ترامب ولعبة الحافة: حين تغدو الفوضى أداة لإعادة تشكيل العالم
الجزء الثاني: تطبيقات لعبة الحافة في إيران والخليج وأوروبا

*بقلم.: صباح المكي*
إذا كان الجزء الأول قد انشغل بتفكيك منطق ترامب بوصفه فاعلًا لا يكتفي بمخالفة القواعد، بل يسعى إلى إعادة كتابتها وفق ثلاثية السيطرة والإبهار والتصفية، فإن اختبار هذا المنطق لا يكتمل على مستوى الفرضية وحده، بل في كيفية اشتغاله داخل الملفات الأكثر حساسية في السياسة الخارجية الأمريكية. ومن هنا يأتي هذا الجزء الثاني ليتتبع تطبيق تلك الآلية في ثلاث ساحات تكشفها بأوضح صورها: إيران بوصفها مسرح التهديد المحسوب، والخليج بوصفه خزان التمويل والارتهان الأمني، وأوروبا بوصفها شريكًا لا يريد ترامب الحفاظ على نديته، بل إخضاعه داخل معادلة الكلفة والطاعة والانضباط.
*أولًا: إيران*
*التهديد بوصفه أداة، لا مجرد موقف*
لا يتعامل ترامب مع إيران بوصفها خصمًا استراتيجيًا بالمعنى الكلاسيكي فحسب، بل بوصفها أيضًا أداة مثالية لصناعة المشهد. فهي، في منطقه، عدو قادر على إنتاج الخوف من دون أن يفرض تلقائيًا كلفة وجودية على الولايات المتحدة. وهذا تحديدًا ما يجعلها مناسبة لتوليد التوتر، وابتزاز الحلفاء، وتقديم نفسه بوصفه رجل الحسم.
في هذا الملف، تظهر أدواته بأوضح صورها. فسياسة “الضغط الأقصى ” لم تُصمم فقط لإضعاف إيران اقتصاديًا، بل لإبقائها في حالة ترقب دائم: هل الضربة قادمة؟ هل باب التفاوض لا يزال مفتوحًا؟ وهل كان الانسحاب من الاتفاق نهاية مسار أم مجرد خطوة لإعادة فرض الشروط؟ والمقصود هنا لا يقتصر على دفع طهران إلى التراجع، بل يتعداه إلى شل قدرتها على بناء أفق استراتيجي مستقر.
ثم يظهر منطق “السعر الأعلى “. تبدأ المطالب بسقف لا يمكن قبوله عمليًا: تفكيك البرنامج النووي بالكامل، وكبح الصواريخ، والانسحاب من دوائر النفوذ الإقليمي. وحين ينخفض هذا السقف لاحقًا، يبدو أي خفض أمريكي في المطالب وكأنه مرونة، بينما يكون المقصود الحقيقي انتزاع أكبر قدر ممكن من التراجع الإيراني تحت ضغط الخوف من المجهول.
أما “الجنون المتعمد “، فليس هنا مجرد لغة متقلبة، بل طريقة لإنتاج اللايقين: الانتقال من الحديث عن اتفاق إلى التهديد بالمحو، ومن التصعيد إلى التراجع، ومن العقوبات إلى الإشارات الغامضة عن التسوية. وكل ذلك يدفع الخصم إلى استنزاف موارده في التكيف مع الاحتمالات، بدل استثمارها في صياغة رد طويل المدى.
*ما الذي يريده ترامب من إيران في نهاية المطاف؟*
لا يبدو الآن أن ترامب يريد من إيران حربًا شاملة بقدر ما يريد نهاية قابلة للتسويق بوصفها انتصارًا. فهو يدرك أن إرثه لن يُكتب عبر الإنجازات الداخلية فقط، بل أيضًا عبر الطريقة التي يخرج بها من هذا الملف: رئيسًا “حسم ” أزمة عجزت إدارات سابقة عن إنهائها. غير أن التطورات الأخيرة كشفت أن هذا” الحسم ” لا يأتي في صورة إخضاع كامل، بل في صورة هدنة مؤقتة مشروطة كشفت أن أقصى درجات الضغط الأمريكي والإسرائيلي لم تُفضِ إلى كسر الإرادة الإيرانية، وأن طهران خرجت من هذه اللحظة لا بوصفها طرفًا مهزومًا، بل بوصفها طرفًا حال دون ترجمة التفوق العسكري إلى إخضاع سياسي كامل.
فقد انتقل ترامب من خطاب تصعيدي أوحى للعالم بأنه مستعد للذهاب إلى أقصى مدى، إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، وربط ذلك بإعادة فتح مضيق هرمز، والتعامل مع المقترح الإيراني ذي البنود العشرة بوصفه أساسًا عمليًا للتفاوض. وبهذا المعنى، لم يعلن ترامب قبول البنود العشرة نصًا، لكنه أقرّ ضمنيًا بأنها تحتوي ما يكفي لفتح باب التفاوض، أي إنها لم تعد تُعامل بوصفها شروطًا مرفوضة، بل بوصفها أرضية ممكنة لإنتاج تسوية قابلة للتسويق سياسيًا.
وبهذا المعنى، لم تُنتج لعبة الضغط الأقصى استسلامًا إيرانيًا، كما لم تمنح ترامب الانتصار الحاسم الذي أراده. لقد أمسك العالم عند حافة الهاوية، ملوّحًا بتدمير شامل إذا لم تمتثل طهران، وترك الانطباع بأنه قد يذهب إلى أبعد حدود التصعيد، قبل أن ينتهي، عند لحظة الاختبار، إلى هدنة مؤقتة ومسار تفاوضي أُعيد تقديمهما لاحقًا بوصفهما دليلًا على الحسم.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: رجل أراد أن يُخضع إيران بمنطق الحافة، فإذا بمنطق الحافة نفسه ينتهي إلى نتيجة معاكسة. فإيران لم تُدفع إلى الاستسلام الاستراتيجي الذي صعّد خصومها من أجله، بل نجحت في منعهم من تحويل التفوق العسكري والتهديد الأقصى إلى إخضاع سياسي. وبهذا المعنى، يمكن القول إن إيران ربحت استراتيجيًا، لا لأنها خرجت بلا كلفة، بل لأنها منعت الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم فائض القوة، من انتزاع النتيجة التي سعيا إليها أصلًا: لا ركوع، ولا استسلام، ولا إعادة تشكيل للمنطقة بالشروط التي فُرضت تحت القصف والتهديد.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال فقط: هل نجح ترامب في إخافة خصمه؟ بل: ماذا يعني أن ينتهي أقصى التهديد إلى وقف مؤقت للنار، لا إلى الركوع الذي وُعد به العالم؟ وماذا يكشف ذلك عن حدود القوة حين تُدار بمنطق الاستعراض، وتُدفع إلى حافتها القصوى، ثم تتراجع عندما تصطدم بحدود الكلفة والاستحالة؟
*ثانيًا: الخليج*
*الحماية بوصفها علاقة كلفة وتبعية*
لا يرى ترامب دول الخليج حلفاء بالمعنى التقليدي، بل أطرافًا تدفع مقابل الحماية. ففي منطقه القائم على الصفقات، لا تكون المسألة تحالفًا استراتيجيًا بقدر ما تكون عقد حماية: أنتم تدفعون المال وتقدمون الولاء، ونحن نوفر المظلة الأمنية في مواجهة إيران.
ومن هنا، تتجلى أدواته على الخليج بوضوح. فالفوضى هنا لا تُستخدم لإسقاط الخصم، بل لإبقاء الحليف في حالة قلق دائم من احتمال الانسحاب الأمريكي أو تبدل الأولويات. والتلويح الضمني بشعار “أمريكا أولًا ” لا يعمل فقط بوصفه خطابًا انتخابيًا، بل بوصفه تهديدًا مستمرًا: قد نترككم وحدكم إذا لم ترتفع كلفة الحماية.
ثم يظهر هنا أيضًا منطق رفع السقف إلى الحد الأقصى. فالمطالب لا تتوقف عند حد: تطبيع أوسع مع إسرائيل، ومليارات إضافية، واندماج أعمق في ترتيبات أمنية تخدم واشنطن. والقاعدة هنا واضحة: لا يوجد سعر نهائي. فكلما أعطى الخليج أكثر، ارتفع سقف المطلوب منه.
أما “الجنون المتعمد “، فيظهر في التناقض بين الرسائل: نحن معكم، لكننا لن نموت من أجلكم. التزام لفظي بالحماية يقابله تلميح دائم بإمكان التراجع أو إعادة الحسابات. وهذا ما يجعل الثقة المستقرة داخل التحالف أمرًا شبه مستحيل، ويستبدلها بعلاقة قائمة على اللايقين والولاء المتقلب.
ويُضاف إلى ذلك منطق “المرآة ” بما ينطوي عليه من شخصنة وإذلال. فالحليف، في هذا السياق، لا يُختبر فقط بمدى التزامه السياسي، بل أيضًا بمدى تحمله الإهانة وتفهمه “المزاح ” الرئاسي. ومن يقبل بذلك يُقرأ بوصفه أكثر قابلية للانضباط، أما من يطلب الاحترام أو الندية فيغدو أقرب إلى طرف غير موثوق.
*ما الذي يريده ترامب من الخليج فعليًا؟*
يريد ترامب من الخليج ثلاثة أمور مترابطة: أن يتحمل العبء العسكري في أي مواجهة كبرى مع إيران، وأن يدفع العبء المالي عبر صفقات السلاح والاستثمارات وكلفة الحماية المتجددة، وأن يندمج نهائيًا في معادلة إقليمية تربطه بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي على نحو يصعب التراجع عنه. فالتطبيع، في هذا المنطق، ليس هدفًا مستقلًا، بل أداة لإقفال المجال الاستراتيجي أمام أي تموضع خليجي خارج المظلة الأمريكية.
وفي الجهة الأخرى، لا يريد ترامب استقرارًا خليجيًا يسمح لهذه الدول بهامش استقلال فعلي، ولا انفتاحًا واسعًا على الصين أو روسيا، ولا قادة يتمتعون بشرعية داخلية كافية تمكّنهم من مقاومة الضغوط الأمريكية.
لكن مكمن الخطورة هنا أن الخليج يقرأ اللعبة أيضًا. فالقادة الخليجيون يدركون أن ترامب لا يمكن الركون إليه على المدى الطويل، وأنه قد يتركهم إذا اقتضت مصلحته، وأنه يستخدم الإذلال أداة ضغط لا مجرد زلة لسان. ولهذا تظهر، في المقابل، تكتيكات مضادة: تنويع التحالفات، وبناء قدرات دفاعية ذاتية، واستخدام المال نفسه كورقة نفوذ داخل الولايات المتحدة.
والسؤال هنا ليس فقط: كم يستطيع ترامب أن يبتز الخليج؟ بل: هل ينجح الخليج في بناء كلفة مضادة تردعه عن تجاوز الحدود، أم أن انقساماته الداخلية ستتركه فريسة سهلة لمنطق الحماية المدفوعة؟
*ثالثًا: أوروبا*
*الضغط بوصفه أداة لإخضاع الشريك*
لا ينظر ترامب إلى أوروبا بوصفها شريكًا طبيعيًا في قيادة الغرب، بل ككيان استفاد طويلًا من الحماية الأمريكية من دون أن يدفع الكلفة التي يراها مستحقة. ولهذا لا تبدو مشكلته معها عسكرية فقط، بل بنيوية أيضًا: فهو لا يريد لأوروبا أن تكون كتلة غربية متماسكة وقادرة على التفاوض على قدم المساواة مع واشنطن، بل سوقًا كبيرة يمكن الضغط عليها، وتحالفًا يمكن تفكيك تماسكه من الداخل.
وفي هذا الملف أيضًا، تظهر أدواته بوضوح. فالتهديد المتكرر بالانسحاب من الناتو، والضغط لرفع الإنفاق الدفاعي، وفرض الرسوم، وتغذية الانقسامات الأوروبية الداخلية، ليست مواقف متفرقة، بل وسائل لإبقاء أوروبا داخل هامش الحركة الذي ترسمه واشنطن. كما أن تقسيم القارة إلى “أوروبا جيدة” و”أوروبا سيئة” ليس انفعالًا عابرًا، بل أداة لمنع تبلور موقف أوروبي موحد.
ثم يأتي هنا أيضًا منطق “السعر الأعلى”. فالمطلوب من أوروبا ليس فقط أن تدفع أكثر، بل أن تدفع داخل بنية تبقي الولايات المتحدة هي المورد والضامن والموجّه. أي إنه لا يريد لأوروبا أن تقوى بوصفها قطبًا مستقلًا، بل أن تبقى تابعة أمنيًا، ومنفتحة اقتصاديًا، وخاضعة لشروط إعادة توزيع الأعباء كما تحددها واشنطن.
