مركز السودان للقلب.. اسمٌ عالقٌ في الوجدان.. وصرحٌ ينهض من رماد الحرب

بقلم: الفريق اول ركن يحيى محمد خير احمد
حين تُذكر المؤسسات التي سكنت وجدان السودانيين لا باعتبارها مبانٍ من حجرٍ وحديد، بل بوصفها ذاكرة وطنٍ نابضة، يجيء مركز السودان للقلب في مقدمة تلك الأسماء التي تطرق القلب قبل الأذن، وتوقظ في النفس شعوراً عميقاً بأن هذا البلد مهما أثقلته المحن، لا يزال قادراً على أن ينهض، وأن يبني، وأن يضمد جراحه بالعلم والإرادة.
هذا الصرح الطبي التابع لإحدى مؤسسات الإدارة العامة للخدمات الطبية، والقابع في ضاحية أركويت، لم يكن مجرد مستشفى تخصصي؛ بل كان مشروعاً وطنياً متكاملاً، ينمو بهدوء وبتخطيط متوازن بين التخصصات المختلفة، حتى جاءته الحرب بما حملت من خرابٍ وتشتيت، غير أن المركز لم ينكسر، بل ظل كامناً كالجمر تحت الرماد، ينتظر لحظة العودة.
ولأن السودان لا يخلو من الرجال الذين يقرأون المستقبل بعين الوطن، فقد كانت الإرادة حاضرة، وكان القرار واضحاً: إعادة التأهيل… واستعادة الحياة.
القلب يعشق كل جميل… وكأن أم كلثوم كانت تغني لهذا المكان

