أسواق الخرطوم: سلع تملأ الرفوف وجيوب ينهشها الغلاء

رحلة الخضروات من المزرعة إلى المائدة تحت حصار الجبايات
خبراء لـ”العودة”: الخرطوم تعيش “فوضى اقتصادية منظمة” واقتصاد أزمات
الجبايات والوقود.. الثنائي الذي يطرد اللحوم من موائد السودانيين
الخرطوم – هيام المغربي
تحت ظلال المظلات المتهالكة في “سوق سوبا شرق”، وفي ذروة هجير أبريل الذي لا يرحم، تقف “الحاجة مريم” واجمة أمام كومة من الخضروات. لم تكن تبحث عن الرفاهية، بل كانت تخوض معركتها اليومية الصامتة لتأمين “ملاح” اليوم لأحفادها الأربعة الذين ينتظرونها في غرفتها المتواضعة بمنطقة النازحين.

سلة خاوية في سوقٍ ممتلئ
المفارقة في سوق سوبا عام 2026 ليست في انعدام السلع، فالبامية والبطاطس والأسود تملأ الأرفف، لكن الأزمة تكمن في تلك المسافة الشاسعة بين “العين واليد”. تمد مريم يدها المرتجفة لتمسك بضع حبات من البطاطس، تسأل التاجر بصوت خفيض: “بكم الربع يا ولدي؟”، فيجيبها بحرج: “بأربعة آلاف يا خالة”.
تتراجع يدها ببطء، وتفتح منديلها المربوط بعناية؛ بضع ورقات نقدية مهترئة هي كل ما تملك. تقول بمرارة: “قبل عامين، كان هذا المبلغ يملأ حقيبتي بمالذ وطاب، اليوم لا يكفي لشراء مكونات ‘سلطة’ بدون طماطم”.
أوجاع “أحمد”.. الأب الذي لا يقوى على اللحم
على مقربة منها، يقف أحمد، وهو عامل يومية في الأربعين من عمره، أمام “مجزرة أيمن”. ينظر إلى “كيلو العجالي” المعلق وقد كُتب عليه (30 ألف جنيه). يحسب أحمد أجره اليومي الذي لا يتجاوز عشرة آلاف جنيه في أحسن الأحوال، فيدرك أن “اللحم” بات حلماً بعيد المنال.
يقول أحمد والأسى يكسو ملامحه: “أبنائي يسألونني كل يوم عن اللحم، فأخبرهم أن الطريق من مناطق الإنتاج بعيد والرسوم غالية. لا أريدهم أن يشعروا بأن والدهم عاجز، لكن الحقيقة أن الجبايات التي تُدفع في الطرقات والوقود الذي يحرق جيوبنا، جعلت من وجبة اللحم ذكرى نرددها في حكايا ما قبل النوم”.

تاجرٌ مطحون بين جمرتين
أما “عبدالقادر يوسف”، التاجر الذي يحاول الحفاظ على ابتسامته رغم الركود، فيبدو هو الآخر ضحية لا جانياً. يحكي عبدالقادر عن رحلته اليومية مع “الإيصالات المتكررة” والرسوم المرورية التي تلاحق شاحنته من ولاية إلى أخرى.
يقول عبدالقادر وهو يمسح العرق عن جبينه: “يظن المواطن أننا نربح الملايين، ولا يعلمون أننا ندفع الجبايات أكثر مما نربح. نرى الزبائن يمرون أمام بضاعتنا، يتفحصونها بأعينهم ثم يرحلون بصمت. هذا الركود يقتلنا جميعاً؛ فالسلع تتوفر، لكن الأفواه جائعة لأن الجيوب خالية”.

حربٌ باردة في فصول المعيشة
تغادر الحاجة مريم السوق بحقيبة خفيفة الوزن، لكنها مثقلة بالهموم. في حقيبتها بضع حبات من الخضروات “الذابلة” التي خفض التاجر سعرها رحمةً بها. تمشي نحو بيتها وهي تتمتم بدعوات الاستقرار، مدركةً أن “حرب الأسعار” في الخرطوم لا تقل ضراوة عن دوي المدافع؛ فهي حربٌ تستهدف لقمة العيش، وتحول الأسواق إلى ساحات قتال يومية، السلاح فيها هو “الجنيه” والضحية فيها هي “الأسرة السودانية”.
بين “سوق سوبا” و”المركزي”، تظل السلع شاهدة على وفرةٍ كاذبة، ويظل المواطن عالقاً في “اقتصاد الأزمات”، حيث ينتظر الجميع معجزةً تعيد للأسواق توازنها، وللمائدة السودانية كرامتها المفقودة.

غلاء غير مسبوق وغياب حكومي
وفي تحليل علمي لهذا الواقع، قال الخبير الاقتصادي كمال كرار في حديثه لـ”العودة” إن هناك ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والخضروات، حيث ارتفعت أسعار الخضروات وحدها بنسبة تتجاوز 20% خلال الشهر الحالي. وأضاف أن أسعار الخبز والزيوت والسكر وغيرها تضاعفت، مما جعل تكلفة المعيشة عبئاً ثقيلاً.
وأرجع كرار الأسباب إلى:
زيادة أسعار الوقود التي رفعت تكلفة الترحيل والجبايات والرسوم الحكومية بين الولايات.
* تراجع الإنتاج الزراعي بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية وتدهور العملة وارتفاع تكلفة الاستيراد.
* الرسوم المتصاعدة التي تفرض على التجار وتنعكس مباشرة على المستهلك.
وانتقد كرار غياب دور الحكومة لتخفيف الأعباء رغم وعود تحسين الأجور في موازنة 2026، مؤكداً عدم وجود سياسات فعّالة لضبط الأسعار أو كبح التضخم، ومطالباً بدعم السلع الأساسية (مثل الدقيق)، ضبط الأسواق، محاربة الاحتكار، وتقليل الرسوم والجبايات.
فوضى اقتصادية منظمة
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي لـ”العودة” ما يجري بأنه يعكس حالة “فوضى اقتصادية منظمة”، سببها ضعف أدوات الرقابة وغياب سياسة واضحة من “حكومة الأمل” وقطاعها الاقتصادي. وأشار إلى أن انخفاض التضخم يوجد “فقط على وسائل الإعلام”، فالعبرة ليست بالانخفاض الشهري بل بانعكاسه على أسعار السلع.
وأوضح فتحي أن المشكلة تكمن في طريقة التسعير واحتكار قلة من التجار والمستوردين للسوق، بجانب ضعف السياسات وعدم استقرار الوضع الأمني. وأضاف أن الأزمة الحالية هي من أسوأ الأزمات في تاريخ البلاد الحديث، نتيجة تراكمات سنوات وزادت بالتعمق مع اندلاع حرب 2023 وما تبعها من دمار للبنية التحتية وخسارة الموارد.
وأكد فتحي أن السوق السوداني يعمل اليوم بنظام “اقتصاد أزمات”؛ حيث يشكل الخوف من الخسارة أو ارتفاع الدولار ذريعة لرفع الأسعار. وخلص إلى أن استقرار الأسعار مرتبط بتوفير الإنتاج المحلي، ضبط الرسوم الجمركية، وقف التهريب، وتحفيز الصناعات المحلية لتقليل الاستيراد الذي يربط الأسعار مباشرة بالدولار.
خاتمة:
تعكس هذه الجولة واقعاً مأزوماً يضع المواطنين والتجار أمام معادلة اقتصادية صعبة، حيث تتوفر السلع لكنها تظل بعيدة عن متناول اليد، في انتظار حلول عاجلة تنتشل الأسواق من دوامة الغلاء والفوضى..