ويُضاف إلى ذلك عنصر اللايقين. فالتلميح بترك أوروبا لمصيرها، أو التشكيك في الالتزام الدفاعي الأمريكي، أو الانتقال بين التهديد والتطمين، كلها أدوات تمنع نشوء ثقة مستقرة داخل التحالف. فالمقصود ليس فقط الضغط من أجل مزيد من الإنفاق، بل إبقاء الأوروبيين في حالة قلق دائم تجعل أي استقلال استراتيجي خطوة محفوفة بالكلفة.
*إلى أين يريد ترامب دفع أوروبا؟*
في نهاية المطاف، يريد ترامب من أوروبا ثلاثة أمور مترابطة: أن تبقى كتلة غربية منضبطة أمنيًا تحت القيادة الأمريكية، وأن تتحول إلى سوق مفتوحة للغاز والسلاح والضغط التجاري الأمريكي، وأن يتقلص حضورها السياسي في ملفات الشرق الأوسط وما بعد الحروب. أي إنه لا يريد شريكًا أوروبيًا يعيد تعريف التوازن داخل الغرب، بل طرفًا يدفع أكثر، ويعترض أقل، ويظل محكومًا بسقف الحركة الذي ترسمه واشنطن.
وفي المقابل، لا يريد أوروبا موحدة وقادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية، ولا شراكات أوروبية واسعة مع الصين تعيد توزيع التوازن العالمي، ولا دورًا أوروبيًا مستقلًا في ترتيبات ما بعد الحرب في الأقاليم الملتهبة.
غير أن المفارقة هنا أن هذا الضغط نفسه قد يدفع أوروبا إلى ما يريد منعه. فكلما زاد الضغط عليها، زادت حاجتها إلى التفكير في استقلال دفاعي أكبر، وفتح قنوات أوسع مع قوى أخرى، ومحاولة تخفيف التبعية التي طالما اعتُبرت ركيزة للعلاقة عبر الأطلسي. وهكذا قد يجد ترامب نفسه، وهو يسعى إلى إبقاء أوروبا أضعف وأكثر خضوعًا، يدفعها، من حيث لا يريد، إلى أن تصبح أقل اعتمادًا على واشنطن وأكثر ميلًا إلى بناء موقع مستقل عنها.
*في المحصلة*
وبذلك تكشف الساحات الثلاث، على تباينها الظاهر، أن ما يبدو في خطاب ترامب مواقف متفرقة ليس إلا تجليات متعددة لمنطق واحد. ففي إيران، يُدار التهديد بوصفه أداة لفرض صورة الحسم، لكن النتيجة لم تكن إخضاعًا، بل فشلًا في كسر الخصم، ومن ثم منجزًا استراتيجيًا لإيران التي منعت خصومها من تحويل التصعيد إلى ركوع. وفي الخليج، يُعاد تعريف التحالف باعتباره علاقة حماية مدفوعة الكلفة، تُنتج التبعية بقدر ما تُنتج الأمن. أما في أوروبا، فلا يكون الضغط وسيلة لصيانة الشراكة، بل لإبقاء الشريك داخل سقف الطاعة ومنع تحوله إلى قطب أكثر استقلالًا.
غير أن قيمة هذه التطبيقات لا تقف عند حدود توصيفها، بل فيما تكشفه من بنية أوسع: نظام دولي يُعاد فيه توزيع المواقع لا وفق عمق الشرعية أو ثبات الالتزام، بل وفق القدرة على فرض الكلفة، وإنتاج القلق، وإبقاء الآخرين في حالة احتياج دائم. ومن هنا، لا يعود السؤال مقصورًا على كيفية إدارة ترامب لهذه الملفات، بل يمتد إلى ما تعنيه هذه الإدارة للعالم الذي يتشكل تحتها.
ولهذا ينتقل الجزء الثالث من مستوى التطبيق إلى مستوى الاستخلاص: ما الخيط الناظم بين هذه الساحات الثلاث؟ ماذا تتعلم الدول الأقل تطورًا من عالم تُدار فيه القوة بهذه الطريقة؟ ماذا يعني ذلك للخليج، وقد اكتشف أن المال لا يشتري دائمًا مظلة مستقرة؟ وكيف يمكن قراءة مستقبل الحضور الأمريكي في المنطقة بعد أن أصبح القلق نفسه جزءًا من هندسة النفوذ؟
bitalmakki@gmail.com



