(العودة) توثق الحوار الكامل للإعيسر: اتهامات للخارج ودفاع عن حكومة الأمل ورؤية لإنهاء الحرب.

خالد الإعيسر لـ«الجزيرة مباشر»: 

الإعيسر في حوار شامل: حكومة الأمل بين معارك الحرب واتهامات الخارج وخيارات العدالة والسلام

خالد الإعيسر لـ«الجزيرة مباشر»: 

أجرى الحوار: أحمد طه – الجزيرة مباشر

في حوارٍ مطوّل مع قناة الجزيرة مباشر، عرض وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار السوداني خالد الإعيسر رؤية الحكومة السودانية لمجريات الحرب وتطوراتها، ومواقفها من الاتهامات الإقليمية والداخلية، إلى جانب الجدل حول زياراتها الخارجية.

وتناول الإعيسر أداء “حكومة الأمل” بين ما تعتبره إنجازات في إعادة تشغيل مؤسسات الدولة والخدمات، وانتقادات حادة بشأن الأوضاع المعيشية، كما تطرق إلى ملفات العدالة والحوار السياسي وشروط التسوية، مؤكداً أن مسار السلام مرتبط في نظر الحكومة بترتيبات العدالة أولاً.

 

“حكومة الأمل أعادت الخرطوم إلى الحياة رغم الحرب والتحديات”

“هناك قوى خارجية تعمل على إسقاط حكومة الأمل”

“من يطلب المال ثم لا يحصل عليه يتحول إلى معارض للحكومة”

“نحن لا ندفع أموالاً لأحد من أجل الدفاع عن الجيش”

“التلفزيون السوداني تعرض للتدمير ونحن نعيد بناءه من الصفر”

“لا أحد فوق القانون وكل من اعتدى على السودانيين له حق المحاسبة”

“من يضع السلاح ويعتذر يُنظر في أمره ضمن العدالة الانتقالية”

“لن يكون هناك استقبال لحميدتي حتى لو قدّم اعتذاراً”

“المجرم يجب أن يُحاسَب أياً كان موقعه أو صفته”

“الحوار مفتوح للجميع ولكن عبر بوابة العدالة أولاً”

“من يريد التفاوض فليأتِ إلى السودان ويرى الواقع على الأرض”

“ذهبنا إلى الخارج لننقل صوت السودان لا لنطلب الاعتراف”

“نحن حكومة جاءت لتصحيح أخطاء ممتدة لعقود طويلة”

رصد : العودة/ نشوة أحمد الطيب 

• بدايةً، هناك حديث عن مسيرة استهدفت الخرطوم قيل إنها دخلت عبر الحدود الإثيوبية.. هل يعني ذلك أن السودان بات مقتنعاً بتورط إثيوبيا في الحرب دعماً لقوات الدعم السريع؟

بدايةً لك التحية أستاذ أحمد، ولكل مشاهديكم الكرام، والتحية أيضاً للفريق العامل معكم، ونعتذر عن الاعتذارات السابقة، ربما كانت لدينا بعض الارتباطات التي لم تسمح بالظهور على شاشتكم المميزة.

فيما يلي القضية الإثيوبية السودانية، الحكومة السودانية كان لها موقف واضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدناه قبل نحو أسبوعين برفقة وزير الخارجية والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، وكان الحديث واضحاً بأن دولة إثيوبيا متورطة في تسيير المسيرات الاستراتيجية لضرب أهداف سودانية.

وبالتأكيد هذه ليست مزاعم تُلقى في الهواء، وإنما هناك دلالات وتقارير دولية تؤكد وجود قواعد تنطلق منها هذه المسيرات لمهاجمة السودان.

ونحن في السودان لا نريد أن نتحدث كثيراً في سياق العلاقات التاريخية، لكننا نتمنى أن تُبعد إثيوبيا نفسها عن هذه المعركة، لا سيما أن السودان يضع حيزاً مقدراً للشعب الإثيوبي، ويقدّر علاقات الاندماج التاريخية والارتباطات المشتركة بين البلدين.

لكن، كما تفضلت وزارة الخارجية وحذرت، فإن هذا السلوك ربما يقود إلى أشياء لا تُحمد عقباها، ولذلك نقول إن على إثيوبيا إعادة النظر في موقفها الحالي.

 

• ما المقصود بأشياء لا تُحمد عقباها؟ خصوصاً أن هذه ليست المرة الأولى التي تتهم فيها الخرطوم إثيوبيا بالسماح بانطلاق مسيرات نحو السودان.. ما الخطوة المقبلة؟

السودان ظل يتعامل بحكمة كبيرة جداً في سياق الإمداد والتسليح لميليشيا الدعم السريع المتمردة.

إذا نظرت إلى كل دول الجوار التي كانت شريكة في جهاز العدوان الخارجي، ستجد أن الحكومة السودانية تعاملت بقدر كبير من الحكمة والموضوعية. لا نريد أن نفصل كثيراً، لكن السودان قادر على أن يرد الصاع صاعين، ليس فقط تجاه دول الجوار، وإنما حتى تجاه دول أخرى شاركت في هذه المعارك.

لكننا دعاة سلم ولسنا دعاة حرب، ومن هذه الزاوية تتعامل الحكومة بموضوعية وبقدر عالٍ جداً من ضبط النفس، إدراكاً منها بأن بعض دول الإقليم أصبحت مخلب قط تمرَّر عبره أجندات دولية وإقليمية.

ونحن لا نريد أن تتأذى شعوب المنطقة من تصرفات بعض الحكومات غير المسؤولة.

 

«نركب الدرجة الاقتصادية ونسافر بالقطارات»

• دعني أنتقل إلى زيارات رئيس الوزراء الخارجية، خصوصاً إلى الفاتيكان وبريطانيا وتركيا.. هناك انتقادات داخلية لهذه الزيارات، والبعض يسأل: ما الذي يمكن أن يقدمه بابا الفاتيكان مثلاً للحرب في السودان؟ وهل كان من الأولى توجيه الأموال التي تُصرف على هذه الزيارات لمعالجة أوضاع الداخل؟

دعني أوضح أولاً مسألة الحديث عن استهلاك الأموال. نحن نؤمن بأننا محاسبون أمام الشعب السوداني، ونحن خدام لهذا الشعب.

جئنا طواعية استجابةً لنداء الوطن، ولم نكن نرغب سابقاً في خوض أي مشاركات سياسية، لكن بلادنا دخلت في منعرج خطير يهدد مستقبل الدولة وكينونتها ووجود شعبها، وهذا ما دفع معظم الذين يعملون الآن في حكومة الأمل للاستجابة.

ودعني أوضح شيئاً مهماً جداً: نحن، ونحن نمثل دولة راسخة وقديمة، كنا خلال هذه الرحلات نركب أحياناً الطائرات بالدرجة الاقتصادية، وليس بدرجات رجال الأعمال أو الدرجة الأولى، وكنا نسافر داخل أوروبا بالقطارات.

هذا لم يكن يحدث مع حكومات سابقة كانت تستأجر طائرات خاصة وتتحرك بها في الفضاء القريب والبعيد.

نحن حكومة مختلفة تماماً عن الحكومات السابقة، ونعطي شعبنا الحق الكامل في انتقادنا، لكننا نريد أن يكون النقد موضوعياً.

• لكن السؤال ليس فقط عن التكاليف، وإنما عن العائد السياسي من زيارة الفاتيكان تحديداً.. ماذا يمكن أن تضيف هذه الزيارة لمسار الحرب؟

هذه الزيارة كانت مفتاحية لعدة أسباب.

أولاً، الفاتيكان لعب دوراً محورياً وأساسياً في عملية السلام السودانية التي انتهت — بكل أسف — إلى انفصال الجنوب، كما أن للفاتيكان أدواراً في رعاية اتفاقات سلام إفريقية عبر منظمات تابعة له.

كذلك، الفاتيكان يرفع شعار السلام ولديه رمزية دينية مؤثرة لدى عدد من الدول الأوروبية التي تؤثر بدورها في واقعنا السياسي والأمني الداخلي.

أيضاً كانت هناك صورة ذهنية مشوهة وصلت إلى الفاتيكان حول استهداف الكنائس في السودان خلال فترات سابقة، ونحن أردنا أن نؤكد أن السودان دولة تعايش ديني وسلمي وتوافق مع جميع مكوناته.

هذه الرسالة حملناها إلى الفاتيكان، ووجدت استجابة غير مسبوقة.

وأنا كنت حاضراً في كل اللقاءات، سواء مع البابا أو وزير خارجيته، وكل من التقيناهم تحدثوا عن أن هذه الزيارة تمثل تحولاً كبيراً في اتجاهات السياسة السودانية.

لقاءات في لندن بعيداً عن الأضواء

• زرتم بعد ذلك بريطانيا، لكن البعض أخذ عليكم أنكم لم تلتقوا رئيس الوزراء البريطاني أو وزير الخارجية.. لماذا لم تُعقد تلك اللقاءات؟

أولاً نحن ذهبنا إلى بريطانيا تلبيةً لدعوة من جامعتي جامعة أكسفورد وجامعة كامبريدج للسيد رئيس الوزراء، لكي يعرض مبادرة سلام السودان أمام الجامعات.

ومن هنا جاءت دعوات أخرى لترتيب لقاءات جانبية مع مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، وكذلك مع وزيرة الشؤون الإفريقية، وهذه اللقاءات تمت بالفعل.

ولم نكن نرغب في الإفصاح عنها، لكننا وجدنا أنفسنا مضطرين لمصارحة الشعب السوداني بأننا أجرينا لقاءات مهمة على هامش الزيارة، ولها مردود كبير.

وأؤكد لك — وبثقة تامة — أن كثيراً من النتائج التي ستظهر مستقبلاً هي نتاج تلك اللقاءات.

 

• لكن هناك من رأى أن عدم لقاء رئيس الوزراء البريطاني أو وزير الخارجية يقلل من قيمة الزيارة دبلوماسياً؟

لا، ليس كذلك.

أنا ذكرت منذ البداية أن الدعوة كانت أكاديمية، وربما البعض في دول العالم الثالث لا يعلم أن صناعة القرار في أوروبا وبريطانيا تبدأ من القاعدة حتى تصل إلى القمة.

ونحن ذهبنا إلى بريطانيا ونحن نمثل إرادة شعبنا وسيادة دولتنا، وتحدثنا بخطاب العنفوان الوطني لا خطاب الانكسار.

بريطانيا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في الضغط على بعض الدول التي تتحرك بتوجيهات منها.

ثم إن كثيرين لا يعلمون أن المسؤولين البريطانيين أنفسهم قالوا لنا إنهم خصّونا بهذه اللقاءات رغم الأوضاع السياسية المعقدة داخل بريطانيا آنذاك، في ظل الضغوط والمطالبات باستقالة رئيس الوزراء البريطاني.

«تناولنا الغداء داخل البرلمان البريطاني»

• هل كانت هناك لقاءات أخرى خلال الزيارة؟

نعم، الوفد السوداني التقى أيضاً مسؤولين ونواباً داخل البرلمان البريطاني.

بل أزيدك: تناولنا وجبة الغداء داخل البرلمان البريطاني مع عدد كبير من النواب، وكانت هناك لقاءات مع المنظمة الإنجليزية العربية، وهي من أكبر جماعات الضغط المؤثرة في المشهد السياسي البريطاني.

كما التقينا منتدى التعدد الثقافي في بريطانيا، إضافة إلى عدد من النخب المؤثرة أكاديمياً وسياسياً.

ملف المسيّرات التركية

• خلال زيارتكم إلى تركيا، هل ناقشتم مع المسؤولين الأتراك وصول مسيّرات تركية إلى قوات الدعم السريع؟

بالتأكيد.

أنت تعلم أن هناك ما يُعرف دولياً بـ«شهادة المستخدم النهائي»، وهي الحاكمة لمثل هذه الخلافات.

وكانت لنا سجالات مع بعض الدول التي سمحت بتمرير مسيّرات تعاقدت على شرائها ثم جرى تحويلها إلى الميليشيا.

والحالة التركية لا تختلف كثيراً في هذا الجانب.

لكن بالنسبة لنا، تركيا دولة صديقة، والوفد ناقش مع المسؤولين الأتراك كل الملفات الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

وقعنا شراكات كبيرة جداً، ولن تكون — كما حدث سابقاً — مجرد حبر على ورق.

هناك أكثر من 75 اتفاقية بين السودان وتركيا لم يُنفذ منها سوى القليل، أما الآن فنحن حكومة تريد تحويل هذه الاتفاقات إلى واقع عملي.

• هل حددتم الدول التي استوردت المسيّرات التركية ثم مررتها إلى الدعم السريع؟

أنا أعلم أن دولاً عديدة مررت أسلحة عبر أطراف ثالثة، وخرقت ما يُعرف بشهادة المستخدم النهائي.

لكن ليست كل الملفات الأمنية والعسكرية تُطرح عبر وسائل الإعلام.

هناك أجهزة مختصة تتحرك في هذا الملف، وسيأتي الوقت المناسب لتكشف السودان وتركيا عن الجهات التي خرقت تلك الاتفاقات.

«نعالج أخطاء تراكمت منذ أكثر من قرن»

• هناك من قارن بين تحركات رئيس الوزراء الحالي وتحركات رؤساء وزراء سابقين كانوا يلتقون قادة الدول الكبرى مباشرة.. ما ردك؟

دعني أكون صريحاً مع الشعب السوداني.

نحن نعالج أخطاء تراكمت على الدولة السودانية لعشرات السنين، بل لأكثر من مئة عام.

ما ذنب الحكومة الحالية التي جاءت في 2026 لتواجه كل هذا الإرث؟

نحن حكومة مشروع نهضوي، ولسنا حكومة شعارات فقط.

نسعى لتغيير القوانين، ومكافحة الفساد، وبناء مؤسسات النزاهة والشفافية، ونعمل وسط الناس.

أنا شخصياً جئت إلى السودان قبل عام وسبعة أشهر، وحتى الآن أتحرك بسيارتي الخاصة وأمشي في الأسواق بلا حراسة.

هذه الحكومة جاءت في وقت كانت فيه البلاد تحترق، بينما هرب آخرون إلى الخارج.

• لكن البعض يقول إن رئيس الوزراء يجب ألا يزور دولة إلا وهو يعلم أنه سيلتقي من هو في مستواه السياسي؟

هذا غير صحيح.

نحن لا تحركنا فكرة لقاء هذا المسؤول أو ذاك، وإنما تحركنا قضية السودان.

ولا نذهب لاستجداء أحد أو طلب الأموال.

نحن نذهب لنقول للعالم: ارفعوا أيديكم عن السودان، وأوقفوا دعم الميليشيا التي تقتل الشعب السوداني.

نحن حكومة تختلف عن الحكومات السابقة، ولا ننحني للمجتمع الدولي.

• دعني أذهب معك إلى ما أثير مؤخراً حول وجود تحركات أو وساطات بين السودان والإمارات.. ما حقيقة الأمر؟

الذي أستطيع أن أؤكده بصورة قاطعة أن الرئيس عبد الفتاح البرهان لم يدلِ بأي تصريح من هذا القبيل.

• لكن هل توجد بالفعل جهود إقليمية لجسر الهوة بين السودان والإمارات أو لتهيئة لقاءات بين الطرفين؟

دعنا نكون صريحين، المنهج العام الذي تتبعه الحكومة السودانية منذ اندلاع الحرب أنها لم تغلق باب السلام.

حتى عندما كنت أتحدث معكم في حوارات سابقة كنا نرسل رسائل سلام للدول التي تورطت في هذه الحرب، وقلنا بوضوح: ارفعوا أيديكم عن السودان، وأوقفوا دعم الميليشيا.

هذا الخطاب لم يتغير، وما زلنا نطالب كل الدول بالكف عن التدخل في الشأن السوداني.

• إذاً هل يمكن القول إن باب التفاوض ما زال مفتوحاً؟

بالتأكيد، لكن وفق اشتراطات واضحة ومضمنة في الاتفاقات الثلاث.

• ما هي هذه الشروط التي لا يمكن للحكومة السودانية تجاوزها في أي تفاوض مع الدعم السريع؟

الانسحاب من المدن أولاً، وتسليم السلاح.

وأيضاً الحديث عن أي إعفاءات أو تسويات مرتبط بالعدالة الانتقالية بكل تأكيد.

• هناك انتقادات للحكومة بسبب استقبال بعض المنشقين عن الدعم السريع، مثل النور قبة وكيكل والسافنا، رغم اتهامهم بالتورط في انتهاكات.. كيف ترد؟

بالتأكيد الجيش والاستخبارات العسكرية لديهما تواصل مع عدد من منتسبي الميليشيا، وهذا أسهم في تقدم الجيش وإضعاف الميليشيا.

لكن هذا لا يعفي من المساءلة القانونية.

ومن حق الشعب السوداني أن يسأل عن الترحيب بمن تلطخت أيديهم بالدماء، ومن حق الحكومة أن تجيب عن هذه التساؤلات في وقتها.

• لكن هؤلاء استُقبلوا بصورة احتفالية، ومنحت لهم سيارات ورتب.. ألا يثير ذلك غضب الضحايا؟

ما هي الامتيازات التي يتحدث عنها الناس؟ الحديث عن سيارة تنقل شخصاً من مكان إلى آخر لا يعني بالضرورة أنها مكافأة.

لكنني أتفق معك في نقطة مهمة: من حق الشعب السوداني أن يسأل، ومن حق الحكومة أن تقدم كل من تلطخت أيديهم بالدماء إلى المحاسبة.

وليس كافياً أن يترك الشخص السلاح ليعود وكأن شيئاً لم يكن.

• هناك من يرى أن القانون يُطبق على المواطن البسيط أو بائعة الشاي، بينما لا يُطبق على قيادات الدعم السريع المنشقة.. كيف تفسر ذلك؟

صحيح، ليس هناك أي مبرر لتجاوز الأخطاء.

لكن إن كان المتعاون قد بلغ عن نفسه وتاب عن الجرم الذي ارتكبه، فسيكون مصيره كمصير النور قبة أو السافنا أو كيكل.

أما من يصر على الاستمرار في دعم الميليشيا سراً، فمن الطبيعي أن يواجه السجن.

• لكن أين حقوق الضحايا الذين فقدوا أبناءهم؟

لا أحد في الحكومة، ولا حتى قيادات الدولة، يستطيع أن يلغي حق المواطن في مقاضاة من ارتكب جريمة بحقه.

نحن دولة قانون وعدالة، وفيها مؤسسات وقضاء ومحاكم.

ومن حق أي مواطن أن يتقدم بشكوى ضد أي شخص يرى أنه اعتدى على حقوقه.

• هل تعتقد أن المواطن السوداني البسيط سيشعر بالقدرة على مقاضاة شخصيات يستقبلها البرهان ويمنحها امتيازات؟

لعلك شاهدت الفيديو الشهير الذي تحدث فيه الرئيس البرهان عن عودة بعض القوى، وعندما رفض الجمهور ذلك قال لهم: «من حقكم أن تقاضوهم».

الدولة تستجيب لمطالب الشعب، والشعب السوداني لن يجامل في حقوقه.

ونحن دولة عدالة وقانون، والسقوف بين الحاكم والمواطن غير موجودة.

• إذا كانت القاعدة هي قبول من يعتذر ويترك السلاح، فماذا لو فعل ذلك حميدتي نفسه؟

دعنا نستحضر استقبال جون قرنق عندما عاد إلى الخرطوم بعد حرب استمرت 21 عاماً.

الشعب السوداني يدرك أن وضع السلاح جانباً والوصول إلى السلام أمر مطلوب.

لكن في الوقت نفسه، من حق الشعب أن يطالب بمحاكمة من تلطخت أيديهم بالدماء.

• أسألك بصورة مباشرة: لو اعتذر حميدتي، هل سيُستقبل كما استُقبل كيكل والنور قبة؟

لن يحدث ذلك.

هناك فرق بين الزعيم الذي خطط للجريمة، وأنفق الأموال، وأصبح مطية لأجندات خارجية، وبين من كانوا مغرراً بهم أو وجدوا أنفسهم داخل المعركة بحكم التراتيبية العسكرية.

• هل تعتبر كيكل والنور قبة والسافنا مجرد مغرر بهم؟

نعم، كان هناك اعتقاد لدى كثيرين بأنهم يقاتلون ضد ما سُمي بالإسلاميين، وكانت هناك شعارات براقة رفعتها بعض الدول في الإقليم، وتبناها حميدتي.

الكثيرون خُدعوا بهذه الشعارات، ثم عادوا واعترفوا بذلك.

وهناك فرق بين المخطط وبين من نفذ تحت تأثير تلك المعطيات.

• لكن القانون لا يفرق بين المخطط والمنفذ؟

في التراتيبية العسكرية هناك فرق واضح.

أنت تتحدث عن قائد خطط ودرب ونسج كل هذه الأفكار، وبين عناصر أدنى في الهرم العسكري.

• هل يعني ذلك أن كل من هم مع الدعم السريع يمكن أن يُعفى عنهم باستثناء حميدتي وشقيقه؟

لا، لا تنسب إليّ هذا الحديث.

أنا لست مخولاً بالحديث باسم الشعب السوداني أو باسم المتضررين من الحرب.

وأي مواطن تضرر من حقه أن يلجأ إلى العدالة ضد أي شخص اعتدى على حقوقه.

هذه دولة قانون، ولا توجد سلطة مطلقة تعفو عن الناس كيفما تشاء.

• إذاً لماذا لا يجلس البرهان مع حميدتي لإنهاء الحرب؟

الرؤية التي قدمها البرهان للأمم المتحدة مبنية على مصالح الأمة السودانية، واسترداد حقوقها، وانسحاب الميليشيا من المدن، وتسليم السلاح، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم.

حتى مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء ليست عدالة مطلقة، لكنها تقوم على حماية كرامة الشعب السوداني وصون حقوقه.

كل الاتفاقات بُنيت على هذه الرؤية.

• هناك انتقادات متزايدة لأداء الحكومة، خصوصاً فيما يتعلق بمعيشة الناس، وانقطاع الكهرباء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية.. كيف تردون على هذه الانتقادات؟

إذا سمحت لي، أريد أن أشير إلى بعض النقاط المفتاحية التي تؤكد أن الحكومة عملت بكفاءة عالية لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.

الحكومة الحالية تتعامل مع واقع سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متوارث منذ عشرات السنين، وربما منذ ما يقارب مئة عام.

نحن ورثنا دولة مكسرة ومفككة ومدمرة بسبب سياسات خاطئة في حقب تاريخية مختلفة، وجئنا لمعالجة هذه الأوضاع.

حكومة الأمل أسهمت في عودة المواطنين إلى الخرطوم، وهذا في تقديري أكبر إنجاز، لأنها تحدت ظروفاً بالغة التعقيد.

كما عادت الصناعات إلى الولاية، وعاد مطار الخرطوم للعمل، واستعاد مشروع الجزيرة وسنار والشمالية نشاطه، وعادت مراكز خدمات الجمهور.

أيضاً مبادرة سلام السودان نفسها تُعد مكسباً لحكومة الأمل، لأنها تؤسس لحركة نهضوية وشكل جديد من الحكم.

هناك أيضاً جهود لإعادة الكهرباء والمياه، واستمرار صرف المرتبات، ودعم الأسر الفقيرة، وتسهيل العودة الطوعية، وعودة خدمات الطيران، وانتظام النظامين الصحي والتعليمي، وإعداد خطة استراتيجية خمسية لمعالجة قضايا الدولة.

• لكن البعض يرى أن كل هذه الإنجازات لا تنعكس بصورة حقيقية على حياة الناس اليومية؟

لا بد أن نكون موضوعيين.

الانتقاد الموجه لحكومة الأمل في جزء كبير منه هدفه إسقاط الحكومة واستبدالها بمجموعة أخرى، وهذا استهداف خارجي وليس داخلياً فقط.

• من الذي يستهدف الحكومة لإسقاطها؟

قوى خارجية بالتأكيد ترى أن حكومة الأمل قطعت آخر حبال وصولهم إلى السلطة من جديد.

هناك أيضاً تيارات تريد إلصاق الفشل بالقوى المدنية والحكومة معاً.

وبكل أسف، بعض الذين يهاجمون الحكومة اليوم كانوا يطلبون المال من قادة حكومة الأمل، وعندما رُفضت طلباتهم خرجوا لمهاجمة الحكومة.

• من هؤلاء الذين تقول إنهم طلبوا أموالاً من الحكومة ثم انقلبوا عليها؟

أنا شخصياً أعلم أن هناك أكثر من نائحة مستأجرة وأكثر من قلم يستهدف حكومة الأمل ووزارة الثقافة والإعلام.

وهذا الكتاب الذي سأتركه لكم يوثق ما أنجزته الوزارة خلال 11 شهراً رغم أننا نعمل بلا ميزانية.

• ما الذي تعتبرونه أبرز إنجازات وزارة الإعلام خلال هذه الفترة؟

أنشأنا المركز الإقليمي للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في بورسودان، وهو مبنى من أربعة طوابق شُيد خلال هذا العام.

كما استعدنا البث الإذاعي والتلفزيوني إلى الخرطوم، وسيبدأ قريباً البث من استديوهات جديدة بتقنية عالية الجودة.

وفعلنا الإذاعات والتلفزيونات الولائية، وسددنا أجور العاملين، حتى في المؤسسات التي لا تبث حالياً مثل قناة الشروق.

وأعدنا عمل المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، وأعددنا مشروع قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2026، وضبطنا الخطاب الإعلامي.

كذلك عادت وكالة سونا لعقد المؤتمرات الصحفية بصورة منتظمة، وأصبح عدد متابعيها بالملايين.

ورتبنا زيارات لمئات الصحفيين الأجانب، وكان لذلك دور في تغيير الصورة الذهنية عن السودان في الغرب.

• لكن هل يعبر التلفزيون السوداني فعلاً عن أوجاع المواطن؟ هل ينقل معاناة الناس مع الكهرباء والمياه والخدمات؟

التلفزيون السوداني تعرض لهجمة شرسة ودُمّر بالكامل.

وعندما جئنا أنشأنا أكبر استديو ومركز بث في بورسودان، وتبث منه الآن قناة البحر الأحمر.

نحن جئنا لنؤسس لوطن جديد وفق رؤية مختلفة.

لكن هناك من يريد أن يتحول الدفاع عن الجيش والوطن إلى وسيلة للحصول على الأموال.

وهؤلاء يجب أن يعلموا أن هناك وزراء تركوا أعمالهم وشركاتهم وممتلكاتهم في أوروبا وجاؤوا لخدمة السودان دون أن يطلبوا مقابلاً.

• هل تقصد أن هناك من يدافع عن الجيش مقابل أموال؟

نعم.

• هل هناك فعلاً “أقلام مأجورة” كما وصفتها؟

نعم، وهناك من كانوا يتواصلون مع بعض الوزراء طلباً للمال، وعندما لم يحصلوا عليه بدأوا مهاجمة الحكومة ورئيس الوزراء ووزير الإعلام.

• هل يمكن أن تذكر أمثلة أو أسماء؟

لا أريد أن أسيء للمهنية الإعلامية بذكر أسماء على الهواء.

لكن ليس الجميع كذلك، فهناك أقلام وطنية محترمة داخل السودان وخارجه تدافع عن البلد بتجرد ونكران ذات.

أما القلة التي ربطت مواقفها الوطنية بالحصول على المال، فهي التي تهاجم الدولة عندما تُحرم من هذه الامتيازات.

• ألا يحق للشعب السوداني أن يعرف من هي هذه الأقلام التي تتلقى الأموال؟

الشعب السوداني ذكي وفطن، ويعرف جيداً من هم الصحفيون الوطنيون ومن هم الذين ربطوا مواقفهم بالمصالح الشخصية.

هناك صحفيون وطنيون في الدوحة والبحرين وبريطانيا وأمريكا يدافعون عن السودان دون مقابل، وهناك قلة قليلة جعلت موقفها مرتبطاً بالمال.

وهذا النوع — في تقديري — هو الذي أسهم في تدمير الدولة، لأنه ربط مصالحه الذاتية بمصير الوطن.

• أعلنتم منذ البداية عن حوار وطني شامل، لكن حتى الآن لم نرَ حواراً حقيقياً مع القوى المناهضة للحكومة أو الجيش مثل “صمود”.. لماذا؟

أنا أقولها بوضوح: حكومة الأمل لا تخشى الحوار.

نحن نمشي بين الناس في السودان وخارجه، والجماهير تستقبلنا بصورة تعكس موقف الشارع السوداني الحقيقي.

ومن يريد التفاوض أو الحوار فليأتِ إلى السودان.

أنا شخصياً قلت في حوار سابق إنني مستعد لتحمل تكاليف سفرهم ليأتوا ويروا موقف الشعب السوداني في الأسواق والطرقات.

• لكن بعض هؤلاء يقولون إنهم يواجهون بلاغات وقضايا، ولذلك لا يستطيعون العودة؟

هذا مجرد تبرير.

القائد العام سمح بإصدار الجوازات، ورئيس الوزراء فتح الباب للجميع.

ومن يرى نفسه بريئاً فليأتِ ويواجه العدالة.

أنا شخصياً إذا ارتكبت جرماً في حق أي مواطن سوداني فسأذهب وأسلم نفسي للقضاء.

• لكن هناك من يقول إن كيكل والسافنا والنور قبة لم يواجهوا العدالة رغم حملهم السلاح؟

إذا كانت هذه هي الفرضية، فليأتِ الآخرون أيضاً.

إذا كان هناك من شاركوا في المعارك ثم أعلنوا توبتهم، فلماذا لا يأتي الآخرون ويخضعوا للمساءلة أمام الشعب؟

نحن لا نتحدث باسم الشعب السوداني، لكننا نقول إن أي شخص ارتكب جريمة يجب أن يحاكم، مهما كان موقعه.

وحكومة الأمل أعلنت بوضوح رغبتها في فتح حوار وطني واسع.

ومن لم يتورط في جرائم فليأتِ، فالمطارات مفتوحة والباب مفتوح للجميع.

المذيع: هل هناك حوار سياسي سيجرى؟ وأنتم أساساً عندما جاءت حكومة الأمل تحدثتم عن حوار بين كل القوى السياسية في السودان، لماذا لم نر حتى الآن حواراً بين الحكومة والقوى المناهضة للجيش أو للحكومة أو التي لها رؤية مختلفة مثل “صمود”؟

خالد الإعيسر: أنا أقول لك بالفم المليان، نحن وزراء حكومة الأمل نمشي بين الناس، ومتى ما حطت بنا الطائرة في أي دولة نجد الجماهير تستقبلنا وتحتفي بنا. عندما ذهبنا إلى بريطانيا حاول البعض أن يزور صوراً لبابا الفاتيكان وهو يضع يده على رؤوسنا ويفتح فم رئيس الوزراء، وقالوا إنها صور حقيقية بينما كانت مصنوعة بالذكاء الاصطناعي.

الحقيقة أننا ذهبنا إلى تلك البلدان ورفعتنا الجماهير على الأعناق، وحاولوا تصوير الأمر وكأنه مناسبة زواج بينما كانت ندوة للجالية السودانية في مانشستر. الشعب السوداني يرى في من يمثلونه عناوين للوطنية والحرية والاستقلالية.

أما من يريد التفاوض فنحن نقول لهم: تعالوا إلى السودان غداً، وأنا أتكفل بتذاكرهم، ليمشوا معنا في الأسواق والطرقات ويروا موقف الشعب السوداني منهم. عندها فقط سنستجيب لما يريده الشعب.

المذيع: لكن هناك قضايا مرفوعة ضدهم بالعمالة والخيانة وغيرها، كيف سيأتون وأنتم تتهمونهم بهذه التهم؟

خالد الإعيسر: هم يتحججون بذلك. السيد القائد العام سمح بإصدار الجوازات، والسيد رئيس الوزراء أيضاً فتح الباب، فليأتوا ويواجهوا العدالة. وأنا شخصياً لو ارتكبت جرماً في حق أي مواطن سوداني فسأذهب وأسلم نفسي للعدالة.

المذيع: لكن هذا لم يحدث مع آخرين. أنتم تطلبون من شخصيات مثل خالد عمر أو شريف عثمان مواجهة العدالة، بينما السافنا والنور قبة وكيكل لم يواجهوا العدالة رغم أنهم حملوا السلاح، فما الفرق؟

خالد الإعيسر: إذا كانت هذه هي الفرضية فليأتوا هم أيضاً. إذا كانوا غير متورطين في هذه الحرب، وهناك من كانوا داخل المعارك ثم استتابوا، فلماذا لا يأتون ويستتيبون أمام الشعب؟

هذا ليس خياري الشخصي، بل خيار قطاع واسع من السودانيين الذين يرون أن كل مجرم يجب أن يحاكم مهما كان موقعه أو ضعفه. نحن أنشأنا مفوضية للشفافية، ونحن على استعداد لأن نحاكم أنفسنا إذا ثبت أي خطأ.

حكومة الأمل أعلنت بوضوح رغبتها في فتح حوار وطني واسع، وهذا يفتح الباب أمام الجميع. كل من لم يتورط في جريمة فليأتِ، فمطار بورتسودان مفتوح ومطار الخرطوم مفتوح أيضاً.

المذيع: أشكرك على وقتك وأعتذر عن الإطالة، شكراً جزيلاً لك السيد خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار السوداني، كنت معنا مباشرة من الخرطوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى