنا.
فنان اصيل:
يبقى عثمان النور فنانا أصيلا قاوم التراجع وترك إرثا لا يموت في وجدان محبي الموسيقى الراقية سواء داخل صرح عقد الجلاد أو عبر منصة راي ليعلمنا أن الشغف الحقيقي يستمر رغم التحديات وأن الإبداع النابع من صدق التجربة يظل محفورا في ذاكرة الأجيال كشعلة أمل وجمال لا تنطفئ أبدا مهما تعاقبت السنين.
///////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
الشافعي شيخ إدريس مبدع متجاوز !!
ذاكرة قديمة:
أجد نفسي مجبرا بالعودة قليلا إلى ذلك المؤتمر الصحفي الذي أقيم بمنتجع الأسكلا السياحي بمناسبة انطلاقة مهرجان ميلاد الأغنيات وكان الزميل محمد عبد الله يعقوب يعمل وقتها بالزميلة آخر لحظة وطرح سؤالا مهما على الأستاذ السموأل خلف الله رئيس اللجنة العليا للمهرجان وقتها حول قضية استلهام الألحان القديمة.
سؤال مهم:
قال محمد عبد الله إن بعض المشاركين قدموا أغنيات تضمنت سرقة ألحان وكان يقصد تحديدا الموسيقار الشاب الشافعي شيخ إدريس الذي أدخل جزءا من السلام الجمهوري في قفلة أغنيته وقد استهجن الزميل هذه الجزئية لكن السؤال الحقيقي هل كان ما ذهب إليه صحيحا أم أن المسألة تتجاوز مفهوم السرقة تماما.
فكرة عميقة:
الأغنية التي تغنى بها الفنان الشاب محمد عبد العزيز شبكة العضو السابق في فرقة عقد الجلاد ولحنها الشافعي تحمل تفكيرا واضحا ويتضح ذلك من المقطع قلت وبقول أنت الملاذ سودانا يا وطن الصمود عزتنا فيك وثقتنا بيك ما ليها في الآخر حدود عايشين بحسك يابلد دي وصية من زمن الجدود.
استلهام التراث:
في هذا المقطع تحديدا استلهم الشافعي إيقاع أغنية جدودنا زمان وصونا علي الوطن التي جاءت على إيقاع الرق واستخدم الإيقاع داخل بنية جديدة وهذا في تقديري تفكير متجاوز في التلحين لأنه يوظف التراث بوصفه ذاكرة ودلالة وليس مادة للنسخ والشافعي لم يأت بسابقة بل سار في طريق عرفه المطربون قبله.
محمد الأمين:
الموسيقار محمد الأمين من أكثر الذين استلهموا التراث في أغنياتهم سواء في جزئية صغيرة أو أغنية كاملة ومن أمثلة ذلك حروف اسمك التي أدخل فيها مقولة شعبية نرددها في ليالي الأعراس الليل الليل العديل والزين الليلة تقدموا وتبرأ ثم جعلها جزءا من البناء الغنائي دون أن تفقد الأغنية سياقها الجمالي.
معالجة موسيقية:
في أغنية عابر طريق أدخل محمد الأمين موسيقى الدوبيت بعد المقطع بيتين من الدوبيت في ليلة صيفية واستخدم آلة الكمان لتقول موسيقى الدوبيت وفي مراكب الشوق استدعى النغمة يا مهيرة عقد الجلاد عريسك غلبو الثبات عالجها داخل اللحن لتظهر حين يقول وأتذكرك وكتين أشوف أما تهبهب لعروس صند زفاف وترقصا.
رموز غنائية:
الدلائل كثيرة ومنها تجربة حمزة سليمان حين أخذ مقطعا من أغنية الفينا مشهودة وأدخله في لحن باب السنط التي كتبها محجوب شريف مرثية لعلي المك كما فعل طارق جويلي في عطبرة حين استدعى عديلة وربطها بذاكرة حلفا فصار الاستلهام وسيلة لفتح المعنى وربط النص بتاريخ المكان والناس والذاكرة الشعبية السودانية.
إبداع متجاوز:
لذلك لا أرى في تجربة الشافعي شيخ إدريس سرقة للألحان بل أرى مبدعا حصيفا يمتلك خيالا لحنيا خصبا وقدرة على تحويل التراث إلى دلالة جديدة إنه شاب مجتهد وموهوب حتى النخاع ومفكر قبل أن يكون ملحنا وله قدرة حقيقية على الإضافة وتجاوز الأشكال العادية في التلحين وصناعة المعنى الموسيقي الجديد.
////////////////////
نص كلمة
شريف شرحبيل.. مقدرة عالية لسد الفراغ اللحني !!
ركيزة أساسية:
يمثل شريف شرحبيل حاليا الركيزة الأساسية في فرقة عقد الجلاد التي تعتمد عليه في الجانب اللحني بعد مغادرة عثمان النو ثم شمت محمد نور وأصبح وجوده داخل الفرقة مرتبطا بالحاجة إلى المحافظة على حضورها الموسيقي واستمرار مشروعها الغنائي مع الاستفادة من خبرته وقدرته على صناعة الجملة اللحنية المتماسكة.
فرصة سانحة:
ولعل المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لشريف شرحبيل لكي يقدم نفسه بصورة أكبر كملحن شحيح الإنتاج لكنه يمتلك أدوات تؤهله للظهور في مساحة أوسع خاصة أن الفرقة تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى أصوات لحنية قادرة على سد الفراغات وإعادة ترتيب المشهد الفني دون التفريط في هوية عقد الجلاد.
الكم والكيف:
وربما وجد شريف فرصة سانحة لتقديم نفسه إلى الوزارة التي تمازج بين نظرية الكم والكيف وهو مؤهل لأن يكمل الفراغات اللحنية ويمنح المشهد إضافة حقيقية فالمطلوب ليس كثرة الألحان وحدها وإنما قدرتها على صناعة قيمة فنية متماسكة تفتح الطريق أمام تجارب جديدة وتعيد للملحن السوداني حضوره المستحق المميز.
////////////////////////
كلام فى الفن
نهى عجاج:
نهى عجاج تعاني بصورة واضحة جدا من صعوبة في تحريك صوتها بين المناطق الصوتية المختلفة فحين تهبط إلى المناطق الغليظة يختفي الصوت تماما وحين تصعد إلى المناطق الحادة يبدو ناقصا ويقودها ذلك احيانا إلى النشاذ كما تواجه مشكلة واضحة في مخارج الحروف والكلمات وهي مشكلات تحتاج إلى معالجة فنية جادة.
عبير علي:
عبير علي تملك صوتا استثنائيا شهدت له خبرات كثيرة في مجال الصوت والموسيقى وهي من الأصوات النادرة بين جيلها ومع ذلك لم تصل إلى المكانة التي تستحقها في عالم الغناء وربما تقف وراء ذلك أسباب خفية حالت دون انتشار تجربتها رغم امتلاكها قدرات كبيرة تؤهلها لصناعة تجربة خاصة ومختلفة ومدهشة.
حسن عطية:
حسن عطية يمثل نموذجا ماثلا للفنان الأنيق صاحب التجربة المختلفة فقد امتلك بصمة واضحة وحضورا مميزا ومختلفا واستطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة بين الفنانين وكان قريبا من ذائقة النخبة المثقفة في زمانه وظل حضوره ممتدا حتى اليوم لأن تجربته قامت على الذوق الرفيع والخصوصية والقدرة على صناعة هوية فنية.
منال بدر الدين:
منال بدر الدين منذ انفصالها عن فرقة عقد الجلاد قبل سنوات ظلت تقف في المكان ذاته ولم تستطع تجربتها الجديدة تماما أن تتحرك إلى الأمام وظلت تعاني حالة من الكساح والضمور وعدم القدرة على الانتشار وهي بحاجة إلى مراجعة تجربتها واكتشاف مساحات جديدة تساعدها على استعادة حضورها الفني بصورة أقوى.
حسن فضل المولى:
حسن فضل المولى كل التعاطف الذي يجده لم ينطلق من أرض ذات رمال متحركة وليس تعاطفا عاطفيا محضا كما أن الذين كتبوا عنه ليسوا جميعا من زمرة أصدقائه رغم امتلاكه صداقات في مجالات مختلفة لكنه شخصية استثنائية وخاصة جدا وتأتي قيمته من حضوره الإنساني وقدرته على ترك أثر واضح ومختلف.