عندما صدحت أم كلثوم: “القلب يعشق كل جميل”، بدا وكأنها كانت تكتب على غير قصدٍ عنواناً مناسباً لهذا الصرح الذي عاد للحياة بروحٍ جديدة، وهدوءٍ عميق، وقوة تركيزٍ تشبه دقة عمل القلب ذاته: لا ضجيج… ولكن إنجاز.
فمركز السودان للقلب اليوم ليس مجرد مبنى أُعيد طلاؤه أو أجهزة تم استبدالها، بل هو مشروع لإعادة الأمل، ونافذة وطنية لمرضى القلب الذين أنهكتهم مشقة السفر، وتكاليف العلاج بالخارج، ومخاوف الانتظار الطويل.
قرار القيادة… وبصمة الهندسة العسكرية في قلب الطب
ويُحسب للقائد العام للقوات المسلحة أنه دفع بجهدٍ مباشر وحاسم عبر مستشاره الهندسي الفريق مهندس أمير للإشراف المباشر على إعادة تأهيل هذا المرفق العام، في خطوةٍ تؤكد أن بناء الدولة لا يقل شرفاً عن حمايتها، وأن المعركة ليست فقط في الميدان، بل أيضاً في إنقاذ الإنسان.
لقد اكتملت الصورة… وتم الإنجاز… وكيف لا يتم؟
والإرادة كانت حاضرة، والخطط كانت واقعية، والرجال الذين حملوا الملف حملوه بعقل الدولة لا بعقل اللحظة.
السلاح الطبي… ماردٌ خرج من قمقمه
في الوقت الذي تقاتل فيه القوات المسلحة بالسلاح في المحاور المختلفة، كان السلاح الطبي يقاتل بمعنى آخر: يقاتل من أجل بقاء الحياة.
لقد خرج السلاح الطبي من قمقمه ماردًا جباراً، لا يحمل الرصاص، بل يحمل المشرط، والدواء، والضماد، والأمل. خرج بقوة تنظيمه وخبرته، وبقيادة واعية تمضي بثبات نحو توفير وتوطين العلاج داخل السودان، بأعلى جودة، وأدق معايير، في وقتٍ كان فيه كثيرون يظنون أن الظروف لا تسمح إلا بالتراجع.
لكنها مدرسة القوات المسلحة:
إذا ضاق الوقت… اتسعت العزيمة.
قيادة السلاح الطبي… ومهنية تصنع الفارق
ويقف على رأس هذا العمل الوطني الكبير الفريق طبيب زكريا قائد السلاح الطبي، الذي ظل يدير ملف الخدمات الصحية بعقلية المؤسسة الراسخة، لا بعقلية رد الفعل، مستنداً إلى خبرات تراكمية، وإلى قناعة ثابتة بأن صحة المواطن ليست ترفاً، بل أمن قومي.
وفي مركز السودان للقلب يعمل إداريًا وفنيًا وطبياً نفر كريم من كبار اختصاصيي القلب، منهم:
الدكتور عبدالكريم
الدكتورة سلمى
الدكتور عبدالباقي
الدكتور حسن الساعوري
إلى جانب كوكبة من الأطباء والتقنيين والكوادر المساندة الذين صنعوا ويصنعون الفارق، لأن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تُبنى بسواعد الرجال وصدق الرسالة.
الدكتور عزمي… رجلٌ راكزٌ من جيل التأسيس
وفي مشهدٍ يحمل رمزية عميقة، يقف الدكتور عزمي، ذلك الرجل الراسخ الذي كان من ضمن المؤسسين، ينظر اليوم بعين الرضا وهو في رحلة استشفاء خارج السودان ندعو له بالشفاء العاجل… بينما ينظر إليه الناس بعين الفخر.
هو نموذجٌ للأطباء الذين لا يمرون مرور العابرين، بل يتركون أثراً مثل النبض: مستمراً… وإن لم يُسمع صوته.
قلعة حصينة تكسرت عندها سنابك الأعداء
لقد ظن الأعداء أن الخراب وحده يكفي لإطفاء النور، لكنهم لم يفهموا أن السودان يمتلك مؤسساتٍ عندما تتعرض للضربات تتحول إلى قلاع.
إن السلاح الطبي كان وما زال قلعة حصينة، تكسرت عندها سنابك الأعداء من الجنجويد، ليس لأنه يحمل السلاح، بل لأنه يحمل القدرة على إعادة البناء وسط الركام، وإعادة تشغيل الحياة وسط الدخان.
فهذا المركز ليس مجرد إنجاز هندسي أو إداري، بل هو رسالة واضحة تقول:
السودان لا يموت… والسوداني لا يستسلم.
مركز السودان للقلب… حين يتحول الألم إلى مشروع وطن
اليوم، بعد إعادة التأهيل، يعود مركز السودان للقلب ليؤدي دوره الطبيعي كمنارة علاجية متخصصة، وكرافعة وطنية تسهم في تخفيف العبء عن المواطنين، وتقليل تحويلات العلاج للخارج، ورفع مستوى الخدمة الطبية داخل البلاد.
وهو في جوهره أكثر من مستشفى… إنه قصة وطن.
قصة مؤسسة نبتت بهدوء… ثم واجهت الحرب… ثم نهضت بعزيمة أقوى.
ختاماً…

إن إعادة تأهيل مركز السودان للقلب ليست حدثاً عابراً، بل محطة مهمة في طريق تثبيت مفهوم أن الدولة يمكن أن تحارب وتبني في آنٍ واحد، وأن القوات المسلحة ليست فقط قوة ميدانية، بل مشروع وطن شامل، يحمل البندقية حيناً، ويحمل سماعة الطبيب حيناً آخر.
مركز السودان للقلب…
اسمٌ عالقٌ في الوجدان،
وإنجازٌ يستحق أن يُكتب بماء الفخر،
لأن القلب حين ينبض… فإن الوطن ينهض.
ما سكنَ القلبَ شيءٌ مِثل الرضا، ولا استنار البيتُ بمثلِ ذكر الله. اللهم اجعل بيوتنا عامرةً بذكرك، آمنةً بفضلك، مطمئنةً بحفظك.. اللهم من خير الي خير ومن جميل الي اجمل.. اتمنى لكم العافية.



