كيف تكتبُ وكيف تقرأ ما يكتبه الغير ؟

مبنى و معنى
بقلم/ عثمان الشيخ الأُسيد
لم اكتب مقالًا، إلا وفي مُخَيِّلتي صورةٌ لمن أكتبُ لهم (القراء) اشخاص حقيقين أعرفهم، بعضهم أشخاصٌ افتراضيون محترمون، واحترامًا وتقديرًا لهم ألجأ لاختيار المفردات التي تُكسبُ الصورةَ حلاوةً وطلاوةً وجزالة، وأجتهد في الربط بين الجملتين واتفاق الجرس الصوتي ليعطي المعنى وضوحًا وفخامة، فيعتقد البعضُ أنَّ هذا الأسلوبَ ضربٌ من الفلسفة، إمَّا لأنه لم يُعجبه لأسبابٍ يعلمها هو، وهذا الأفضل له ألّا يقرأ كلامًا لا يُعجبه، وكفى اللهُ المؤمنين القتال، أو أنه لم يفهمْه، وهذا من حقه أن يسألَ، وواجبنا أن نجيب. أما أنا فلن اتنازلَ عن رفيعِ الكلام لأجل شخصٍ لم يعجبه اسلوبي، او لم يفهمه، فأنا اخاطبُ اناسًا رفيعين، ورفيعُ الكلامِ لرفيع الناس. قالت العرب (من أراد معنىً كريمًا، فليلتمس له لفظًا كريما، فإن من حق المعنى الشريف اللفظ الشريف) خاصةً أننا في عصر (ثقافة الصورة والصوت) التي أخذت مساحةً كبيرةً من مساحة القراءة، لسهولتها على المتلقي، فالمعلومات تُصبُّ عليه صبًا صبا صورةً وصوتا، دون أن يبذلَ جهدا وهو يؤدي عمله أو يقودُ سيارته، أو حتى يلعب لعبَه، مما يضاعفُ جهدَ الكاتب ليُزيِّنَ كلامَه بالدرر والنوادر ليجذبَ إليه القارئ، وهذا يتطلب جُهدًا ليس بالسهل، فقد يستغرق كتابةُ مقالٍ في ورقة حجم (A4) أكثر من يومين َ من الجهد الذهني والبدني ليخرجَ المقالُ بأسلوبٍ عذبٍ يُبَرّد القلبَ ويريح النفسَ ويقبله العقلُ بسهولة. مقالاتٌ تحمل أفكارًا وآراءً ومعلوماتٍ واخبارًا وقصص، ولا يخلو من وجهاتِ نظرٍ لمن يريد أن يقتنعَ، أما الذي لا يريد أن يقتنع، فليس لنا إزاءه أية حيل،
نصيحةٌ لمن أرادَ أن يكتبَ من الهواة،اما المحترفون، فلهم دورهم وعلومهم وهمومهم.
*أولا:* إذا كنتَ تهوى الكتابةَ، فتعلَّم فنَ التغافل، وكن مثل الصحابي أبو ضمضم – ضرب النبي ﷺ به المثلَ في العفو ومسامحة الناس. كان إذا أصبح قال: “اللهم إني تصدقتُ بعرضي على عبادك.
*ثانيا:* إقرأ كتابَ الله (القران الكريم) فهو ينشِّط العقلَ ويفتح القريحة، إقرأ كتبَ الأدب والتاريخ والفلسفة وكتب تطوير الذات. قال الجاحظ عن الكتاب: الكتابُ نِعْم الذخر والعدة، ونِعْم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، الكتاب وعاءٌ مُلأَ علماً، وظرف حُشي ظرفا، إن شئتَ كان أعيا من باقل (باقل كان اغبى العرب) وإن شئتَ كان أبلغَ من سحبان وائل (سحبان بن وائل افصح العرب) وإن شئتَ ضحكتَ من نوادره، وإن شئتَ بكيتَ من مواعظه، ومن لك بواعــظٍ مثله، وبناسـكٍ فاتكٍ، وناطقٍ أخرس، ومن لك بطبيبٍ أعرابي وهندي وفارسي ويوناني ونديمٍ مولد، ووصيفٍ ممتع، ومن لك بشيءٍ يجمع الأولَ والآخر والناقص والوافي، والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه، والجنس وضده. هذا غيضٌ من فيض مما قاله الجاحظ في الكتاب، اشرنا إليه إشارةً لطيفةً خوفا من ان ينفر الناسُ الى ثقافة الصورة والصوت
*ثالثا:* إبدا ولا تخشى عدمَ القبول، الخوف من عدم القبول موجودٌ بين الناس، وهناك من يتردد في المداخلة خوفًا من عدم القبول، إنَّ القبولَ والرفضَ عند الناس موجودٌ بكثرة. حتى كلام الله يرفضه بعضُ الناس، فهذا شيء عادي. عدمُ القبولِ لن يُنقص من قيمتِك شيئًا، والقبولُ لن يضيفَ إلى قيمتك شيئًا.
*رابعا:* لا تتشدق في الكلام ولا تتكلف، ولا تستخدم مفرداتٍ غريبةً أو مهجورةً لإظهار الفصاحةَ
*خامسا:* قالت العرب (من ألَّفَ استُهدِف) واجه النقدَ والمنتقدين بصدرٍ رحب، توقَّع كلَ ردود الأفعال بجميع أشكالها، وتجاوب مع كل المداخلات طالما هي تدور حول محتوى النصَ
*سادسا:* إحرص على أن تُقدِّمَ الأفضلَ، لا أن تكونَ الأفضل.
*سابعا:* لا تنتظر الإعجابَ من أحدٍ (عندما تتوسل القبول، تجعل قيمتك قابلةً للتفاوض.)
أما بالنسبة للقارئ:
*أولا:* عندما يكتب أي انسان فكرةً أو رأيًا أو وجهةَ نظر، يجب، أولًا، أن تقرأ النصَّ جيدًا، ولا تستعجل الرد.
*ثانيا:* إحترم الكاتبَ وفكرتَه بصرف النظر عن صحتها أو خطأها، عن قوتها او ضعفها
*ثالثا:* لا تقرأ النصَّ بما تحمله أنت من أفكارٍ، حتى لا يكونَ ذهنُك مشغولًا بالرد، ولكن تخلى عن افكارِك إلى حين، واقرأ النصَّ بعقلية كاتبه وما يحمله من أفكار، فقربما أتى بشيءٍ جديد عليك، أو صحَّح لك معلومةً، كنتَ تعتقدُ أنها صحيحة.
*رابعا:* لا ترفض الفكرةَ بحجة أنَّ صاحبَها غيرُ معروف، فالحكمةُ ضالةُ المؤمن أنّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها) ولا ترفضها لأنك أول مرة تسمع بها، قيل إنَّ أكثرَ عبارةٍ أضرت بالعلمِ (غيرك كان أشطر) لو عمل الناسُ بهذه العبارة لكنّا ما زلنا نسكنُ الكهوف.
*خامسا:* إن وافقتك الفكرة الحمد لله و إن لم تُعجبك الفكرة، فقل لكاتبِها إنَّ هذه الفكرةَ فيها كذا وكذا، وأنا أرى كذا، فقد يستفيد الكاتبُ من ملاحظاتك، ومن حقِّك التحفظُ وعدمُ المشاركة بأن لا تقل شيئًا ولا تفعل شيئًا ولا تكن شيئًا، ولكن ليس من أجل ذلك خُلِقتَ أنت، هذا من واقع تجربتي والإنسان يتعلمُ من الأيام والحمد لله..
واللهُ من وراءِ القصد..
والله أعلى وأعلم..
صحيفة العودة..



