تعديلات قانون الإجراءات الجنائية 2025 تتجاوز تعديل النصوص..

4 محاور رئيسية للمشهد الجديد..

وزارة العدل تعيد تشكيل فلسفة العدالة الوطنية بالكامل..

تحصين الدولة قانونياً ضد الإفلات من العقاب..

توسيع سلطات الملاحقة في جرائم الحرب والإرهاب والفساد..

إعادة تعريف التقادم الجنائي وفق “تاريخ العلم بالجريمة”..

قراءة وتحليل/علم الدين عمر 

في سياق واحدة من أكثر الخطوات القانونية أهمية منذ تمرد مليشيا الدعم السريع واندلاع الحرب في السودان..دفعت وزارة العدل بحزمة تعديلات جوهرية على قانون الإجراءات الجنائية لسنة 2025.. وضمن تحرك بدا واضحاً أنه يتجاوز المعالجة الفنية للنصوص القانونية لإعادة صياغة فلسفة العدالة نفسها بما يتناسب مع واقع الدولة السودانية وتعقيدات المرحلة الإستثنائية التي تمر بها البلاد..

لنبدأ تشريح هذا الأمر علي طاولة الإعلام لابد أن ندرك أنه لم يكن مستغرباً أن تجد هذه التعديلات طريقها سريعًا إلى الإجازة عبر الإجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء.. باعتباره الجهة المخولة مؤقتاً بمهام السلطة التشريعية وفقاً للوثيقة الدستورية المعدلة.. إذ جاءت التعديلات متسقة مع مقتضيات الحرب ومتطلبات حماية الدولة ومؤسساتها.. فضلاً عن توافقها مع مبادئ السياسة الجنائية الحديثة القائمة على منع الإفلات من العقاب وتعزيز سلطة القانون..

فالبلاد تعيش منذ سنوات تحت ضغط أمني وعسكري وسياسي بالغ التعقيد (تحديداً منذ العام 2019) ..ولم تعد تحتمل – وفق كثير من المختصين – بقاء التشريعات القديمة بمعزل عن التحولات العنيفة التي ضربت المجتمع والدولة معاً.. خاصة في ظل جرائم الحرب والإنتهاكات العابرة للحدود وتنامي الجرائم المرتبطة بالإرهاب والمعلوماتية والفساد المنظم..

 

تحول عميق في فلسفة التقادم..

 

أبرز ما حملته التعديلات تمثل في التغيير الجوهري للمادة المتعلقة بحساب مدة التقادم الجنائي..حيث جرى استبدال عبارة “من تاريخ وقوع الجريمة” بعبارة “من تاريخ العلم بالجريمة”..وهي خطوة بحسب مراقبين تمثل تحولاً نوعياً في فلسفة العدالة الجنائية بالسودان..

فالقاعدة القديمة – وفق قانونيين – كانت تمنح مرتكبي الجرائم فرصة عملية للإفلات من العقاب إذا نجحوا في إخفاء جرائمهم لفترة زمنية طويلة..إذ يبدأ إحتساب التقادم من تاريخ وقوع الجريمة حتى ولو ظلت مجهولة لسنوات..

أما الصياغة الجديدة.. فإنها تنقل مركز الثقل القانوني إلى لحظة إكتشاف الجريمة أو العلم بها.. وهو ما يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية ممتدة ضد جرائم أُرتكبت خلال سنوات الحرب.. خاصة تلك التي تعلقت بالقتل الجماعي والإنتهاكات الواسعة والجرائم الإقتصادية وجرائم تمويل التمرد والإرهاب.. هذا التعديل ينسجم مع الإتجاهات الحديثة في التشريعات المقارنة..والتي تميل إلى تضييق فرص الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة.. خصوصاً عندما تكون الجريمة مخفية عمداً أو أرتُكبت في بيئات إنهيار أمني أو نزاعات مسلحة تعيق الوصول إلى العدالة..

 

إغلاق الثغرات القانونية..

 

ومن بين النقاط اللافتة أيضاً حذف عبارة “الجرائم ذات الطبيعة المستمرة”.. وهي خطوة تبدو للوهلة الأولى فنية.. لكنها تحمل في عمقها دلالات قانونية مهمة..

إذ ظلت هذه العبارة محل تفسيرات واجتهادات متباينة داخل الأوساط القانونية..الأمر الذي كان يفتح أحياناً الباب أمام تعقيدات إجرائية قد تعطل مسار التقاضي أو تخلق تضارباً في تفسير طبيعة الجريمة وامتدادها الزمني..

وبالتالي فإن حذف هذه العبارة يهدف إلى تبسيط إجراءات الملاحقة وتوسيع نطاقها دون الوقوع في متاهات التفسير.. بما يعزز سلطة النيابة وأجهزة العدالة في التعامل مع الجرائم المرتبطة بالحرب والإنتهاكات المنظمة..

ويبدو واضحاً أن المشرع السوداني اتجه هنا نحو فلسفة أكثر حسماً قوامها أن العدالة لا ينبغي أن تتعطل بسبب تعقيدات لغوية أو ثغرات إجرائية يمكن أن يستفيد منها المتهم..

سلطات أوسع في مواجهة الإرهاب وجرائم الحرب..

 

التعديلات التي طالت المادة (134) بدورها حملت أبعاداً أمنية وقانونية بالغة الحساسية..إذ أضيفت جرائم جديدة مرتبطة بالإرهاب وبعض جرائم المعلوماتية إلى قائمة الجرائم التي تُمنح فيها السلطات المختصة صلاحيات أوسع في القبض والتفتيش وتشديد الضمانات..

ويأتي هذا التوجه في ظل تنامي المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب.. واتساع إستخدام الوسائط الرقمية في التحريض والتنسيق والتمويل ونشر المعلومات المضللة.. إلى جانب الجرائم العابرة للحدود التي أصبحت تمثل تحدياً مباشراً للدولة السودانية..

ومن هذه الزاوية فإن هذه التعديلات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع الأمني الراهن..إذ تسعى الدولة إلى خلق غطاء تشريعي قوي يواكب طبيعة التهديدات الجديدة..خاصة في المناطق التي ما تزال تشهد هشاشة أمنية أو نشاطاً مسلحاً متقطعاً..

لكن في المقابل..فإن نجاح هذه التعديلات – يظل مرهوناً بحسن التطبيق وضمان عدم التوسع في استخدام السلطات الإستثنائية خارج مقتضيات القانون.. حتى لا تتحول التدابير القانونية المشددة إلى مصدر قلق على الحقوق والحريات..

 

وزارة العدل ومعركة إعادة بناء الدولة..

 

بعيداً عن الجدل القانوني المباشر.. فإن ما جرى يعكس بوضوح أن وزارة العدل تحاول لعب دور محوري في معركة إعادة بناء الدولة من الداخل.. عبر تأسيس بيئة تشريعية قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي فرضتها الحرب..

فالإصلاح العدلي لم يعد مجرد ملف إداري أو قانوني محدود..فقد أصبح جزءاً من معركة إستعادة هيبة الدولة..وإعادة بناء الثقة في المؤسسات العامة..وإقناع الداخل والخارج بأن السودان ما يزال قادر على إدارة شؤونه وفق قواعد القانون وسيادة الدولة..

وفي هذا السياق..نلحظ بوضوح جهود وزير العدل مولانا دكتور عبدالله درف منذ تعيينه وزيراً للعدل وما أحدثه من حراك فني يتجاوز الأطر السياسية والتنفيذية لتحقيق قاعدة من الرضا الوظيفي والإشباع المهني داخل وخارج السودان..عطفاً علي واقع تشريعي معقد ومتداخل الصلاحيات والرؤي .وكذلك الأمر بالنسبة لوكيل الوزارة مولانا علي خضر وإدارة التشريعات باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لإحداث ما يشبه “ثورة تشريعية”.. تستجيب لمقتضيات المرحلة الانتقالية المعقدة..

وتشير دوائر قانونية إلى أن الوزارة تواجه تحديات ضخمة تتجاوز مجرد صياغة النصوص.. تبدأ من ضعف البنية العدلية وتأثيرات الحرب على المؤسسات..ولا تنتهي عند الحاجة إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع الإلتزامات الدولية ومتطلبات العدالة الإنتقالية..

ما بعد الحرب.. دولة القانون أم دولة الإستثناءات؟..

 

ورغم الترحيب الواسع بهذه التعديلات داخل قطاعات قانونية وسياسية عديدة..إلا أن التحدي الحقيقي يبدو أبعد من مجرد صياغة أو تعديل مواد قانونية جديدة.. إذ يتعلق بالسؤال الأكبر حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب..

فهل تمثل هذه التعديلات بداية فعلية لبناء منظومة عدلية أكثر صرامة وكفاءة وعدالة؟..أم أنها مجرد إستجابة ظرفية لواقع الحرب وما فرضته من ضرورات إستثنائية؟

الإجابة – ستتوقف بلا شك على طبيعة التطبيق العملي.. ومدى قدرة المؤسسات العدلية على الموازنة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العدالة.. وبين توسيع سلطات الدولة والحفاظ على الضمانات القانونية الأساسية..

لكن ما يبدو مؤكداً حتى الآن..أن السودان بدأ بالفعل مرحلة إعادة تشكيل بنيته القانونية بصورة عميقة..وأن معركة التشريع لم تعد منفصلة عن معركة الدولة الكلية إن لم تتقدمها وتصبح إحدى أهم جبهات الصراع على المستقبل.. في بلد يحاول الخروج من الحرب بأقل الخسائر وأكثر قدر ممكن من التماسك المؤسسي والسيادي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى