النظام المصرفي السوداني.. العودة لمربع “العزلة المالية”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولابد هنا أولاً، وللقراءة في قضية النظام المصرفي السوداني مع النظام المصرفي الدولي، أن نعيد تحرير الخبر المتداول هذه الأيام بخصوص هذا الموضوع، والقائل بصدور قرارات جديدة من طرف وزارة الخزانة الأمريكية بحق المصارف السودانية وحظر عودتها لمعاملات النظام المصرفي العالمي. والصحيح هو ألا قرارات جديدة بهذا الشأن بقدر ما أنه استمرار سريان عقوبات وإجراءات كانت قد اتخذتها الوزارة سابقاً في مواجهة النظام المصرفي في السودان.
الجديد في الأمر هو أن محافظ بنك السودان المركزي/ آمنة ميرغني، ومن خلال زيارتها الأخيرة للعاصمة الأمريكية واشنطن، كانت قد تقدمت بطلب بإعادة إدماج النظام المصرفي السوداني في النظام الدولي واستعادة المعاملات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولا يزال السودان يواجه صعوبات حقيقية في ذلك.
(*) معوقات سياسية وفنية للنظام المصرفي..
العزلة “المالية” التي يعيشها النظام المصرفي السوداني حالياً هي جزء من عزلة عامة ظل يعيشها السودان بسبب أوضاع سياسية ألقت بظلالها على النظام المصرفي، ومجرد إدراج اسم السودان في قوائم الإرهاب العالمي آنذاك كان كفيلاً بوضع “الكلبش” على يد النظام المصرفي السوداني بتهم دعم الإرهاب الدولي وغسيل الأموال، وحجج مراقبة حركة الأموال، بغير التفكير في أن العزلة المالية والاقتصادية تُعد، وعن تجربة، واحدة من أكثر أدوات وزارة الخزانة الأمريكية والنظام الدولي فعالية من حيث العقوبات، وتظهر نتائجها سريعاً في مواجهة أي تمرد على اشتراطات هذا النظام ومؤسساته الدولية، سواء كان صندوق النقد أو البنك الدولي.
في أيام ذروة المواجهات مع النظام السابق في السودان في التسعينيات، فُرضت هذه القيود المالية على السودان، ودخل النظام المصرفي في نفق العزلة المالية المظلم، ودفع الشعب التكاليف جراء هذه العقوبات، والتي كانت سبباً مباشراً في كسر شوكة النظام السياسي واضطرته لاتخاذ حزمة تنازلات قادت الولايات المتحدة الأمريكية، في أيام الولاية الأولى للرئيس الحالي دونالد ترامب عام 2017، لتخفيف القيود المفروضة على السودان.
ما تم اعتباره إصلاحاً في الإطار السياسي السوداني بعد ثورة ديسمبر 2018م ترتب عنه قرار سياسي دولي اتخذته الإدارة الأمريكية برفع السودان من قوائم الإرهاب عام 2020، الشيء الذي كان يُتوقع منه أن تتبعه آثار مالية واقتصادية سريعة تخرج النظام المصرفي السوداني، الذي ظل يتنفس تحت الماء لسنوات.
“ميكانيزمات” النظام المصرفي العالمي لا تتحرك بذات سرعة القرار السياسي، والحساسية المفرطة التي تخلقها أنظمة العقوبات المالية والاقتصادية جعلت المصارف والبنوك العالمية تتباطأ في عودتها للتعامل مع النظام المصرفي السوداني.
ففي الوقت الذي كان العالم يفحص أوراق اعتماد السودان ضمن العائلة الدولية، لم يستطع النظام المصرفي السوداني فنياً تقديم ما يقنع بالإيفاء باشتراطات “الامتثال المالي”، والمتمثلة في تقوية أنظمة مراقبة ومكافحة عمليات غسيل الأموال، أو معالجة “الهشاشة” الواضحة في أدوات الرقابة المصرفية وغياب الشفافية المالية، والذي تسبب عملياً في تأخير عودة النظام المصرفي للنظام الدولي كأثر مالي واقتصادي مباشر لرفع السودان من قوائم الإرهاب.
السياسة والاقتصاد توأمان “سياميان” لا انفصال بينهما في لغة المجتمع الدولي، ولذلك ظل ضبط الحالة السياسية هو المؤثر الأساسي في منظومة العمل المالي والاقتصادي في السودان، وما ظل يحدث في السودان منذ العام 2021 من عدم استقرار سياسي، ظلت آثاره واضحة في السياق الاقتصادي، لتجيء حرب أبريل 2023 لتعيد النظام المصرفي في السودان إلى “قفص” العزلة المالية من جديد.
ووفقاً للمعايير الدولية للنظام المالي الدولي ومؤسساته، فإن السودان يُعتبر بيئة مالية ومصرفية “عالية المخاطر”، والسلوك السياسي في السودان هو الذي قطع الطريق أمام إعفاءات الديون التي تضمنتها مبادرة HIPC، والخطوات الإيجابية لصندوق النقد الدولي تجاه السودان.
(*) البحث عن المفتاح في واشنطن..
أمريكا بيدها “ريموت كنترول” النظام المالي العالمي، وبيدها مفاتيح مؤسسات التمويل “البنك الدولي/ صندوق النقد”، وقرار إدارتها السياسي هو المفتاح الذي بحثت عنه محافظ بنك السودان آمنة ميرغني في زيارتها الأخيرة لواشنطن بهدف إعادة دمج السودان مالياً واستئناف التعاون مع المؤسسات المشار إليها. ونعتقد بأن ظروفاً خارج يد بنك السودان المركزي هي التي جعلت المهمة مستحيلة، لأنها وجدت أمامها شروطاً سياسية لا تملك هي القرار فيها، وتتعلق بالاستقرار السياسي والعودة للمسار المدني الديمقراطي، وإجراء إصلاحات حقيقية ومقنعة لاستعادة السودان عضويته الفاعلة والكاملة ضمن عائلة المجتمع الدولي.
التوصيف الدقيق لما حدث، كما ذكرنا آنفاً، ليس رفضاً بقدر ما أنه تعليق مشروط بقائمة مطلوبات صارمة يحتاجها النظام المصرفي في السودان لتجاوز الأثر الاقتصادي لهذه العزلة المالية، وتفكيك الصعوبات الناتجة عن صعوبة التحويلات البنكية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتدحرج كرة الثلج لآثار العزلة لتصل إلى التأثير على خارطة الاستثمار جراء انخفاض الثقة في النظام المصرفي.
نعم، لا يمكن التعامل مع اشتراطات النظام المالي والاقتصادي الدولي بعين المثالية، فسياساته أيضاً ليست متحررة كلياً من القيود السياسية والأجندة، إلا أن هذا لا يمنعنا من الإقرار بضرورة حاجتنا لإصلاحات هيكلية في الاقتصاد السوداني ومؤسساته المالية والمصرفية، وأن البيئة السياسية المستقرة هي مفتاح الحل الاقتصادي.
الوسيلة الأكثر إقناعاً أمام محافظ بنك السودان المركزي ليست الطرق البديلة للحل من شاكلة عقد اتفاقيات شراكة مع البنك المركزي الباكستاني وتقديمه لمساعدات فنية في مجال الرقابة المصرفية، لأن ذلك، إن لم يسبقه إيقاف للحرب وفقاً للاشتراطات التي ذكرها السيد/ باتريك ستيوارت، مدير الشؤون الأفريقية في وزارة الخزانة الأمريكية، إضافة للإصلاحات المصرفية المطلوبة، فلن يخرج السودان ونظامه المصرفي من هذه العزلة.
العقوبات المفروضة على السيد/ جبريل إبراهيم، وزير المالية السوداني، من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، حرمته من قيادة وفد السودان للمشاركة في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد السنوية منتصف الشهر الحالي في واشنطن، وشارك السودان فيها بمحافظ بنك السودان المركزي، ووزارة الخزانة، حسب رؤيتها، ترى بأنه من غير المنطقي أن يتم إدماج السودان في النظام المالي الدولي في ظل اتهامات كالتي أوجدت العقوبات على وزير ماليته، والمسؤول الأول عن الإصلاحات المالية والاقتصادية المطلوبة كاشتراط واجب التنفيذ.
تتناسل الآثار الضارة بالاقتصاد السوداني جراء هذه العزلة المالية، ويبدأ الحل فيها بمخاطبة الأسباب المباشرة لذلك بإعادة هيكلة النظام المصرفي السوداني، وابتكار أدوات مواكبة لنظم الرقابة المصرفية، واتباع أعلى مستويات الشفافية المالية، والاقتناع بأنه، ومع استمرار الحرب، سيدفع النظام المصرفي والاقتصاد السوداني ثمن العزلة المالية مضاعفاً.



