السودانيون في ليبيا.. ضحايا حرب تلاحقهم عاصفة أخرى

(لاجئون تطاردهم حربان)
أصوات ليبية لـ (العودة) تكشف أبعاد الأزمة..
في ليبيا تتصادم الأزمات ولا تتعاقب. فبينما تشدّد السلطات قبضتها الأمنية باحتجاز نحو 1400 مهاجر بينهم مئات السودانيين تجتاح موجةٌ من الاحتجاجات الشعبية مدناً ليبية عدة رفضاً لما يُتداول تحت مسمى “التوطين”، فيجد السودانيون أنفسهم في عين هذه العاصفة، محاصرين بين منظومة أمنية تشتد قبضتها وشارع ليبي يرتفع منسوب توجسه .
وسط هذا المشهد المتشابك تناولت صحيفة “العودة” تفاصيل ما يجري من الداخل مستندة إلى أصوات ليبية من قلب الحدث للوقوف على أبعاد أزمة باتت تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الهواجس الإنسانية.
. اتساع الموقف السياسي الليبي الرافض للتوطين
. كاتب صحفي ليبي : “السودانيون الأكثر تأثراً بحكم حجم وجودهم”
“بطاقة المفوضية لا تمنح وضعاً قانونياً داخل ليبيا”
“الخلط بين اللاجئين والمهاجرين أبرز إشكاليات النقاش الليبي”
. الأمم المتحدة تحذر : (500 ألف سوداني في ليبيا والعاصفة تتصاعد)
. سوداني في ليبيا : “دعوات مباشرة للاعتداء علينا وإجبارنا على المغادرة”
. نقابة الصحفيين السودانيين:
(صحفيون اضطروا للفرار لا يجب أن تطاردهم المخاطر في ملجئهم)
العودة : نشوة أحمد الطيب
حراك شعبي ليبي
تشهد ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الجدل العام حول ملف الهجرة والوجود الأجنبي غير النظامي، في ظل حراك شعبي ليبي واسع وتظاهرات في عدد من المدن، وخطاب سياسي متنامٍ يرفض ما يُوصف بـ”مشروع التوطين”، بالتوازي مع إجراءات أمنية مشددة تستهدف ضبط الحدود وتنظيم وجود الأجانب داخل البلاد.
ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة تشهد فيها ليبيا تراكماً لملف الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تدفق أعداد كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، ما جعلهم من أكثر الفئات تأثراً بالتحولات الجارية، رغم تأكيدات ليبية بأن الإجراءات لا تستهدف جنسية بعينها.
احتجازات موسعة
احتجزت السلطات الليبية مئات اللاجئين السودانيين في مدينة طبرق شرقي البلاد، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية والدعوات الشعبية التي سبقت تظاهرات حاشدة شهدتها العاصمة طرابلس وعدد من المدن الليبية يوم أمس الخميس أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وبحسب إفادات نقلها لاجئون سودانيون، نفذت السلطات في شرق ليبيا حملة واسعة شملت مدن طبرق والبطنان وعدداً من المناطق الأخرى، وأسفرت عن توقيف نحو 1400 مهاجر، من بينهم مئات اللاجئين السودانيين، قبل نقلهم إلى مراكز احتجاز تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.
وتأتي هذه التطورات في سياق حالة متصاعدة من الإجراءات الأمنية المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية، وسط قلق متزايد داخل أوساط اللاجئين السودانيين في ليبيا، الذين يشكلون إحدى أكبر الجاليات الوافدة منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023.
توزيع اللاجئين
ووفق آخر إحصائية صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين خلال العام الجاري، تستضيف ليبيا نحو 500 ألف لاجئ سوداني.
وتشير البيانات إلى أن 193 ألفاً منهم يقيمون في بلدية الكفرة الحدودية مع السودان، فيما يقيم نحو 80 ألفاً في العاصمة طرابلس، و10 آلاف في مدينة بنغازي.
كما تستضيف مدينة مصراتة أكثر من 7,248 لاجئاً سودانياً، والزاوية 6,190 لاجئاً، والجفارة 20,443 لاجئاً.
أما في شرق البلاد، فتحتضن درنة 5,642 لاجئاً، وطبرق 5,768 لاجئاً، والجبل الأخضر 3,822 لاجئاً، ما يعكس اتساع رقعة الوجود السوداني داخل الأراضي الليبية وتوزعه على مناطق متعددة ذات طابع أمني واجتماعي مختلف.
خطاب تحريضي
وأوضح أحد أفراد الجالية السودانية في ليبيا، فضّل حجب اسمه، أن حملات التحريض ضد الأجانب والمطالبات بطردهم ساهمت في زيادة التضييق على اللاجئين، إلى جانب انتشار محتوى سلبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودعوات مباشرة للاعتداء على بعض المهاجرين وإجبارهم على مغادرة البلاد.
في مقاطع فيديو متداولة دعا عدد من المواطنين والنشطاء الليبيين المواطنين في البلاد إلى طرد الأجانب، ولا سيما اللاجئين السودانيين القادمين من إقليم دارفور واصفين إياهم بـ”عصابات إجرامية عالمية”، ومشيراً إلى أنهم “أفراد غير شرعيين”، على حد تعبيره، كما طالبوا بطرد ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي قال إنها توفر الحماية لهم داخل ليبيا.
تظاهرات شعبية
شهدت العاصمة الليبية طرابلس يوم أمس الخميس، إلى جانب عدد من المدن الأخرى، تظاهرات شعبية حاشدة أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، شارك فيها متظاهرون توافدوا من مدن ومناطق مختلفة.
وأعرب المشاركون عن رفضهم لما وصفوه بـ”مشروع توطين المهاجرين غير النظاميين”، مطالبين بإغلاق مقر المفوضية داخل ليبيا، ووقف أي أشكال من الدعم المقدم للمهاجرين غير النظاميين.
وخلال التظاهرة، تلا ممثل عن المحتجين خطاباً تضمّن جملة من المطالب، في مقدمتها إغلاق مقر المفوضية في السراج، ومنع تقديم أي دعم للمهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض “فرض أمر واقع” في ملف الهجرة داخل البلاد.
وأكد المتحدث ترحيب الليبيين بالعمالة الأجنبية القادمة عبر القنوات الرسمية، مشدداً على رفض أي محاولات لفرض تسويات تتعلق بالوجود غير النظامي.
ورُفعت خلال التظاهرة شعارات من بينها “ليبيا لليبيين” و”لا للتوطين”، إلى جانب لافتات طالبت بإغلاق مقر المفوضية، في مشهد عكس تصاعد الخطاب الشعبي المرتبط بملف الهجرة.
كما شهدت عدة مدن ليبية خلال الفترة الأخيرة تحركات احتجاجية متفرقة، في ظل جدل واسع حول ملف الهجرة غير النظامية، ونفي رسمي متكرر لوجود أي توجه نحو توطين المهاجرين داخل ليبيا.
تحذيرات أممية
وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية ونشر المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرة من أن ذلك قد يؤدي إلى تأجيج التوترات والتمييز والعنف.
ودعت البعثة إلى التحقق من المعلومات من مصادر رسمية، والتصدي لخطاب التحريض والكراهية بما يتماشى مع القانون الليبي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وفي السياق ذاته، أدانت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا حملات التحريض ضد المهاجرين والمقيمين الأجانب، مطالبة بملاحقة المتورطين في نشر معلومات كاذبة أو التحريض على العنف، ومشددة على ضرورة حماية المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية، إلى جانب تعزيز الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

إفادات ليبية
يرى الكاتب والصحفي الليبي مالك المانع، المدير التنفيذي السابق لقناة الشروق الليبية، والكاتب المتخصص في الشأن الدولي بصحيفة “فسانيا” الأسبوعية، أن ما يجري في ليبيا حالياً لا يمكن اختزاله في كونه موجهاً ضد السودانيين حصراً، بل يأتي ضمن سياق أوسع لإعادة تنظيم ملف الهجرة والوجود الأجنبي غير النظامي داخل البلاد.
وأوضح المانع، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن الإجراءات الجارية تندرج ضمن توجه ليبي متصاعد لإعادة ضبط ملف الهجرة، مشيراً إلى أن السودانيين، رغم ذلك، يمثلون إحدى أكبر الفئات الوافدة إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، وهو ما جعلهم الأكثر تأثراً بشكل مباشر بهذه السياسات والإجراءات الأمنية والتنظيمية.
وشدد على ضرورة التمييز بين اللاجئين الفارين من النزاعات المسلحة، خصوصاً القادمين من السودان، وبين المهاجرين غير النظاميين من جنسيات إفريقية أخرى، معتبراً أن الخلط بين الفئتين يعد أحد أبرز الإشكاليات في النقاش العام داخل ليبيا خلال المرحلة الراهنة.
وفي ما يتعلق ببطاقة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أشار المانع إلى أن الجدل الدائر حولها يعكس حالة من القلق وعدم اليقين القانوني لدى العديد من السودانيين المقيمين في ليبيا، لافتاً إلى أن السلطات الليبية لا تعتبر هذه البطاقة وثيقة هوية معترفاً بها داخل البلاد، ولا تمنح وضعاً قانونياً محلياً مستقلاً، رغم أنها تظل لدى المفوضية دليلاً على تسجيل حاملها كطالب حماية دولية.
وأضاف أن استمرار هذا التباين بين المرجعيات القانونية المحلية والدولية ينعكس بشكل مباشر على وضع اللاجئين، ويزيد من حالة التوتر وعدم الاستقرار النفسي والقانوني داخل أوساط الجاليات الوافدة، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من السودانيين مثل الكفرة وبنغازي وطبرق.
وفي المقابل، دعا المانع إلى الحذر من التوسع في الحديث عن انتهاكات واسعة النطاق دون الاستناد إلى تقارير موثوقة ومستقلة، مؤكداً أن المشهد في ليبيا أكثر تعقيداً من اختزاله في كونه حملة تستهدف السودانيين، وأنه مرتبط باعتبارات أمنية وسياسية تتعلق بإدارة ملف الهجرة ككل.
وأشار إلى أن ما يجري يرتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها الزيادة الكبيرة في أعداد الوافدين إلى ليبيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب في السودان، إلى جانب تصاعد الجدل الداخلي حول قضايا التوازن الديموغرافي ورفض أي تصورات تُفهم محلياً على أنها تمهّد لتوطين المهاجرين بشكل دائم داخل البلاد.
كما لفت إلى البعد الأمني في هذه التطورات، موضحاً أن السلطات تسعى إلى تشديد الرقابة على الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، في إطار إعادة صياغة أوسع لسياسة الدولة تجاه هذا الملف.
واختتم المانع حديثه بالتأكيد على أن ما يجري يمثل تشدداً عاماً في ملف الهجرة واللجوء، ستكون له انعكاسات مباشرة على اللاجئين السودانيين بحكم حجم وجودهم داخل ليبيا، معرباً عن أمله في أن تمر هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من التداعيات الإنسانية، ودون أن يتعرض اللاجئون لأي انتهاكات جسيمة.

بيان نقابي
أعربت نقابة الصحفيين السودانيين عن قلق بالغ إزاء أوضاع الصحفيين السودانيين في ليبيا مستندةً إلى مناشدات وشهادات مباشرة تلقّتها خلال الأيام الأخيرة، كشفت عن تعرضهم لمضايقات متزايدة وممارسات تمييزية وتهديدات تمس أمنهم الشخصي وسلامة أسرهم. ومن بين هذه الشهادات إفادة أحد الصحفيين العاملين في مؤسسة إعلامية سودانية، أكد فيها تعرضه وأسرته لمعاملة مهينة وتهديدات مباشرة اضطرته إلى مغادرة منطقة إقامته بشكل عاجل خوفاً على سلامة أطفاله.
وطالبت النقابة المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان بالتحرك العاجل لإجراء تقييم مستقل لأوضاع الصحفيين السودانيين في ليبيا، وتوفير آليات حماية عاجلة لهم ولأسرهم، والنظر في خيارات الإجلاء الإنساني أو النقل الآمن للحالات الحرجة، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني والإنساني والنفسي للمتضررين.
كما ناشدت السلطات الليبية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة الصحفيين السودانيين وأسرهم، والتعامل مع أوضاعهم وفق المبادئ الإنسانية والالتزامات القانونية الدولية، مؤكدةً تقديرها للعلاقات التاريخية التي تجمع الشعبين السوداني والليبي، ومعربةً عن أملها في أن تقف جميع الجهات الرسمية والمدنية في ليبيا إلى جانب السودانيين المتضررين من الحرب في هذه الظروف الإنسانية القاسية.
![]()
مواقف سياسية ليبية
تتداخل المواقف السياسية والرسمية في ليبيا عند رفض أي توجهات أو ترتيبات يُنظر إليها على أنها تمهّد لتوطين المهاجرين داخل البلاد حيث برز هذا الخطاب خلال الأيام الأخيرة في تصريحات وبيانات صادرة عن جهات تشريعية وتنفيذية، إلى جانب حراكات شعبية في عدد من المدن.
فقد شدد مجلس النواب الليبي في مواقف سابقة على رفض ما وصفه بأي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التوطين أو إعادة التوطين، معتبراً أن هذا الملف يمس السيادة الوطنية والتركيبة السكانية للبلاد.
وفي السياق ذاته، أكدت الحكومة الليبية أن ليبيا ليست بلد توطين أو استقرار دائم للمهاجرين، وأن التعاطي مع ملف الهجرة يجب أن يظل محصوراً في إطار الضبط الأمني وتنظيم الوجود الأجنبي وفق القوانين المعمول بها.
كما دعا وزير الداخلية في الحكومة الليبية إلى تشديد إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية، واعتبار التصدي لظاهرة التوطين ومنع ترسخ الوجود غير القانوني للمهاجرين من أولويات العمل الأمني خلال المرحلة الراهنة.
وبالتوازي مع ذلك، تصاعدت مواقف الحراكات الشعبية في عدد من المدن، والتي ربطت بين ملف الهجرة ومخاوف تتعلق بالسيادة الديموغرافية والضغط على الخدمات العامة، في ظل تأكيدها على ضرورة تطبيق القوانين المنظمة للوجود الأجنبي دون استثناءات.
ويعكس هذا التداخل بين الخطاب الرسمي والحراك الشعبي اتجاهاً عاماً داخل المشهد الليبي نحو مزيد من التشدد في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، في وقت تتزايد فيه انعكاسات ذلك على أوضاع الجاليات المقيمة، وفي مقدمتها اللاجئون السودانيون.





