العميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب: متقاعدو الشرطة.. العودة النوعية إلى الخرطوم

تستعيد الخرطوم حياتها ببطء، ومع كل يوم تعود أسرة إلى منزلها، أو يفتح دكان في حي، أو تُضاء نافذة بعد شهور من الظلام، يشعر الناس بأن المدينة ما تزال قادرة على النهوض رغم كل ما مر بها.
لكن العودة نفسها ليست سهلة. فالكثير من الأسر عادت لتبدأ من الصفر تقريبًا؛ منازل تحتاج إلى صيانة، خدمات لم تستقر بعد، وتكاليف يومية تتزايد بصورة تفوق قدرة كثير من الناس. وتبقى الكهرباء واحدة من أكثر المشكلات إزعاجًا، إذ لا تزال بعض الأحياء خارج الخدمة تمامًا، بينما تعاني أحياء أخرى من ضعف التيار والتذبذب المستمر، الأمر الذي تسبب في تلف أجهزة ومقتنيات اضطر المواطنون لشرائها أو إصلاحها في ظروف بالغة الصعوبة.
ومن بين العائدين إلى الخرطوم تبرز شريحة مهمة تستحق الالتفات إليها، وهي شريحة متقاعدي الشرطة من الضباط والرتب الأخرى. فهؤلاء لا يمثلون مجرد مواطنين عادوا إلى منازلهم، وإنما يمثلون خبرات طويلة وتجارب متراكمة يمكن أن يكون لها أثر حقيقي في استقرار الأحياء خلال هذه المرحلة.
وجود متقاعدي الشرطة داخل الأحياء يمكن أن يسهم بصورة كبيرة في دعم الأمن المجتمعي، خاصة عبر تفعيل فكرة الشرطة المجتمعية ومراكزها، والمساعدة في معالجة كثير من الظواهر السالبة، إلى جانب دورهم الطبيعي في تعزيز الإحساس بالأمان وسط المواطنين. فالخبرة التي اكتسبوها عبر سنوات الخدمة لا تنتهي بالتقاعد، بل يمكن أن تتحول إلى رصيد مهم يخدم المجتمع متى ما توفرت البيئة المناسبة.
وفي المقابل، فإن كثيرًا من هؤلاء المتقاعدين يواجهون تحديات ليست قليلة؛ بعضهم عاد إلى منزل متضرر، وآخرون فقدوا ممتلكاتهم أو أجهزتهم، بينما يعاني كثير منهم من صعوبة توفير احتياجات الحياة الأساسية في ظل الظروف الاقتصادية المعروفة.
والحقيقة أن هذه التحديات أصبحت أكبر من أن يواجهها المتقاعد وحده، خاصة بعد الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، وما خلفته الحرب من آثار اقتصادية وخدمية واجتماعية ألقت بظلالها على الجميع. لذلك فإن تجاوز هذه المرحلة يحتاج إلى قدر من الإسناد المؤسسي والتكافل المجتمعي والشعور بأن من خدموا الوطن لسنوات طويلة ليسوا وحدهم في مواجهة أعباء العودة.
ومن هنا تأتي فكرة “العودة النوعية”، ليس باعتبارها مجرد عودة أفراد إلى مساكنهم، وإنما مشروعًا متكاملًا يساعد على استقرار هذه الشريحة والاستفادة من وجودها داخل المجتمع بصورة إيجابية ومنظمة.
وفي هذا الإطار، نتقدم بمقترح إلى السيد وزير الداخلية والسيد مدير عام قوات الشرطة لتبني مشروع خاص بدعم واستقرار متقاعدي الشرطة العائدين إلى الخرطوم، باعتبار أن استقرارهم يمثل إضافة حقيقية لجهود استعادة الأمن والحياة الطبيعية داخل الأحياء.
ويمكن أن يقوم هذا المشروع على عدد من المحاور العملية، مثل دعم الشراء بالأقساط، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتوفير تسهيلات تتعلق بالأجهزة الكهربائية والطاقة البديلة والصيانة وإعادة التأهيل، إلى جانب التفكير في برامج اجتماعية وخدمية تساعد المتقاعدين وأسرهم على تجاوز آثار المرحلة الماضية.
فالخرطوم اليوم، وهي تحاول الوقوف على قدميها من جديد، تحتاج إلى كل خبرة وكل جهد مخلص، ومتقاعدو الشرطة ظلوا دائمًا جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع، يعرفهم الناس وتعرفهم الأحياء، ويملكون من التجربة والانضباط ما يجعل وجودهم عنصر استقرار حقيقي في هذه الظروف.
لذلك فإن دعم عودة متقاعدي الشرطة واستقرارهم لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد جانب اجتماعي أو مطلبًا فئويًا، بل خطوة عملية تسهم في استعادة عافية الأحياء وتعزيز الإحساس بالأمان، في مدينة ما تزال تتعلم كيف تعود إلى الحياة من جديد.




