دبلوماسية الرئيس ترامب.. بين ميزان القوة والندية

بقلم: محمد فؤاد عيد

أضواء على زيارة محمد بن سلمان والملك البريطاني

في زمن تتقاطع فيه الدبلوماسية مع استعراض القوة، وتتحول الزيارات الرسمية بين الملوك والرؤساء والأمراء إلى رسائل سياسية متعددة الأطياف والألوان، جاءت زيارة كل من سمو محمد بن سلمان ولي العهد السعودي للولايات المتحدة قبل شهور قليلة، وكذلك – وليس ببعيد من الجانب الآخر من الكرة الأرضية – زيارة ملك المملكة المتحدة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة، لتكشف تباين المواقف في طبيعة الاستقبال ومخاطبة الضيف داخل أروقة البيت الأبيض.

 

اختلفت طبيعة البروتوكولات التي تُتبع في مثل تلك الزيارات من حيث اختيار مفردات اللغة التي تُنطق، والكلمات التي تُصاغ في الخطب، وتباين الهمسات في غرف الاجتماعات المغلقة وأمام عدسات الإعلام. كما اختلف الأسلوب والنهج البلاغي الذي يتعامل به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة وتفعيل سياساته ومعاملاته البروتوكولية والدبلوماسية، وحتى اللفظية، خلال استضافته شخصيات لها من الرمزية والثقل السياسي والاجتماعي المعروف.

 

*تباين البروتوكولات*

 

المكتب البيضاوي استضاف كليهما، وكلاهما يختلف عن الآخر إثنياً وجهوياً ولغوياً وثقافياً، أضف لذلك الاختلاف العقائدي. زيارتان اختلفتا من حيث التوقيت الزماني وكان المستضيف شخصاً واحداً هو الرئيس ترامب.

 

وعبر هذه النافذة سنحاول معرفة نمط التعامل السياسي والبروتوكولي الذي تخلل الزيارتين، والذي لعله يكون معروفاً للبعض، إلا أن الاختلاف قد يكون شاسعاً في طريقة الاستقبال حسب دولة الضيف. وباعتبار أن المستضيف هو الرئيس ترامب نفسه، فمن المؤكد كما حدث كثيراً من قبل ستكون هناك مفارقات ومفاجآت وخروج عن الطابع المألوف للاستقبال الرئاسي والملكي مع ترامب، سلوكاً وخروجاً عن النص المتعارف عليه في مثل تلك الزيارات.

 

بين خطاب يجرح البروتوكول ويحرجه دون أن يمسّ المصالح، وخطاب يحترم التقاليد دون أن يضيف جديداً، تتشكل صورة عالم تتغير فيه قواعد اللياقة السياسية، دون أن تتغير – بالضرورة – قواعد القوة. تكشف المقارنة بين أسلوبه وطريقة تعامله مع القادة العرب ورموزهم، وبين ذلك التعامل حين يكون الضيف رمزاً سياسياً أوروبياً رئيساً كان أو ملكاً، عن فجوة لافتة لا تتعلق بالسياسة بقدر ما تتعلق بـ”لغة السياسة” نفسها.

 

ففي الحالة العربية يميل ترامب إلى كسر القوالب الدبلوماسية التقليدية، مستخدماً خطاباً مباشراً تفوح من جنباته العبارات التهكمية، فهي تبدو أقرب إلى “اختبارات موقف” أو رسائل ضغط علنية. ويميل كثيراً لاستعمال لغة قد تُفهم في سياق ثقافته التفاوضية كرجل أعمال، تصطدم بطبيعة الخطاب السياسي العربي القائم على الهيبة، وتجنّب الإحراج العلني، والحفاظ على حيز من الرمزية والرسمية وتقييم الآخر والمحافظة على لباقة الكلمة.

 

*زيارة ولي العهد السعودي*

 

قام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بزيارة البيت الأبيض في نهاية الربع الأخير من العام الماضي، حيث أبرز صاحب المنزل المستضيف الكثير من المواهب والمهارات في تطبيق أيديولوجيته ذات الطابع البرجماتي الصلب الذي تقوم عليه القيم الأمريكية، والتي ترتكز على المصلحة والفائدة، ومن ثم تأتي التحالفات الاستراتيجية في المرتبة الثانية.

 

يقابل تلك الزيارة في الجانب الآخر مشاركة الملك البريطاني في احتفالات المجتمع الأمريكي بذكرى استقلاله الـ250 من المستعمر الإنجليزي، والتي كانت خلال الأسبوع الأول من شهر مايو هذا العام، واتسمت باستحضار الإرث التاريخي والرمزية التاريخية للعلاقات بين البلدين. غير أن القاسم المشترك بين الزيارتين لم يكن في أهداف الضيوف بقدر ما تجلى في أسلوب المضيف وطريقة تعامله مع الضيف حسب أصوله وخلفيته الإثنية أو التاريخية أو الثقافية.

 

*شخصية ترامب المتقلبة*

 

الجميع يتفق بأن ترامب يمتلك شخصية سياسية غير تقليدية تختلف عن من سبقه من الزعماء الذين سبقوه في حكم الولايات المتحدة. وليس ذلك من باب المدح، فشخصيته التي تسعى للحضور الإعلامي الصاخب، ولغته المباشرة التي لا تخلو من التهكم، بل تذهب أحياناً أبعد من ذلك حيث النقد العلني أو القذف المباشر دون مراعاة لدبلوماسية أو بروتوكول. والجلوس إليه يعتبر نوعاً من الامتحان لمعرفة مدى صلابة وقوة شخصية مضيفه.

 

وهي مفارقة قد تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: هل يتعامل ترامب مع القادة وفق ميزان القوة والمصلحة فقط؟ أم أن شخصيته المثيرة للجدل تفرض واقعاً وإيقاعاً مختلفاً يستدعي تغيير قواعد البروتوكول السياسي والدبلوماسي التقليدي المتبع في مثل تلك الزيارات؟

 

وبين حزم محمد بن سلمان ورمزية الملك تشارلز تتضح ملامح مشهد دبلوماسي جديد مختلف عما هو سائد، حيث تتراجع فيه المجاملات والنظم والقواعد التقليدية للدبلوماسية ليحل محلها نوع آخر في كيفية التعامل الرئاسي بين ضيوف ورواد البيت الأبيض الأمريكي.

 

*طبيعة الزيارة*

 

الزيارتان كانتا في فترة زمنية ليست بعيدة نسبياً عن بعضهما، وكلتاهما كانت إلى واشنطن بهدف لقاء الرئيس ترامب، إلا أنهما متوازيتان في السياق الدبلوماسي التقليدي المعروف، وتتباين طبيعة المعاملة بين الضيف ومضيفه بالرغم من أن كليهما يمثلان قمة الهرم في بلديهما.

 

*استقبال مهيب*

 

وإذا بدأنا بإلقاء الضوء على زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، والتي كانت بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية التاريخية: دفاع، أمن، طاقة، استثمارات، تقنية، والتي جاءت بعد زيارة ترامب للسعودية التي كانت قد ركزت على صفقات اقتصادية وأمنية كبيرة في الشرق الأوسط.

 

لكن ما تخلل الزيارة وسجل من مواقف كتبها التاريخ وكان العالم شاهداً عليها يستدعي الانتباه، حيث نجد أن الزيارة بدأت برواج إعلامي واستقبال مهيب من البيت الأبيض وتغطية لازمت الضيف والمضيف في كل محطات الزيارة. أبرز فيها ترامب مواهبه كتاجر واقتصادي ومسوق ماهر وليس رئيس دولة، اعتمد فيها على دبلوماسيته الشخصية المبنية على “الصفقة” Deal-making. وتجلى ذلك في المديح المفرط وكذلك الضغط العلني لإبراز ما هو معروض وتغيير نبرة صوته حسب ما يقتضيه الظرف.

 

*الأسلوب التهكمي*

 

وهو أسلوب يتبعه ترامب مع معظم القادة العرب خاصة قادة الخليج، حيث يكون المديح مبالغاً فيه: “رجل رائع”، “صديق عظيم”، مع إظهار القوة والنفوذ والسيطرة. فهو لا يمارس التهكم فقط للمتعة، بل كآلية دفاعية تحمي صورته الذاتية الضخمة. مع العرب يخرج الجانب الأكثر خشونة لأنه يشعر بالتفوق المطلق كعادته، مع الاستعمال المقصود لمفردات مثل الاعتماد على الدعم الأمريكي واستثمارات القواعد والحماية الأمريكية، وهي طريقة للتهكم المبطن والأقرب إلى الإحراج. يحدث هذا قبل التحدث عن الصفقات التي هي غايته.

 

وفي العادة يعقب الاستقبال الحار ضغط مفرط للاستجابة للصفقات التي يصفها بالتاريخية، وأمام هذا الضغط المفرط يجد الضيف نفسه محرجاً ويشعر وكأنه عميل يبحث عن الحماية التقنية. فترامب يرى السعودية وغيرها من دول الخليج مصدر مال وطاقة ويمكن الضغط عليهما. فهو ممارس جيد في استعمال لغة الصفقة التجارية الخشنة، والتي قد تبدو مهينة ثقافياً في السياق العربي الذي يفضل الاحترام الظاهري. واعتاد الرئيس الأمريكي ممارسة التهكم الشخصي وتصوير طابع الانتصار على التابع، وهو بمثابة إحراج علني. فهو يرى العالم بمنظور مختلف حيث يقسمه إلى أماكن تحتاج إلى تمرير صفقات وأجندة يغلب على طابعها القسوة في تمريرها، خاصة مع الأغنياء الذين يحتاجون الحماية: الخليج، مقابل الندية التاريخية مع الحلفاء.

 

*شخصية ترامب*

 

عند الغوص في تحليل شخصية ترامب والأسلوب الذي يتبعه ترى أنه يتعامل مع العالم كساحة كبرى لإجراء الصفقات، ويجب عليه أن يظهر دائماً كالفائز الأكبر The Winner. فهو شخصية تجارية بامتياز أكثر من كونها سياسية. يستخدم المديح المفرط ليأتي من بعده الإذلال، فهو يود الظهور أمام محمد بن سلمان وغيره من قادة العرب بأنه الرجل القوي الذي يجبر الآخرين على الخضوع.

 

فهو مع العرب خاصة الخليجيين يتعامل معاملة الشركاء الماليين: يجب الضغط عليهم مع ممارسة نوع من التهكم بغية إشعارهم بالتبعية. فهي نوع من الإشارات المتتابعة: “أنكم بحاجتي أكثر من حاجتي لكم”. لذلك يتبع أسلوب الازدواجية في الخطاب، فالمديح تتبعه الإهانة أو العكس: Fantastic man، وهي استراتيجية العصا والجزرة لصنع الارتباك في الطرف الآخر.

 

وأسلوب التهكم مع العرب يحقق نوعاً من عدم توازن القوة، ويسعى لإبراز السعودية ودول الخليج بأنهم يسعون إلى أمريكا من أجل الحماية والسلاح، ويتبع ذلك فرض صفقات: استثمارات، نفط، تطبيع. ولعل في أسلوب الإذلال العلني مضامين ورسائل للداخل الأمريكي مفادها: “أنا أسيطر على الشرق الأوسط”.

 

النتيجة… كما يصورها الواقع، ترامب يعزز صورته باعتباره صانع الصفقات للداخل الأمريكي خصوصاً قاعدته التي يستند عليها، لكنه يخاطر بإضعاف الثقة مع الحلفاء العرب. كما أن هذا الأسلوب يدفع بعض القادة العرب للصمت أو الرد غير المباشر، وهذا مما يعمق صورة الضعف التي تجدها عند الرأي العام العربي لقادتهم.

 

*المال مقابل الحماية*

 

المال الذي يدفعونه مقابل “الحماية” عبارة يرددها ترامب في العديد من المحافل، وهو أسلوب لا يمكن وصفه بالعشوائية وإنما أداة ذكية للسيطرة مبنية على أساس متين وتقييم دقيق لموازين القوة مع العرب، خاصة أولئك الذين يحسبون على “الخليج” والذي يسمح لنفسه بتحمل ذلك النوع من التهكم لأن الشعور بالتبعية أصبح مترسخاً لديه.

 

وكثير من المخطوطات التي تناولت تحليل شخصية الرئيس ترامب وصفته بـ: اضطرابات الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder بدرجة عالية رغم عدم التشخيص الرسمي. فهو بالحاجة الدائمة للوصف بأنه الفائز الأعظم وصاحب الصفقة الأفضل، ولا يعامل كخاسر. كذلك التقليل من قيمة الآخرين والشعور بالتفوق. أضف لذلك التهكم Humiliation والذي يتسم بالبذاءة أحياناً، وهي أداة للسيطرة. ولعل الشدة أو الشعور المتعالي التهكمي يوجه أكثر للحكام العرب خاصة أهل الخليج، مصدره أنه يراهم أغنياء يحتاجون حمايته.

 

فهو شخص يشعر بالقوة المطلقة ويتعامل مع بعضهم وكأنهم موظفون تابعون لشركاته. وهو يرى الدبلوماسية العربية التقليدية والتي تقوم على الاحترام، والكرم، وحفظ ماء الوجه كضعف يمكن استغلاله. وهذا بدوره يذكرني بما أثير أثناء انعقاد المنتدى الاستثماري في فلوريدا في مارس 2026، حين استخدم عبارات بذيئة في حق ولي العهد السعودي في سياق زمني والعالم يشهد التوترات في منطقة الشرق الأوسط والحرب الإيرانية الأمريكية. حينها تجاوز بعبارته النقد السياسي إلى الإهانة الشخصية.

 

هذا هو ترامب الأمريكي وطريقته في التعامل مع الرموز السياسية العربية بأعلى مستوياتها. ولتصبح الصورة أكثر وضوحاً في تحليل تلك الشخصية المتعددة القناعات، نتحول إلى زيارة أخرى حيث كان الضيف لا علاقة له بدول العرب ولا الخليج، وإنما أعلى رمز في بريطانيا وهو الملك تشارلز.

 

والذي قام بزيارة للولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية برفقة زوجته الملكة كاميلا، وتعكس الزيارة بحق الوجه الآخر للسيد ترامب. حيث إن هذه الزيارة تبين نمطاً آخر من الدبلوماسية الأمريكية. حيث كانت النبرة السائدة أكثر احتراماً تسودها الندية. حينها وفي مثل تلك الزيارات يعامل الملوك والقادة الأوروبيون كأنداد تاريخيين، واستعمل رئيس المكتب البيضاوي عبارات “العلاقات الخاصة” و”التاريخ المشترك” و”الشرف العظيم” و”الرجل الرائع”، بالرغم من أن الملك تشارلز كان قد خاطب المجتمع الأمريكي من داخل مبنى الكابيتول الذي يقع في قمة تلة الكابيتول بالعاصمة واشنطن، وهو رمز الديمقراطية حيث يضم مجلسي الشيوخ والنواب ويتخذ كمقر لتنصيب الرؤساء الأمريكيين.

 

تخلل الخطاب المشهور للملك تشارلز العديد من الملاحظات والنكات والقفشات ذات الطابع السياسي المحشوة بالانتقاد لبعض السياسات الأمريكية الراهنة، خاصة في ظل التوتر الأوروبي الأمريكي، حيث استُقبلت كلماته بالتصفيق الحار والوقوف تكراراً من أعضاء الكونغرس إعجاباً واحتراماً.

 

وهنا يبرز لنا مصطلح الاحترام المؤسسي، حيث إن الملكية البريطانية تمثل التاريخ والتقاليد التي يحترمها ترامب. أضف لذلك الفرق الثقافي حيث إن الدبلوماسية الأوروبية تعتمد على اللياقة، فيجب على ترامب أن يلتزم بها لتجنب الفضيحة الدبلوماسية. لذلك نجده مع الأوروبيين مثل تشارلز يلتزم بمبادئ الاحترام الشكلي وذلك للحفاظ على تحالفاته الاستراتيجية. وهذا بالطبع يعكس رؤيته البرجماتية التي تقوم عليها فلسفة السياسة الأمريكية، حيث إن الكرامة – والتي نجدها عند العرب – قابلة للتفاوض حسب المصلحة.

 

*الخلاصة*

 

نستخلص من كل تلك المواقف أن ترامب في تعامله مع الضيف الأوروبي ممثلاً في شخص الملك تشارلز وغيره من قادة أوروبا الحلفاء له، أن المشهد يختلف تماماً. فلا مجال هنا للغة الصفقات أو الأسئلة التهكمية، وذلك لصرامة البروتوكول الغربي الذي يفرض إطاراً محكوماً بدقة تستبعد فيه المفاجآت وتضبط فيه الكلمات بميزان. لذلك نجد أن ترامب يجد نفسه ملزماً للتماهي مع هذا السياق، حيث لا يوجد تهكم بذيء أو إذلال علني. حيث نجد النبرة ودية ومتكافئة، مع التركيز على “العلاقة الخاصة” والتاريخ. حتى عند الاختلاف، يبقى الخطاب محترماً شكلياً.

/////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى