علم الدين عمر يكتب : هل ستمحو ثرثرة العائدين ذاكرة الشعب؟؟!!

حاجب الدهشة ..
هاتفني أحد الزملاء الإعلاميبن العرب مستفسراً عن رؤية السودان.. وهدف الدولة من الظهور الكثيف للقادة العائدين من صفوف مليشيا الدعم السريع بهذه الطريقة التي وصفها بالكارثية..مبدياً إستغرابه الشديد مما وصفه بالحملة (الشعواء) لإستفزاز الشعب السوداني..وهأنا أضم صوتي لصوته متسائلاً عن الطريقة التي أُدير بها ظهورهم في الإعلام والوسائط ..والذي لا يبدو منسجماً مع طبيعة الحرب التي لا تزال مشتعلة..ولا مع حجم الدماء والجراح المفتوحة في الشارع السوداني.. ربما نجحت الدولة إستخباراتياً وعسكرياً في استقطاب عناصر وقيادات من داخل المليشيا..وهذا أمر مفهوم ومطلوب في سياق أي معركة طويلة ومعقدة..لكن تحويل هؤلاء العائدين لأصوات يومية تتحدث بلا ضابط ولا حساسية ولا تقدير لوجدان الناس هو بلا شك خطأ سياسي وإعلامي لا ينبغي الإستهانة به..
المشكلة ليست في عودتهم..إنما في طريقة تقديمهم للرأي العام..
فالسودانيون الذين عاشوا سنين الحرب المتطاولة الثقيلة وشاهدوا الخراب والنزوح والقتل والإنتهاكات.. لا يمكن مطالبتهم فجأة بالتعامل العاطفي البارد مع وجوه ارتبطت ــ بصورة مباشرة بهذه المأساة الوطنية الكبرى.. ولذلك فإن هذا الإندفاع غير المحسوب في إظهار العائدين ومنحهم المنصات بدا وكأنه استفزاز مجاني لذاكرة الشعب النازفة..
لا أحد يعترض على أن الحرب تفرض أدواتها الخاصة.. فالإختراقات الأمنية.. والعمل الإستخباراتي الطويل..واستقطاب الخصوم.. وتفكيك البنية الداخلية للمليشيات.. كلها وسائل معروفة في الصراعات المسلحة.. وربما قضت الأجهزة المختصة زمناً طويلاً في بناء هذه المسارات حتى أوصلتها لهذا الإنهيار أو العودة أو التسليم.. وقد يكون بعض العائدين قد اتخذوا قرارهم بدافع القناعة أو الخوف أو الإحساس بإقتراب النهاية..
لكن نجاح العملية أمنياً لا يعني بالضرورة صحة إدارتها إعلامياً وسياسياً..
ذلك أن الدولة مطالبة هنا بالتفريق بين الإستفادة من العائدين داخل الغرف المغلقة..وبين دفعهم إلى واجهة المشهد العام بصورة كثيفة ومربكة..فما الذي أضافته كل هذه المقاطع والتصريحات والحوارات المرتجلة؟ وما القيمة الحقيقية لهذا السيل من الأحاديث المضطربة التي افتقرت للتدريب والإنضباط والرؤية؟..
في كثير من الأحيان بدا الأمر أقرب إلى الثرثرة التائهة بلا هدف..الثرثرة لا تخدم المعركة.ولا تقنع الرأي العام..ولا تضيف قيمة سياسية أو عسكرية حقيقية.. بل ربما أضرت بصورة الدولة لأنها أوحت وكأن المؤسسات تتعامل مع هذا الملف شديد الحساسية بعقلية الإنفعال الإعلامي.. بدلاً عن منطق الدولة التي تعرف متى تتحدث ومتى تصمت..
كان يمكن الإكتفاء بإظهار عمليات التسليم في حدودها الضرورية..كرسالة نفسية موجهة للمليشيا..ثم نقل الملف بالكامل لمسارات أمنية وقانونية مغلقة تحفظ للدولة هيبتها وتحفظ للمجتمع توازنه النفسي..
أما ترك المشهد بهذا الإنفتاح غير المنضبط فهو يفتح أبواباً أكثر خطورة.. لأن الحرب لم تنته بعد.. ولأن الحقوق الخاصة لا تسقط بالظهور الإعلامي ولا بالإنتقال من خندق إلى آخر.. ماذا لو تحركت أسر الضحايا وجحافل الشعب بدعاوى قانونية ضد هؤلاء العائدين (وهو أمر لابد أن يحدث)؟..
هل ستسمح الدولة بمسارات التقاضي الطبيعية؟..أم ستدخل في منطقة حرجة بين حماية الترتيبات الأمنية وامتصاص غضب الشارع؟..
ما هي المعادلة التي ستمضيها الدولة لاحترام ذاكرة شعبها وعدم تحويل آلامه وآماله لمادة للإستعراض السياسي والإعلامي.. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو الشعور العام بأن العدالة تم تجاوزها أو القفز فوقها تحت لافتة الترتيبات السياسية والعسكرية والمجتمعية..
المطلوب الآن ليس المزيد من المنصات والظهور والحديث المرتبك..المطلوب قدر كبير من الصمت المهني والإنضباط المؤسسي والتعامل الذكي مع هذا الملف بالغ التعقيد والحساسية..فالمعركة لا تزال مستمرة..وما بعد نهايتها سيكون أكثر صعوبة من الحرب نفسها..
أما السؤال الأهم..هل المعلومات التي بذلها هؤلاء العائدون ذات قيمة تساوي هذه الفاتورة الباهظة التي تدفعها الدولة بسبب ثرثرتهم وتلعثمهم أمام كاميرات القنوات ؟؟!!
نعود.



