تحصين الوعي.. خط الدفاع الأول في حروب الجيل الحديث

وزير الإعلام: معركة الوعي خط الدفاع الأول.. والجيش يستحق
خبراء يطالبون بغرفة إعلامية موحدة للدولة ومحاصرة التضليل الرقمي
أمدرمان: العودة
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية في الميدان فحسب، بل انتقل ثقلها إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لصناعة الرأي العام أو إرباكه وتفتيته. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، تبرز “معركة الوعي” كخط دفاع أول لحماية الأمن القومي وتحصين الجبهة الداخلية من الحملات الإعلامية الممنهجة.
هذا الواقع المعقد كان محور نقاش مستفيض شهدته العاصمة الوطنية أمدرمان؛ حيث نظم “مركز وعي الإعلامي” بمنتجع الراكوبة ورشة تدريبية متخصصة تحت عنوان (الإعلام الرقمي بين التضليل والتوعية)، جمعت مسؤولين وخبراء عسكريين وأكاديميين لصياغة رؤية وطنية قادرة على مجابهة التحديات الراهنة.
تحولات المشهد: من الورق إلى الرقمي
وفي فاتحة أعمال الورشة، وضع وزير الإعلام والثقافة، الطيب سعد الدين، النقاط فوق الحروف بشأن طبيعة التحولات الهيكلية التي شهدتها الصحافة الوطنية بعد الحرب، موضحاً أن الصحفيين اتجهوا نحو المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية التي أضحت اليوم أكثر انتشاراً وتأثيراً من الصحف الورقية التقليدية.
ورغم أن هذا التحول التقني أتاح مساحات أوسع لحرية النشر والوصول السريع إلى الجمهور – متجاوزاً قيود الصحافة الورقية وتأثير الإعلانات على سياسات النشر– إلا أنه فرض في الوقت ذاته تحديات مهنية وتشريعية معقدة. ودعا سعد الدين الجماعة الصحفية إلى الالتزام بالمصداقية الصارمة والتحقق من المعلومات قبل نشرها، محذراً من الانجرار وراء المحتويات المضللة التي تستهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة تحتاج إلى إعلام وطني واعٍ يقدم محتوى مهنياً يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي ونشر الحقائق بدلاً من تدوير الشائعات.
وفي سياق ذي صلة، شدد وزير الإعلام على أهمية التفريق المفاهيمي بين “الدولة” و”السلطة”، مستشهداً بالنموذج المصري في الحفاظ على كيان الدولة؛ إذ تمضي الحكومات وتتعاقب بينما تظل المؤسسات باقية وثابتة. كما وجّه تحية إجلال استثنائية لأفراد القوات المسحلة، مؤكداً أن الضباط الذين خرجوا من القيادة العامة يستحقون تقديراً خاصاً، وأن معرفة الشعب بحجم ما قدموه من تضحيات وبطولات كفيل بأن يجعل تحيتهم واجباً وطنياً يتكرر كل يوم خمس مرات.

الشائعة كأداة حرب نفسية
من جانبه، فكك العقيد خالد محمد عبد الله، المتخصص في إدارة الحرب النفسية، الأبعاد الأمنية والعسكرية للمعلومة عبر ورقته بعنوان **“تحقيق السيادة المعلوماتية ومكافحة التضليل”**. وأشاد العقيد خالد بالتماسك الفريد الذي أبدته الجبهة الداخلية السودانية خلال الحرب، مستندة إلى صمود الشعب والتفافه حول قضاياه الوطنية ومساندته للقوات المسلحة.
وحذر من أن الشائعات تعد من أخطر أدوات الحروب النفسية الحديثة لما تسببه من إرباك للرأي العام وتثبيط للمعنويات، مستشهداً بانهيار دول كاملة جراء استهداف جبهاتها الداخلية بالحملات الإعلامية الممنهجة. وأشار إلى أن الحرب النفسية تعتمد أساساً على بث الأخبار الكاذبة والمعلومات المجتزأة لإثارة القلق والانقسام، مما يتطلب بناء وعي مجتمعي ناقد، ودعم إعلام مهني يمتلك القدرة على صناعة الخبر والصورة بمسؤولية لتعزيز الأمن الفكري والنسيج الوطني.

الفراغ المعلوماتي والتضليل الرقمي
وفي ذات الاتجاه، ناقش الدكتور زهير الطيب بانقا، عبر ورقته “الإعلام الرقمي بين الشرعية والتضليل”، الخصائص الفنية والسايكولوجية للوسائط الرقمية، موضحاً أنها تحولت إلى ساحة مفتوحة للتأثير المباشر على الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل ضعف الوعي الرقمي وغياب آليات التحقق من المعلومات.
ووضع بانقا يده على مكمن الداء بالإشارة إلى أن الشائعات تنشط وتزدهر في أوقات “الفراغ المعلوماتي” وعند غياب أو تأخر المصادر الرسمية، داعياً المؤسسات الحكومية والإعلامية إلى تبني سياسات اتصال فعالة تقوم على السرعة والشفافية في نشر الحقائق. وأكد أن الإعلام الرقمي، رغم مخاطره، يمثل فرصة كبرى لبناء خطاب وطني إيجابي إذا ما تم توظيفه بمهنية، لافتاً إلى أهمية تدريب الصحفيين وصناع المحتوى على مهارات التحقق الرقمي ومكافحة التضليل.
خارطة طريق لتحصين الوعي
ولم تقف الورشة عند حدود تشخيص الأزمة، بل تبارى المشاركون عبر نقاشات مستفيضة لترجمة الأفكار إلى تدابير عملية، حيث خلصت الورشة في ختام أعمالها إلى حزمة توصيات استراتيجية شكلت خارطة طريق لحماية الفضاء المعلوماتي، أبرزها:
مأسسة الإعلام الرسمي: تسهيل تدفق المعلومات من الجهات ذات الصلة، وتكوين غرفة إعلامية موحدة تابعة للدولة لإنهاء حالة الفراغ الإخباري.
الرقابة والرصد الذكي:
تشديد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنشاء وحدات رصد إعلامي متخصصة لمتابعة المحتوى المتداول وتحليل تأثيراته على المجتمع والأمن القومي.
التنسيق والتحقق:
تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة المختصة، وتفعيل آليات وطنية فورية للتحقق من الأخبار لقطع الطريق أمام حملات التضليل.
التدريب والتوعية:
تكثيف الورش حول الحرب الإعلامية، وتنظيم دورات تدريبية متخصصة في الأمن المعلوماتي والصحافة الرقمية، وتوسيع حملات التوعية المجتمعية بمخاطر الحرب النفسية.
لقد تلاقت الرؤى في أمدرمان على حقيقة رئيسية واحدة: إن معركة الوعي باتت جزءاً أساسياً من معارك الدولة الحديثة، وأن بناء إعلام مهني ومسؤول يمثل خط الدفاع الأول والضامن الحقيقي لسلامة واستقرار الوطن.



