منى ابوزيد تكتب: شعارات وطنية ضد الوطنية..!

هناك فرق

*”الحقيقة النقية البسيطة نادراً ما تكون نقية، ويستحيل أن تكون بسيطة”.. أوسكار وايلد..!*

في زمن الحروب لا يمتحن الوطن أبناءه بالسلاح وحده، بل بتلك الظلال القاتمة التي تلقيها الاتهامات والشكوك على الحوارات والعلاقات. عندنا في السودان – قبل اندلاع الحرب وبعده – يتحول كل اختلاف سياسي إلى محكمة تفتيش صغيرة، يجلس فيها كل طرف قاضياً وجلاداً. بينما يقف الآخر المختلف في الرأي متهماً بانتهاك معايير الوطنية..!

قد صار من الطبيعي أن يُطالَب الناس بإبراز بطاقة الولاء قبل أن يفتحوا أفواههم، وكأن حب الوطن تصريح مرور يملكه البعض، وليس عاطفة تسكن القلوب ومبادئ وقناعات تهدي العقول..!

الحرب تكشف ما نخفيه أو يخفونه عنا أكثر مما تُعلِّمنا ما نجهله. وقد كشفت حربنا هذه هشاشة منطقنا وعلو أصواتنا على حساب المنطق، وضيق صدورنا، وتعجلنا في تصنيف مواقف ومواقع الآخرين من هذا الوطن..!

حتى صار بعضنا يرى اليوم أن الدفاع عن الوطن لا يكتمل إلا إذا سحبنا الوطن من صدور الآخرين، وأن كل رأي مختلف هو خيانة، وكل صوت لا يشبه صوتنا هو مندس، وكل دعوة لإحلال السلام هي تدليس ومحاولة لتبييض وجه العدو..!

نحن شعب عَرف، عبر تاريخه الطويل، أن الأزمات تُوحِّد. لكن هذه الحرب – على قسوتها – جعلت البعض يتناسى العدو الأكبر، وينشغل بخلق عدو داخلي يُحاربه بارتياح أكبر، لأن حسابه أسهل ومخاطره أقل..!

عدوٌّ يحمله في هاتفه وفي قائمة أصدقائه، لا في خطوط النار، عدوٌّ يمكن الانتصار عليه بكتابة تعليق غاضب، لا ببطولة حقيقية على الأرض. والنتيجة أننا قد أصبحنا نستهلك طاقة البلاد والعباد التدقيق بشأن الولاء الوطني، عوضاً عن المساهمة في التفكير الوطني. وننشغل بتحليل النيات عوضاً عن مواجهة مصيرنا المستقبلي المشترك، نتصارع حول إثبات من يحب السودان أكثر..!

لكن التجارب التاريخية الناجحة لا تقول ذلك. في جنوب أفريقيا – أيام جرحها العظيم – جلس الناس على خراب أعمارهم، لا ليحاسبوا بعضهم على الماضي، بل لينقذوا ما بقي من المستقبل..!

لم يسأل أحدهم الآخر “ماذا كانت نيتك؟” بل سألوا سؤالاً أكثر شجاعة “ما الذي نستطيع أن نفعله معاً”. هناك، لم يكن الحديث عن السلام خيانة، ولا المطالبة بوقف الدم ترفاً. بل كان أقصر الطرق لردم الهوة التي حفرها الاستعمار العنصري لثلاثمائة عام..!

في تجربة الحقيقة والمصالحة، لم يأتِ مانديلا ليُلقّن شعبه درساً في الوطنية، بل ليدربهم على أصعب أنواع الحب، حب الوطن الذي يضم المختلفين، لا حب الوطن الذي ينتقيهم. كانت الجراح أعمق من جراحنا، والذاكرة أثقل، والدماء أكثر غزارة. ومع ذلك، اختاروا أن تُشفى البلاد عوضاً عن أن تعاد سلسلة الانتقام..!

أما نحن، فقد صرنا – في خضم فوضانا – نحاسب الناس على رغبتهم في وقف الحرب، ونخون كل من يرفع صوته بحثاً عن طريق ثالث غير السلاح. صار شعار “السلام” يُستقبل بالشك، وكأنه كلمة سر يستخدمها العدو، لا نداء النجاة الوحيد الممكن..!

المفارقة الساخرة أن هذا المقال نفسه لن ينجو أيضاً من فخ التخوين. فما أن تدعو إلى الحكمة في زمن الهياج، أو تُرجِّح أصوت العقول على أصوات المدافع، حتى يصبح عليك أن تدافع عن وطنيتك قبل أن تدافع عن فكرتك. وكأن التفكير في خلاص الوطن يحتاج إلى أختام من جهات سيادية وطنية بعينها، وكأن الوطن قد صار مجموعة شركات قابضة يديرها بعضنا ونتقدم نحن بطلبات انتساب..!

ولو تكلم هذا الوطن لقال إنه لا يخاف من اختلاف أبنائه، بل يخاف من ضيق قلوبهم وهو لا يخشى أن يجلسوا إلى مائدة واحدة، بل أن ما يخشاه هو أن يجلس كل واحد منهم وحده، مقتنعاً بأنه المالك الوحيد للحقيقة..!

وفي النهاية، سيكتشف السوداني – عاجلاً أم آجلاً – أن المعركة الكبرى لم تكن ضد ابن الوطن المختلف في الرأي عنا، بل ضد هذا الجرح المفتوح الذي يُنبت في دواخلنا شكوكاً وأوهاماً تجعلنا نظن أن خلاص هذا البلد يمر عبر إسكات بعض الأصوات وليس جمعها..!

الحقيقة النقية البسيطة – التي تُضيّعها ضوضاء هذه الحرب – هي أن الوطنية الحقة لا تُقاس بنبرة الصوت، ولا بحدة الغضب، ولا بعدد الشتائم التي نطلقها على من يخالفنا الرأي. بل تُقاس الوطنية بقدرتنا على حماية الوطن من أنفسنا

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى