القرار رقم 22.. “شينة” تشربد العاملين “المنكورة”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
لم تبذل الحكومة جهداً فوق طاقتها عبر منصات الإقليم والمجتمع الدولي حتى تتمكن من قطع الطريق أمام خطة المليشيا لبناء غطاء سياسي يمنحها “الشرعية” ويزيح عنها عبء وصمة التمرد بتكوين حكومة “موازية” تحت لافتة “تأسيس”، فالعالم كان يحتاج لأكثر من تسمية الوزراء والسيطرة الميدانية على مساحات من ولايات دارفور وكردفان .
الحكومة في الذهن الإقليمي والدولي أكبر بكثير من ذلك، فهي تعني وحدة سلطة القرار والقدرة على تنفيذه وبناء مؤسسات الدولة والتعبير عن رؤية موحدة، بعكس ما ظل يقدم من إطار عام دون تفاصيل تدعمه .
ولكننا الآن بصدد القراءة في دفتر حكومة الأمل وأدائها، في مقابل القناعة الداخلية لدى المواطنين بأن الشكل الحالي للأداء الحكومي، كتشكيل وزاري وخطط وقرارات، يمثل عندهم الأمل المرتجى في زمن الحرب، أم أن غياب الدولة هو المشهد الحاكم أمامهم .
القرار رقم “22” لعام 2026م الصادر من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتوقيع الوزير المسؤول، وهو لم يترك في مقدمته شيئاً من الصلاحيات الممنوحة له وللسيد رئيس الوزراء إلا وأشار إليه، ليضع القرار بتصفية وتخفيض و”تشريد” العاملين في القطاع الحكومي على التشريد الذي شردتهم له الحرب منذ اندلاعها، بلغة واضحة وصريحة ومباشرة فهمها أولاً كل من تم تسميتهم في لجنة “التشريد” من وزارة المالية والصندوق الوطني للمعاشات وشؤون الخدمة المدنية والمجلس الأعلى للأجور ووزارة المالية ووكيل وزارة الموارد البشرية والإدارة العامة للشركات، والذين خرج أي واحد فيهم بعد استلام صورة من القرار متأبطاً شره وسيفه ليقدم أفضل ما عنده في المطلوبات المذكورة بوضوح لا لبس فيه في القرار، وهو قرار ليس من نوعية تلك القرارات التي يصحو وزراؤنا ليوقعوا عليها للتعبير عن استحقاقهم للراتب والحافز الحكومي، بل هو قرار صدر تحت غطاء “إصلاح الخدمة المدنية”، بينما كان أي سطر فيه مكتوباً بلغة أوضح من التبرير الذي جاء في نفي مكتب إعلام رئيس الوزراء .
(*) الشينة منكورة …
والكل كان يظن بأن “شين” حكومة الأمل سقفه لن يتجاوز العجز عن دفع الرواتب والوفاء بالالتزامات المالية المتأخرة للعاملين في كل قطاعات الخدمة الوطنية بحجة الحرب، لولا إصدار الحكومة للقرار 22 لسنة 2026م لتقول بأن “جراب” الشينة الحكومي لا يزال مليئاً بما يفوق سوء الظن .
“النفي” الصادر من إعلام مكتب رئيس الوزراء أراد أن يعيد تفصيل “بدلة” جديدة للموجهات الواضحة في القرار بتخفيض العاملين في الخدمة المدنية، وأراد أن يتهم نقابات واتحادات والصحافة والإعلام، التي كانت قد أبدت رد فعلها لما جاء في القرار وأعلنت رفضها لما جاء فيه، أراد أن يتهمهم بسوء الفهم وعدم القدرة على تفسير “هيروغليفية” لغة القرار، وأنها بنفيها الصادر أرادت إرفاق “كاتالوج” حكومي يشرح ما تبادر إلى ذهنهم أولاً بتشريد العاملين في الخدمة المدنية بلون “وردي” وطلاء اسمه إصلاح الخدمة المدنية .
النفي و”الاستدراك” المتأخر من مكتب رئيس الوزراء لطامة القرار رقم 22 لهذه السنة لم يكن هو الأول من نوعه، والذي يعرض عدم الانسجام بين مكونات حكومة الأمل، وأن المواطن السوداني أمام “روكة” حكومية لا يجمعها “مجلس” يشغل حقائبه وزراء يفكرون ويصدرون القرارات بشكل متسق وجماعي، بل هو امتداد لجملة ملاحقات المكتب ورئيس الوزراء نفسه وتفرغه لإصلاح ما تفسده “شينة” القرارات من إدارات حكومته ومحلياتها في المستوى الأدنى .
فعندما يخاطب القرار الحكومي عاطفة الشعب السوداني بالعودة الطوعية، ويطفف الخطاب الرسمي في مشهد ما بعد الحرب بعودة الأمن والخدمات، كانت هنالك حكومات “موازية” لحكومة الأمل المركزية تنتظر المواطنين عند أول نقطة تماس بـ”كلبشات” الضرائب والأتاوات وكل أدوات القهر الرسمي، يحاول رئيس الوزراء إطفاء الغضب الشعبي بقرارات إلغاء وإيقاف ونكران .
“الشين” في قرار وزارة الموارد البشرية، والذي حاول النفي الصادر من مكتب رئيس الوزراء تخفيف زلزال صدمته، لا يرجع لركاكة “التلخيص” من سكرتارية اجتماعات اللجنة التي كونها الوزير، وليس كافياً أن يكون “النفي” بادعاء إصلاح الخدمة المدنية هو “قلم التصحيح” الذي أراد أن يقول به مكتب رئيس الوزراء بأن كل الشعب السوداني “ما فاهم”، وعليه أن يترك الفهم و”الذوق” في القرار الحكومي لمكتب إعلام مجلس الوزراء ومستشاريه الإعلاميين و”أسطوات” و”بوهيجية” الخطاب الحكومي .
وهنا نسأل: إن كانت وزارة الموارد البشرية ووزيرها يعملون بمعزل عن رئاسة الوزراء، كما يبدو واضحاً ذلك من قراءة القرار رقم 22 والقاضي بتخفيض العاملين في الخدمة المدنية، والنفي بحجة إصلاح الخدمة المدنية؟
تلك مشكلات “داخلية” بين مكاتب وزراء حكومة الأمل لا شأن للشعب السوداني بها، وينبغي حلها ومناقشتها قبل أن يلطمنا القرار وتحتاج رئاسة الوزراء للاستدراك لهذا الإرباك الحكومي .
التوضيح والنفي الصادر من مكتب رئيس الوزراء ليس كافياً، وغير مؤهل لإصلاح “شين” ما جاء فيه من موجهات، ناهيك عن التأهيل لإصلاح الخدمة المدنية، وبالتالي كانت رئاسة الوزراء محتاجة للكتابة بقلم الوزير الأخضر في كراسة وزير وزارة الموارد البشرية: “أعد”، فالأخطاء في خطاب تشكيل لجنة تخفيض العاملين بالخدمة المدنية ليست أخطاءً “إملائية”، بل هي الخطأ الذي فضح “النوايا” الرسمية المبيتة للتخلص مما تراه عبئاً يثقل كاهل موازنتها .
(*) سوء القصد والنوايا في القرار الحكومي ..
استصغر مكتب رئيس الوزراء ما جاء في قرار وزارة الموارد البشرية، والذي حمل موجهات واضحة بتخفيض العاملين وإحالتهم للمعاش، وقدر بأنه لا يستحق أكثر من “سطرين” للنفي والتوضيح، بينما كان سوء النوايا واضحاً في تركيبة اللجنة وممثلي الجهات الحكومية فيها، بغياب ممثلي أصحاب الحق وأسياد “الجلد والرأس” في الخدمة المدنية المراد إصلاحها، فلا ممثل للنقابات والاتحادات والعاملين في الخدمة المدنية، والذي كان من الممكن أن يوافق على ما تراه الحكومة إصلاحاً للخدمة المدنية ويبدي الاعتراض على ما يراه تشريداً واستدعاءً لكل القبح في الفصل التعسفي والقسري للعاملين، لولا أن القرار ومن أصدره يرون باحتكار الحكومة لتصورات إصلاح الخدمة المدنية .
القرار ببساطة هو هروب الجهاز الرسمي من مسؤوليته تجاه العاملين بالدولة وتنصله من تحمل نفقات رواتبهم، بذات الطريقة التي هربت بها الحكومة من قضايا الخدمات في الصحة والتعليم وإعادة الإعمار .
الحكومة تعرف الأمل بأنه أن يتحمل المواطنون عبء إدارة الدولة وتكاليفها، بينما تكتفي هي ببدل وربطات العنق ومنصرفات وزراء “المحاصصة” وتقاسم “الكيك” الحكومي سلطة وثروة .
إن كانت للحكومة نوايا سليمة لإصلاح الخدمة المدنية، لتحدث قرارها رقم 22 في تفاصيل المهام الموكولة للمذكورين في متن القرار عن إصلاح بيئة العمل وتحسين هياكل الأجور والرواتب، إلا أنها مضت مباشرة لقرار التخفيض لأنه الطريق الأقرب والأسهل والمتناسب مع قدرات وإمكانات ومؤهلات المذكورين في قرار التشريد .
لو كان هنالك “أمل” في الحكومة تحمله للمواطن، لتحدثت عن إصلاح الخدمات والتزمت بالموجهات التي قالها وزير المالية في حديثه “المُضهب” عن الموازنة بعدم إضافة رسوم وضرائب جديدة، ولم يكن الإصلاح للخدمة المدنية بحسب القصور الواضح في فهمها لإصلاح الخدمة المدنية لا يتعدى حدود تصفية الخدمة المدنية والتعامل مع العاملين على أساس فكرة أنهم مجرد “وزن زائد” يجب إراحة الدولة منهم لصالح حياة الأمل المزعومة في خطاب الحكومة .
الطريق السهل على الدوام بالنسبة للقرار الحكومي لإصلاح الحال العام هو فرض الرسوم والجبايات والضرائب وتخفيض العاملين، أما عملية بناء الاقتصاد المنتج فهي تحتاج لما هو أعلى من مؤهلات وزراء المحاصصة السياسية .
هل يعلم مكتب إعلام مجلس الوزراء بأن المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية والريفية بولاية الخرطوم قد اجتمع لمناقشة أثر زيادة الوقود على أداء المحليات؟
محليات الجبايات والضرائب والاستقواء على المواطنين بالعضل السلطوي، لا نحتاج للتفكير كثيراً حتى نفهم نواياها المبيتة عندما تأتي أجندة اجتماعاتها تحت عنوان “مناقشة أثر زيادة الوقود على أداء المحليات”، لأن العبقرية الرسمية سقفها هو إعلان زيادة جديدة في فاتورة النظافة وتردٍ إضافي في الخدمات .
المحليات التي تنظر لدعوات عودة المواطنين من دول اللجوء على أساس أنها “موارد” إضافية للجيب الرسمي، وهي لا ترى بأن من صميم مسؤولياتها تجهيز بيئة العودة بالنظافة والخدمات، فكيف من جانب تعلن المؤسسات ومجلس الحكومة عجزها عن أداء مهامها وتكاليفها، وفي ذات الوقت تدعو لتقليص العاملين المسؤولين عن أداء هذه المهام .
مثل هذه القرارات يفضح غياب العقل المركزي الذي يفكر للحكومة وافتقارها للرؤية الاقتصادية الموحدة، وحاجة الحكومة لملاحقة أي قرار يصدر لتفادي الهزات الارتدادية الناجمة عن صدوره، ومثل “النفي” الصادر من مكتب إعلام رئيس الوزراء ما هو إلا محاولة إطفاء لحرائق يشعلها القرار الرسمي .
“أوركسترا” حكومة الأمل تحتاج لمايسترو و”نوتة” جديدة تعيد لحن الأمل إلى مسامع الشعب السوداني، بدلاً عن “النشاز” الذي يسمعه.



