هدنة الهزيع الأخير: تراجع “الرعد” الترامبي وطموحات “السيادة” الإيرانية في ميزان الصحافة العالمية

بقلم/ المهندس محمد عبد اللطيف هارون
دخل العالم، منذ الساعات الأولى لإعلان اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران، في حالة من الذهول السياسي الذي يسبق العواصف الكبرى؛ فلم يكن الاتفاق الذي وُلد قبل ساعة واحدة من “ساعة الصفر” مجرد ترتيبات عسكرية عابرة لوقف القصف، بل كان إعلاناً صريحاً عن بلوغ “سياسة حافة الهاوية” مداها الأقصى، حيث اصطدمت طموحات الإمبراطورية العائدة بصخرة الجغرافيا السياسية العنيدة، لتتحول نبرة “الرعد” الترامبية إلى “زبد” انحسر أمام صمود الميدان.
لقد اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في خطوة وصفتها الصحافة الغربية بأنها “تجميد مؤقت لصراع لم يحسم”، وبينما كانت الطائرات والمدمرات تنتظر أمر “الإبادة الحضارية” الذي لوّح به دونالد ترمب، جاءت الوساطة الباكستانية بضغط صيني لتفتح مخرجاً اضطرارياً للجميع. وقد بدت تغطيات الصحف العالمية متشككة، بل ولاذعة في وصف هذا التحول؛ فصحيفة “نيويورك تايمز” رأت أن ترمب وجد مخرجاً من الأزمة لكن “أسباب الحرب لا تزال قائمة”، مشيرة إلى أن الترهيب الذي مارسه الرئيس قد يكون أتى بثماره شكلياً، لكن الجوهر لا يزال متفجراً، أما “ديلي تلغراف” فقد كانت أكثر قسوة حين أكدت وجود “ثغرة بحجم قنبلة نووية” في نصر ترمب المزعوم، إذ لا تزال طهران تمتلك قدرات التخصيب العالي التي كانت هي السبب المعلن لإشعال شرارة الحرب، وفي باريس، رأت “لوموند” أن “تراكم أوجه القصور” في إدارة ترمب وسرعة تكيف النظام الإيراني قد أجهضا فاعلية القصف الذي لم يحقق أهدافه الاستراتيجية بعد خمسة أسابيع من النار.
إن ما شهدناه اليوم خلف كواليس القرار في واشنطن وطهران لم يكن مجرد تراجع، بل هو تجسيد حي لصراع الإرادات الذي انكسرت فيه حدة التهديدات الترامبية “الرعدية” أمام صخرة الواقعية السياسية وحسابات الميدان الإيرانية المعقدة؛ فترمب الذي اعتاد اللعب على حافة الهاوية برفع سقف الوعيد إلى درجات قصوى، وجد نفسه مضطراً لابتلاع مهلة الثلاثاء الحاسمة واستبدالها بهدنة الأسبوعين، وهي خطوة تكتيكية بامتياز تهدف إلى اختبار ردود الفعل وتجنب الانزلاق نحو مستنقع حرب شاملة قد تطيح بأسعار النفط العالمية وتدمر حظوظه الانتخابية. ومن هنا جاء التبرير الأمريكي المعلن بأن “الأهداف العسكرية قد تحققت”، في محاولة مكشوفة لتجميل مشهد التراجع أمام الرأي العام وتصويره كفعل ناتج عن “قوة وحكمة” وليس رضوخاً للأمر الواقع الذي فرضه إغلاق مضيق هرمز والصمود العسكري الإيراني طوال الأربعين يوماً الماضية.
وقد تعمّق هذا المأزق الأمريكي بدخول باكستان حلبة الوساطة، حيث لم يخلُ الموقف في إسلام آباد من نبرة تهكمية عكسها تصريح وزير الدفاع الباكستاني الذي سخر بوضوح من جعل “فتح مضيق هرمز” هدفاً استراتيجياً للحرب، مذكراً العالم بأن المضيق كان مفتوحاً ومنساباً قبل اندلاع شرارة المواجهة، وأن العودة للمربع الأول لا يمكن تسويقها كـ “نصر عسكري” لترمب، بل هي اعتراف ضمني بفشل التصعيد في تغيير الواقع الجيوسياسي الذي كان قائماً بالفعل. وفي المقابل، لم تفوت طهران هذه اللحظة التاريخية لتصيغ نصرها الميداني في قالب سياسي ودبلوماسي شديد اللهجة، حيث جاء بيان المجلس الأعلى للأمن القومي بتوجيه من المرشد مجتبى خامنئي ليعلن بوضوح أن “العدو هو من يتوسل وقف النار”، فارضةً شروطاً عشرة لم تكن لتجرؤ على طرحها لولا ثبات “محور المقاومة” في الميدان.
وعلى رأس هذه الشروط، يأتي المطلب الإيراني بتحويل مضيق هرمز من ممر دولي مستباح إلى منطقة سيادة إيرانية خالصة يُدار العبور فيها بالتنسيق مع قواتها المسلحة وبمقابل مادي يصل إلى مليوني دولار لكل سفينة، مع اشتراط تقاسم هذه العوائد مع سلطنة عمان في خطوة تهدف لتعزيز التحالفات الإقليمية وكسر العزلة. ولم يتوقف الطموح الإيراني عند هذا الحد، بل امتد ليشمل اشتراط إنهاء كافة العمليات العسكرية ضد حلفائها في المنطقة بما في ذلك الضربات الإسرائيلية في لبنان، ورفع جميع العقوبات الاقتصادية الأولية والثانوية مع دفع تعويضات كاملة عن أضرار الحرب، وهي مطالب تضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي، فإما القبول بـ “استسلام دبلوماسي” مُغلف بصفقة، أو العودة لمربع القصف الذي أثبتت التجربة أنه لم يكسر إرادة القرار في طهران، خاصة وأن التشكيك الباكستاني الأخير قد جرّد واشنطن من ورقة “المنجز الميداني” وحوّل التركيز نحو الأهداف العميقة التي عجزت الآلة العسكرية عن تحقيقها.
هذا التناقض الصارخ بين جبروت الآلة العسكرية الأمريكية وقوة الموقف السياسي الإيراني التقطته الصحافة العالمية بدقة؛ فقد سخرت صحيفة “آي بيبر” من تراجع ترمب، مشيرة إلى أن لقب “ترمب الذي يجبن دائماً” الذي أطلقه عليه تجار وول ستريت قد ثبتت صحته مجدداً، بينما رأت “إلبايس” الإسبانية أن طهران لا تزال تمسك بزمام المبادرة، وأن قدرتها على طرح شروط تعجيزية تضع النظام الإيراني في موقف قوة لا يقل عما كان عليه قبل الأربعين يوماً من القصف. وهكذا نجد أن مفاوضات “إسلام آباد” المرتقبة يوم الجمعة القادم لن تكون طاولة لتبادل المجاملات، بل ساحة حرب سياسية بامتياز تُدار تحت ظلال “أيدٍ لا تزال على الزناد”.
فبينما يحاول ترمب استغلال هذه المهلة لانتزاع “اتفاق تاريخي” يرمم به صورته كصانع صفقات عالمي ويسكت به أصوات المعارضة الداخلية التي تخشى التورط العسكري، تمسك إيران بزمام المبادرة عبر تأكيدها على “انعدام الثقة الكامل” بالجانب الأمريكي واعتبارها أن العودة للقتال هي الخيار الجاهز في حال لم تتحول الوعود الأمريكية إلى قرارات ملزمة من مجلس الأمن تضمن رفع التجميد عن الأرصدة والاعتراف بالسيادة الإيرانية الكاملة، ليبقى المشهد في محصلته النهائية عبارة عن توازن رعب حقيقي، حيث يتجرع “نتنياهو” وحلفاؤه مرارة رؤية إيران وهي تخرج من أتون التهديد الوجودي لتدخل في مرحلة فرض المعادلات الأمنية الجديدة، مما يجعل من الأسبوعين القادمين أخطر اختبار للدبلوماسية الدولية، فإما أن تفضي هذه المساومات القاسية إلى ولادة نظام إقليمي جديد تعترف فيه واشنطن بموازين القوى الراهنة، أو أن تكون هذه الهدنة مجرد هدوء خادع يسبق عاصفة كبرى قد لا تبقي ولا تذر في حال أخطأ أي طرف في تقدير خطواته القادمة.



