المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: هل بات السلام وشيكا ؟

* ​على حافة النفق.. هل تصنع “الأوبة” ما عجزت عنه “المنابر”؟

* هل تشكل انشقاقات القادة الكبار تصدعاً في بنية المليشيا العسكرية، أم أنها مجرد إعادة تموضع لقوى تبحث عن طوق نجاة بعد جفاف منابع التمويل؟

* إذا كان قرار الحرب والسلم قد خرج من أيدي قيادة الدعم السريع وتحول إلى أجندة خارجية، فهل يملك “البرهان” مفتاح الحل عبر بوابات عواصم الإقليم أم أن شروط السيادة ستطيل أمد المعركة؟

 

​إن ما تشهده الساحة السودانية هذه الأيام من عودة متسارعة لقادة من الوزن الثقيل في صفوف قوات الدعم السريع، وعلى رأسهم النور القبة وعلي رزق الله “السافنا”، يحمل دلالة استراتيجية حاسمة تشير إلى تصدع الجبهة الداخلية للمليشيا وسقوط قناع التمويل والمخاوف الذي طالما حافظ على تماسكها؛ فالمليشيات تاريخياً أينما نشأت و نشطت فهي تعتمد على ركيزتي الإغراء المالي والترهيب القمعي، واليوم تكشف لنا الانشقاقات التي حدثت عن جفاف المنبعين بفقدان الملاءة المالية التي تعسر معها دفع أجور المرتزقة، مما أدى إلى كسر حاجز الخوف والولاء القبلي، واضعاً المليشيا أمام معضلة تفكك هيكلي يجعل بقاءها ككتلة موحدة أمراً شبه مستحيل بمرور الوقت.

​هذا التحول العسكري الكبير ألقى بظلاله فوراً على الشارع السوداني، ليفجر معضلة العدالة الانتقالية والجدل المحتدم بين تيارين من داعمي الجيش؛ تيار براغماتي يرى في العودة “نعمة سياسية” تعجل بنهاية الحرب، وتيار حقوقي يرفض التسوية ويبحث عن القصاص والانتقام نظراً لحجم الانتهاكات، وهو جدل يجد حسمه في التكييف الشرعي والقانوني الذي يفصل بدقة بين “البغي” كتمرد سياسي يسقط بالعفو التكتيكي لتشجيع الانشقاقات، وبين “الحرابة” كاعتداء جنائي على المواطنين وأعراضهم وهي حقوق خاصة لا تملك الدولة إسقاطها، مما يؤكد أن أي مسار نحو السلام سيصطدم حتماً بحتمية موازنة الضرورة العسكرية مع الحقوق الجنائية للمواطنين.

​وفي المقابل، يكشف استنكار بعض أعضاء منصة “صمود” لموافقة الجيش على استيعاب هؤلاء المنشقين عن عمق التناقض في مواقف قوى سياسية كانت تراهن على “التوازن الوجودي” في الساحة؛ حيث تبدو مفارقة هذه القوى في رغبتها بالإبقاء على قوات الدعم السريع بذات قوتها وهيكلها ليحاورها الجيش كطرف ندّي يفضي لاتفاق يُعيد إنتاج الشراكة السابقة، وهي فرضية تنهار تماماً مع تفكيك المليشيا وعودة عناصرها لحضن الدولة، مما يُبدد مخطط استخدامها كـ “ثقل موازن” للجيش، ويجعل القوات المسلحة القوة السيادية الوحيدة، وهو ما يربك حسابات النخب التي بنت رؤيتها على حتمية استمرار المليشيا بذات قوتها مع استحالة الحسم العسكري.

​لكن المحك الحقيقي يكمن في ما وراء كواليس القيادة، وهو ما أكده القائد المنشق “السافنا” في إفادته الأخيرة حين أعلن بصراحة عن فقدان حميدتي للقرار وتحول الصراع علناً إلى “حرب بالوكالة”، مشيراً إلى أن قائد الدعم السريع لم يعد يملك ذرة من إرادة إنهاء الحرب أو التفاوض رغم جفافه الدبلوماسي في عواصم الجوار، لأن الخيوط صارت تُدار بالكامل من غرف عمليات خارجية تستهدف تدمير الدولة السودانية ككل، وغياب هذه الإرادة الحرة يعني أن أي تفاوض مباشر مع الواجهات الميدانية للمليشيا هو رهان على سراب، طالما أن المحرك الفعلي للمعركة يقبع خلف الحدود وليس في الميدان.

​أمام هذا الانسداد، كنت أتمنى أن يكون حراك البرهان الإقليمي الأخير قد حمل في ثناياه دبلوماسية مشروطة مع الإمارات لمعالجة الأزمة من رأسها لا من ذيلها، حيث جاءت جولته الخليجية و ارهاصات وساطة بحرينية لفتح قنوات تواصل مع أبوظبي بشروط سودانية صارمة لا تنازل فيها عن سيادة السودان ووحدته، تشترط التوقف التام عن دعم المليشيا، تزامنا مع ضغوط دولية وتكهنات باحتمال تراجع العواصم الراعية عن هذا الدعم نظراً لارتفاع كلفته السياسية، مما يضع المليشيا في مخنق حقيقي، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الأوراق الدبلوماسية لا زالت تتشابك ببطء شديد.

​استناداً على هذه المعطيات المعقدة، وفي الإجابة على سؤال الساعة: *هل بات السلام وشيكا؟* فإن القراءة المنطقية تخبرنا أن السلام الشامل والنهائي ليس وشيكاً بالمعنى الزمني القريب، لكن الأزمة دخلت “مرحلة المخاض الأخير” ونهاية الحرب باتت حتمية ومنظورة؛ وذلك لأن تحول الصراع إلى حرب بالوكالة يجعل قرار وقف النار رهيناً بتوافقات دولية لم تنضج بعد بشكل كامل، كما أن تفكك قيادة المليشيا وفقدان حميدتي للسيطرة قد يحول ما تبقى من قواتها إلى جيوب متمردة وعصابات “حرابة” منفلتة تمارس النهب بلا قيادة موحدة، وهو سيناريو أمني معقد سيستغرق وقتاً وجهداً من الجيش لحسمه، لتظل كفة الحسم التاريخي قد مالت بوضوح لصالح الدولة، بانتظار انقشاع غبار المعارك الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى