هل يعلو صوت العقل على ضجيج الانقسام؟ قراءة نقدية في أزمة “محلية دلقو”..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ولا أحد يختلف في أن واحدة من نواتج الحرب في السودان الظاهرة هي حالة “الاحتقان” التي انتظمت المجتمعات، وصارت حدة الخطاب المجتمعي أو السياسي هي السمة الثابتة التي لا تخطئها أي أذن مرت عليها أحوال السودانيين في الفضاء التفاعلي، الذي صار ميدانًا آخر للحرب، في الغالب سيكون تأثيرها أكبر بكثير على مستقبل السودان من حرب أبريل.

بالتأكيد فإن تناولنا لما حدث في “محلية دلقو” بالولاية الشمالية في اليومين السابقين، وتوالت هزاته الارتدادية ببيانات وتصريحات توضّح أو تشجب وتدين من كل الأطراف التي ترى بأنها جزء من هذه المشكلة أو متأثرة بها، لا يكون من قبيل أنه الحدث الاستثناء؛ فما حدث، ونحن نتحرى التوصيف الدقيق، هو “حالة عامة” تتكرر كل يوم، تحدث في الواقع ويعكسها الفضاء التفاعلي، وتصبح نارًا في هشيم الوطن والشعب اللذين يدفعان الثمن.

ونحن هنا، وبالضرورة، لا نبحث عن ثنائية “المجرم” و”المدان”، لأن هذه المنهجية فيها عوار بائن لا يقود الباحث عن الحلول إلى نقطة الحقيقة، ولا نبحث عن الحياد الذي في الغالب يطمس قيمة الموقف المبدئي، ولا “الموازنات” التي لم تُقِل عثراتنا الكثيرة.

نحن هنا نتحسس تجاربنا التي صنعتها الحرب وواقعنا المأزوم بكلياته، لنؤكد بأننا، وفي هذا التوقيت الحرج من تاريخ السودان، محتاجون إلى خطاب الوعي والتنوير أكثر من الكتابة بحبر الاصطفاف المتشنج والانحياز المبني على إقصاء الآخر وجودًا وقيمة وحقوقًا.

(*) الوقفة الاحتجاجية ..

ونقاش الأشياء في أصولها يضع “شُعبًا” يقوم عليها بنيان النقاش والحوار، وبالتالي فإن وقوف الأهالي احتجاجًا للتعبير عن المطالب والحقوق في أصله حق مشروع لا خلاف عليه، سواء قام به مواطنو محلية دلقو أو غيرهم من المواطنين في أي مكان. ونرى بأن “المسطرة” والميزان الذي يمنح الحقوق هو “المواطنة”، طالما أن الوسيلة في التعبير عن هذا الاحتجاج هي “السلمية”.

ويجب التنبيه هنا إلى نقطة جوهرية في الموضوع، أخذناها في الاعتبار ونحن نكتب هذه السطور من قراءتنا لردود الأفعال التي تفجرت بعد ذلك بسبب هذا المشهد؛ إذ إن تثبيت الحق في الاحتجاج لا يعني بالضرورة الاتفاق وتطابق الرؤى مع الدوافع والمبررات التي كُتبت في المذكرة التي سلّمها المحتجون لسلطات المحلية.

وباعتقادي، فإن اللغة التي كُتبت بها المذكرة التي سلّمها المحتجون اعتراضًا على قرارات السلطات المحلية بالولاية بشأن إنشاء معسكر إيواء للنازحين، قد كُتبت بحساسية أقل بكثير مما هو مطلوب في سياق الحرب، الأمر الذي وضع هذه اللغة في قفص الاتهام بالكراهية والعنصرية. ولم يكن إثبات حالة عدم الحساسية في لغة المذكرة الاحتجاجية يحتاج لأكثر من “الاستدراك” بالشرح للمذكرة نفسها، والتوضيح بأنه لم يكن المقصود بها النازحين من مواطني دارفور، بقدر ما هو منطق واقع تفرضه الموارد والخدمات، لم تدرسه السلطات التي أصدرت القرار ولم تناقش فيه المكوّن المحلي، ليجدوا سبيلًا للحل غير سبيل الدخول في هذه المواجهة التي لا تضيف لواقع البلد والولاية المأزوم إلا المزيد من المشكلات.

وبرأيي، فإن حتى هذه المذكرة الاحتجاجية، ولغتها التي أظهرت “تماسًا” لا تخطئه العين مع خطوط النار التي يصنعها خطاب الكراهية، على الرغم من منطقية ومشروعية النقاط التي طالب فيها المحتجون السلطات المحلية بالانتباه إليها حال تنفيذ القرار بإنشاء المعسكر، كان من الممكن ضبطها بالتوضيحات التي خرجت لاحقًا، وذكرت بأن الأصل في أهالي محلية دلقو هو ترحابهم بأهلهم النازحين، ولديهم من سابق المعاملة ما يؤكد عدم الجنوح لما جاء في عقل الكثيرين بالكراهية والعنصرية، لولا التزامن الذي حدث بين الوقفة الاحتجاجية وتقديم المذكرة والمقطع المصوّر من الوقفة الاحتجاجية، والذي برأيي أشعل فتيل الأزمة لما احتواه من محتوى سيئ، ويُعد خطاب كراهية بامتياز. ولا نريد هنا أن نعقد محكمة “نوايا” لنقول بأن هناك سبق إصرار على “الفتنة” وترصدًا لا يخفى على المستمع لمحركات الكراهية بين مكونات الشعب السوداني، وتصوير أن الحل لأزمة الموارد والخدمات في محلية دلقو هو منع النازحين من ويلات الحرب من التواجد في مكان هو جزء من وطنهم يتمتعون فيه بكافة الحقوق التي تكفلها المواطنة وتلزم بها كل مواثيق حقوق الإنسان.

(*) أطراف جديدة ..

لم يكن من الغريب أن تتفاعل سلطة دارفور والقوة المشتركة مع الأحداث، وأن يصدر منها التصريح الذي نعتقد بأنه قد ذهب للتعامل مع الموقف من زاوية مقطع الفيديو، والذي انتشر أكثر من خبر الوقفة الاحتجاجية والمذكرة التي صاغها المحتجون. وبدأ الأمر وكأنه اصطفاف أكثر من إدارة أزمة بعقلية الدولة المسؤولة عن المخطئ والمصيب، مع وجود ضرورة حتمية للتمييز بين الاحتجاج المشروع والخطاب العنصري؛ فالأول حق أصيل، والثاني يقوض أسس الدولة ويهدد وحدة البلد.

وفي وسط هذا الهيجان، كان الواجب يفرض ألا تأخذ الناس حمية الأفعال وردودها، لأن المنطق يحاكم الوقائع لا النوايا، وواقع الحال يقول بأن المحلية تشهد تعايشًا يكذب حتى ما جاء في المقطع المسجل بلغة عنصرية، واستدعاءه فقط للرد والتعليق على ما حدث بهذا التعميم لا ينتج معالجة موضوعية، مطالب بها كل من هو جالس على مقاعد السلطة والقرار.

(*) التناول الإعلامي “الضار” ..

وعندما نتحدث عن خطاب الكراهية والعنصرية وأثره في مجتمع لا يزال تحت تأثير الحرب كالمجتمع السوداني، فإن الاشتراطات المهنية الحاكمة للأداء الإعلامي تتصاعد عن عتبة نقل الأخبار إلى عتبات المسؤوليات الأخلاقية تجاه تفاعلات المجتمع مع هذه القضايا، بحيث لا يتورط الإعلام في أن يكون طرفًا في قضية تثير الكراهية والعنصرية. وتقع عليه المسؤولية في حساسية التعامل مع هذا النوع من القضايا، وهذا ما لم يحدث في النقل والتعليق على أحداث محلية دلقو؛ فزاد النقل المختل طين الأزمة بِلّة، وبدأ الأمر وكأنه متسق مع ما جاء في المقطع المصوّر المحتشد بخطاب لا يقبله الدين ولا الأخلاق. ويجب أن تصبح هذه الحادثة نقطة تحول وانتقال كامل للوقوف وخلق جبهة وطنية عريضة ضد معسكر الكراهية والعنصرية وإشعال الحرب الذي صار آخذًا في الانتشار.

لم يعد كافيًا على الإطلاق الشجب والإدانة لخطاب الكراهية والعنصرية، إذ أصبحت الوقائع تفرض إطارًا قانونيًا يجرّم هذا الصنف من الخطابات ويضعه كجريمة في الدستور والقانون السوداني.

دور الدولة والمجتمعات المحلية والإعلام في هذا المنعرج التاريخي، والذي تعيش فيه الدولة السودانية اختبار وجودها في حد ذاته بأكثر من حدود خطورة التفكك والانقسام، هو الاتجاه لتأسيس خطاب وطني جامع يكون هو الترياق لآثار خطاب الحرب والكراهية، وترسيخ قيم المواطنة، وإدارة الحوار بعيدًا عن الاستقطاب الحاد، وضرورة الإصغاء للمخاوف المشروعة دون الانزلاق والاستجابة لخطاب الكراهية، وسد الطريق أمام انتهاز مثل هذه الأحداث لتصفية الغبائن وتأجيج نار الانقسام المجتمعي.

في هذا الموقف، نعتقد بأن السلطات المحلية أصدرت قرارها قبل أن تعطيه الدراسة التي تستوعب السياق الذي سينفذ فيه، سواء من ناحية إشراك المجتمع المحلي أو مطلوبات إنشاء المعسكرات الخدمية التي تحفظ كرامة النازحين أنفسهم في بيئة بها الحد المناسب من ضروريات الحياة.

والمجتمع المحلي المدني، وهو يمارس حقه المشروع في الاحتجاج والتظاهر، عليه أن يرفع درجات الحيطة والحذر تجاه كل ما من شأنه التشويش على الخطاب والموقف والقضية، كما حدث في قضية المحتجين في محلية دلقو، وحتى لا يكونوا مضطرين للتبرؤ من سلوك فردي ضيّع عليهم القضية الأساسية التي خرجوا من أجلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى