طِب الدلنج.. نزيف الأعمار وضياع الأطباء

​”جامعة بلا جدران: نظام ‘الاستضافة’ يرهن مصير الطلاب بالمجهول”

​”مقاعد متهالكة واختفاء لأوراق الامتحانات.. بيئة تحارب التحصيل العلمي”

الخرطوم — عماد النظيف

في الوقت الذي يستنزف فيه السودان طاقاته الطبية لمداواة جراحه النازفة، وتشتد فيه الحاجة إلى كل يدٍ تُسهم في تضميد جراح الوطن، تتكشف خلف أسوار التعليم العالي مأساة إدارية وإنسانية مكتملة الأركان؛ حيث تزيح الوثائق والمستندات الرسمية الصادرة عن أسرة طلاب كلية الطب والجراحة بجامعة الدلنج الستار عما يمكن وصفه بالانهيار الأكاديمي الممنهج، الذي تحولت معه قاعات العلم إلى مقبرة لأحلام مئات الطلاب، واختُصر فيه المشهد المأساوي في مفارقة زمنية صارخة تمثلت في وجود طلاب التحقوا بمقاعد الدراسة عام 2016، ولا يزالون حتى عام 2026 يصارعون من أجل نيل شهادة البكالوريوس.

هذا التحقيق يعيد قراءة ملف الكارثة استناداً إلى الوثائق الرسمية التي أطلقها الطلاب كصرخة استغاثة حاسمة تحت شعار أنقذوا_طلاب_طب_الدلنج.

جامعة بلا جدران

تبدأ فصول المعاناة من أزمة الهوية المكانية؛ إذ تفتقر الكلية لمقر مستقل أو بنية تحتية خاصة بها، مما دفعها للارتهان كلياً لنظام الاستضافة في جامعات أخرى، دون وجود تفاهمات رسمية أو بروتوكولات واضحة بين إدارة جامعة الدلنج والجهات المستضيفة، مما جعل مصير الطلاب معلقاً بظروف مؤقتة ومتقلبة، وتزامن مع عجز حاد في الهيئة التدريسية وصل في كثير من الأحيان إلى حد الانعدام الكامل، ليجد الطالب نفسه أمام واقع مرير يغيب فيه الأستاذ والمقر معاً.

مقاعد متهالكة وامتحانات مفقودة

هذا التدهور اللوجستي انعكس مباشرة على البيئة التعليمية داخل القاعات والمكتبات، محولاً رحلة التحصيل العلمي المعقدة لدراسة الطب إلى بيئة طاردة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار النفسي والبدني، وهو ما تؤكده الأدلة والمشاهد المسربة لمقاعد خشبية متهالكة وجدران متشققة لا تليق بطلاب علم، ناهيك عن أطباء مستقبل يواجهون فوق هذا كله فوضى عارمة في نظام التقييم الأكاديمي؛ إذ تشتكي المذكرة المرفوعة من تأخر إعلان النتائج لسنوات، والأخطر من ذلك، هو تكرار حوادث فقدان واختفاء أوراق الامتحانات، مما يُجبر الطلاب على إعادة دراسة المقررات والجلوس للاختبارات مجدداً لمرات متتالية دون ذنب جنوه، سوى أن جهودهم ضاعت وسط فوضى إدارية غير مسبوقة.

جدول السنوات العجاف

وعند النظر إلى السلم الأكاديمي المقلوب وتكدس الدفعات، يتجلى الانهيار الإداري في أبشع صوره، حيث تحولت الأشهر الدراسية المفترضة إلى سنوات عجاف تلتهم أعمار الطلاب، ويظهر الوضع الحالي للدفعات صورة مأساوية تفيض بالمعاناة؛ فبينما تقضي دفعة 2016 سنتها العاشرة داخل أسوار الكلية دون أن تتخرج بعد، تقف دفعة 2017 متعثرة عند السمستر السادس بتأخير يمتد لعدة سنوات عن الهيكل الزمني الطبيعي.

ولا يتوقف الأمر عند هذا حد، بل يمتد ليشمل باقي الدفعات في متوالية تجميد مقنّع للمسار الأكاديمي؛ حيث تراوح دفعة 2018 مكانها في السمستر الخامس، ولم تتجاوز دفعة 2019 السمستر الرابع، في حين تدرس دفعة 2021 في السمستر الثالث وسط بطء شديد في الانتقال بين المراحل، وتتكدس دفعة 2022 في السمستر الثاني، بينما تقف دفتعا 2023 و2024 معاً عند عتبة السمستر الأول، في إشارة واضحة لاستمرار سياسة قبول دفعات جديدة دون وجود سعة استيعابية أو قدرة لوجستية على التدريس.

خمسة مطالب للإنقاذ

وأمام هذا التدهور المريع، يجد الطلاب أنفسهم أمام جدار من الصمت والتجاهل من قِبل إدارة الجامعة، التي اتخذت من الوعود الشفهية وسياسة الهروب إلى الأمام منهجاً للتعامل مع المطالب العادلة، مما أدى إلى قطع حبال التواصل وتعميق الأزمة، ودفوع الطلاب لصياغة قائمة مطالب مشروعة وحاسمة، وضعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والرأي العام أمام مسؤولياتهم التاريخية، وتتلخص في خمس نقاط أساسية:

أولاً: إنهاء حقبة الاستضافة عبر توفير مقر دائم ومجهز يليق بكلية الطب وطلابها.

ثانياً: التعيين الفوري لكادر أكاديمي مستقل وهيئة تدريس متكاملة لضمان جودة التعليم.

ثالثاً: تشكيل لجنة تحقيق عاجلة ومستقلة لمحاسبة المقصرين وإعادة هيكلة إدارة الكلية.

رابعاً: اعتماد جدول زمني ملزم ومعلن لتعويض الطلاب عن السنوات الضائعة وتسريع تخرجهم.

خامساً: معالجة أزمة النتائج المتأخرة فوراً، وتوفير نظام آمن وصارم لحفظ أوراق الامتحانات.

 

إن بقاء طلاب دفعة 2016 لعشر سنوات كاملة داخل أروقة الكلية دون تخرج، ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو ناقوس خطر يعلن الانهيار التام للمنظومة التعليمية داخل هذه الكلية، وباتت الكرة الآن في مرمى السلطات المختصة ووزارة التعليم العالي؛ فالأمر لم يعد يحتمل الوعود، والتدخل العاجل أصبح ضرورة قصوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتبخر أحلام جيل كامل من أطباء الغد.

/////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى