مابين المشروع الوطني والحوار… نقطة ضوء تلوح في الافق

غاندي معتصم: ثورة ديسمبر ادخلت “النادي السياسي التقليدي” غرفة الإنعاش

المستشار القانوني احمد موسى عمر : السودان يمر بمرحلة بالغة التعقيد

القيادي بالحزب الاتحادي خالد الفحل: المزاج السوداني لا يمكن أن تُفرض عليه أجندة خارجية

الخرطوم – طلال اسماعيل

مابين غياب المشروع الوطني السوداني، والدعوة لعقد الحوار السوداني – السوداني، تنتظر البلاد الكثير من التحديات للعبور من الفترة الانتقالية عقب الحرب التي اندلعت منتصف ابريل 2023، ومازالت في دارفور وكردفان.

وما بين الحين والاخر تبرز نقطة ضوء في نفق البلاد، للانتقال من مربع مابعد الحرب إلى وضع لبنات المرحلة القادمة.

في الخرطوم، قال رئيس تيار “الطريق الثالث”، غاندي معتصم، بأنه يوجه دعوة عاجلة وموسعة لكافة القوى السياسية، والمجموعات المجتمعية، ورجالات الإدارة الأهلية، وأقطاب الطرق الصوفية، للمشاركة في ملتقى جامع يُعقد بعد أسبوعين. ويهدف الملتقى إلى وضع الأجندة الأساسية لـ “المشروع الوطني السوداني” وصياغته برؤية تشاركية تتجاوز كافة الانتماءات والولاءات الضيقة لإخراج البلاد من منعطفها الحالي، مشيراً إلى أن التيار أجرى مشاورات مكثفة مع قوى سياسية أبدى بعضها استعداداً تاماً للتخلي عن عباءاتها التقليدية والتأسيس لكيان يقود مرحلة ما بعد الفترة الانتقالية التي تطاولت لسبع سنوات وأضرت بالبلاد.

 

ويؤكد غاندي في حديث مع العودة عقب مؤتمر صحفي :” مشاورتنا قطعت شوطا بعيدا في اطار طرح الفكرة، نحن نريد نضع اجندة المشروع مع بعضنا البعض من دون تدخلات.”

 

غرفة الانعاش

 

وفي تحليل للمشهد السياسي، أكد معتصم أن ثورة 19 ديسمبر مثلت إعلاناً صريحاً لدخول “النادي السياسي التقليدي السوداني غرفة الإنعاش”، حيث لم تُرفع فيها راية حزبية واحدة، إلا أن النخب لم تستوعب هذا المتغير.

 

وانتقد رئيس التيار بشدة طريقة إدارة الفترات الانتقالية وما وصفه بـ “السياسة المبتذلة والتغييب العقلي”، مستنكراً اختطاف شريحة السياسيين لمصطلح “المكون المدني”. وأضاف:”إذا سُئلت عن الأكثر تأثيراً في المجتمع المدني السوداني اليوم، فهم شريحة المزارعين والرعاة، لكنهم مغيبون تماماً، بينما مارست شريحة من السياسيين النخبوية تغييباً عقول الناس لإدارة المرحلة الانتقالية باسم المدنية، رغم أن الثقل الحقيقي والقدرة على تحقيق المصالحات تكمن في المجتمع الأهلي.”

 

عجز التحالفات الحزبية والاستقطاب الخارجي

 

وعزا معتصم انسداد الأفق الحالي إلى اعتماد الأحزاب على “التحالفات الهشة” القائمة على المحاصصة وتوزيع المقاعد بعباءات أيديولوجية مختلفة (رأسمالية واشتراكية) دون التوافق على “خطة عملية مشتركة لإدارة الدولة”. وأشار إلى أن هذا العجز جعل الأحزاب تتباين في ولائاتها وتتوزع في علاقاتها بين محاور إقليمية ودولية (مثل مصر وإثيوبيا)، بدلاً من مناقشة المصالح والمكاسب الاستراتيجية من داخل السودان ول مصلحة شعبه.

 

كما انتقد غياب المؤسسية داخل الحزب الواحد، قائلاً: “إذا جلست مع ثلاثة أو أربعة من قيادات الحزب الواحد وسألتهم سؤالاً واحداً، فستجد إجابات متناقضة، مما يعكس غياب الرؤية الموحدة”. واستدل تاريخياً بالانقلاب على دستور 2005 المتوافق عليه وإنتاج “الوثيقة الدستورية” التي أدخلت البلاد في هذا المنعطف الخطير.

 

السودان على “قائمة الطعام” الدولية

 

وحذر رئيس تيار “الطريق الثالث” من خطورة الأوضاع الدولية الحالية، موضحاً أن العالم يمر بتحول اقتصادي ضخم ينتقل فيه من “اقتصاديات النفط” إلى “اقتصاديات الغذاء” بسبب الاستهلاك المفرط للموارد، وانحسار المياه، وإنهاك الأراضي الزراعية بالأسمدة في الدول المجاورة.

 

وبالنظر إلى وفرة المياه والأراضي الخصبة في السودان، اعتبر معتصم أن “التكالب الدولي” الراهن على البلاد منطقي ومبرر، محذراً من محاولات تزييف وعي الشعب بتبرير الحرب بعيداً عن هذا الحراك الدولي. واستشهد بحديث رئيس الوزراء الكندي في مؤتمر “دافوس” الأخير حين قال: “إذا لم تكن على مائدة التفاوض، فستكون موجوداً على قائمة الطعام”. وأكد معتصم: “السودان والآن، وبسبب عجز نخبته عن صناعة مبادرة، يقع بالكامل على قائمة الطعام الدولية ويواجه خطر التفتيت والانهيار الكامل”.

 

فرية التهميش

وفي سياق متصل، فكك معتصم خطاب “التهميش” الرائج، معتبراً إياه نتاجاً لفشل وفشل النخب السياسية التي تعجز عن إدارة الموارد فتحول الصراع إلى صراع محاصصات وقسمة سلطة. وتساءل مستنكراً: “هل يعتقد أحد أن إقليم دارفور بكل ثرواته وصراعاته هو إقليم مهمش؟ الحقيقة هي وجود عجز في المعارف الإدارية والقانونية والاقتصادية والدولية لدى السياسيين لإدارة هذه الموارد”.

 

كما هاجم المنظومة التعليمية التي وضعتها النخب، واصفاً إياها بـ “غير الأخلاقية” كونها تعيش على ضرائب المواطن دون تقديم حلول لواقع حياته، قائلا :” الطالب السوداني يدرس من الابتدائية حتى الشهادة السودانية دون أن يتعلم شيئاً عن الزراعة أو الثروة الحيوانية، وهما عماد الاقتصاد المجتمعي، 80% من الطلاب الممتحنين للشهادة السودانية ينتهي بهم المطاف في الشارع دون تزويدهم بمتطلبات العيش الكريم، بينما تستوعب الجامعات 20% فقط، هنالك غياب تام للمشاريع الاستراتيجية كالأسماك والزراعة رغم أن نهر النيل يقطع البلاد من أولها إلى آخرها”.

 

البديل الشاب

 

ولفت معتصم إلى أن الدولة السودانية وصلت إلى مؤشرات انهيار حقيقية وعجز كامل عن توفير القدر اليسير من “عطية الدولة”، حيث تعجز اليوم عن دفع مرتبات رجال الأمن لحماية المجتمع، أو الإيفاء بمرتبات المعلمين وأساتذة الجامعات لتغطية تكاليف السكن والعلاج والتعليم لأسرهم.

 

واختتم رئيس التيار بالإشارة إلى معطيات تعداد 2008، الذي أوضح أن 75% إلى 80% من سكان السودان هم من الشباب دون سن الأربعين، ما يعني أن السواد الأعظم من الشعب السوداني الحالي لم يشارك في آخر انتخابات جرت عام 1986، وقد عجزت الأحزاب التقليدية عن استقطابهم لافتقارها للبرامج الاقتصادية والسياسية.

 

وجدد معتصم تأكيده أن تيار “الطريق الثالث” (الذي تأسس عام 2006) لا يطرح نفسه وصياً ولا يدعي امتلاك مشروع مكتمل، بل هو مبادر لفتح الطريق ليعود الشعب السوداني إلى “منصة التأسيس الأولى”، داعياً الجميع ليكونوا شركاء ومؤسسين للمشروع الوطني القادم في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ البلاد.

 

وفي شهر ابريل الماضي

 

أطلق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مبادرة سياسية شاملة لإجراء حوار سوداني-سوداني يهدف لإنهاء الصراع، وتحقيق التوافق الوطني تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

 

وتبرز أهم معالم الحوار ومبادرة رئيس الوزراء في النقاط التالية:طبيعة الحوار: عملية سياسية شاملة لا تقصي أحداً، وتضم كافة قطاعات الشعب السوداني والنخب السياسية للوصول إلى توافق حول التحديات الأمنية وآليات الحكم.

 

وفي شهر مايو الماضي، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، اليوم الثلاثاء، أنه يجري الترتيب لإطلاق حوار سياسي شامل يجمع السودانيين، بهدف التوصل إلى توافق وطني حول مستقبل البلاد.

 

وأوضح البرهان أن الحكومة ستعمل على إنجاح هذا الحوار، الذي من المقرر أن يُعقد داخل السودان، بمشاركة واسعة من مختلف الأطراف.

 

كما قال إن حكومة السودان ستقدم الدعوة لقوى وطنية لم تتلطخ بدماء الشعب.

 

 

وأكد القائد العام للقوات المسلحة أن “الخرطوم لن تقبل بنتائج مؤتمرات الحوار التي تُجري خارج السودان

احمد موسى للعودة: السودان يمر بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد

 

ومن جانبه قال المستشار القانوني والخبير القانوني الاستاذ احمد موسى عمر للعودة إن السودان يمر بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد والحساسية، تُقرر بشكل حاسم مسألة بقاء الدولة السودانية أو زوالها.

 

وأوضح أن مرحلة ما بعد 15 أبريل شهدت تحولاً جوهرياً في العلاقات الوطنية بين مختلف مكونات العمل الوطني — من قوى سياسية مدنية، وأهلية، ودينية، وحركات مسلحة — حيث تداعت هذه القوى سريعاً للاتفاق والالتفاف حول مشروع كرامة الدولة السودانية، القائم على حتمية الحفاظ على كيان الوطن وإعلاء القيمة الوطنية فوق كل ما دونها. وشدد على ضرورة التمسك بهذا المشروع الوطني كمرتكز أساسي للمرحلة المقبلة.

 

مسارات خارطة الطريق للمشروع الوطني

 

واستعرض الأستاذ أحمد موسى ملامح الخطة التنفيذية المفصلة والمقترحة لتأمين وحدة البلاد والسيادة الوطنية عبر ثلاثة مراحل متتالية:

 

المرحلة الأولى (الحسم العسكري): تحقيق وتأمين ما تبقى من عمليات عسكرية بذات النهج الثابت للحفاظ على الدولة وبسط هيبتها.

 

المرحلة الثانية (التأمين والتحصين): تأمين الدولة عسكرياً من خلال بناء جيش موحد وقومي، بالتوازي مع تشكيل جبهة داخلية متماسكة قادرة على محاربة نذر الفتن الآنية والمستقبلية.

 

المرحلة الثالثة (البناء وضبط القواعد): وضع “خطوط حمراء” وطنية يُتفق عليها بشكل جماعي، ومحاربة ومجابهة أي جهة تحاول تجاوزها بقوة وعنف وصرامة لا تلين، لتأسيس كتلة تاريخية عريضة تستوعب كافة المكونات الحالية.

 

مجابهة التحديات الراهنة: التدخلات والقبلية

 

وفي سياق متصل، دعا الخبير القانوني إلى عدم تجاهل التحديات الجسيمة التي تواجه هذا المشروع، وحدد أبرزها في التدخلات الخارجية: والتي تقف على رأس التحديات وتعمل بشكل دؤوب على بذر الفتن وشق الصف الداخلي.

 

وثانيا : الانفلات السياسي والأمني: الناتج عن صراعات الشد والجذب السياسي، والتكالب على كراسي الحكم بمجرد الشعور ببدايات الاستقرار.

 

وثالثا النزعات الجهوية والقبلية: وضرورة إطفاء روح التعصب عبر تبني نظام حكم فيدرالي حقيقي يقوم على العدالة والمساواة، يتيح لكل إقليم تطوير موارده الذاتية، مع وضع كوابح قانونية ودستورية صارمة تمنع الانزلاق نحو خطابات الانفصال.

 

كما أشار إلى أن العلاج الحقيقي للتحدي القبلي يتطلب معالجة حاسمة للأزمات الداخلية المتعلقة بالصراع على الأراضي والموارد، وضمان التمثيل العادل للأقاليم على المستوى المركزي، مدعوماً بقوانين صارمة وأجهزة تنفيذية قادرة على بسط سيادة القانون ومحاسبة المتفلتين.

 

الشعب هو الحارس والرقيب

 

واختتم المستشار القانوني الأستاذ أحمد موسى عمر تصريحه بالتأكيد على أن التحدي الأكبر والأهم في هذه الملحمة الوطنية هو كيفية إشراك الشعب السوداني في كافة تفاصيل ومراحل بناء هذا المشروع؛ مؤكداً أن المواطن السوداني هو الذي سيكون الحارس الأول والأخير للمشروع، والرقيب الأقوى على سلامة تنفيذه لضمان إقامة سلام مستدام ومستقر.

الفحل: المشروع الوطني خيار استراتيجي

وأكد القيادي بالحزب الاتحادي، الأستاذ خالد الفحل، أن القوى الوطنية السياسية والمجتمعية في السودان متمسكة بـ “المشروع الوطني” كخيار استراتيجي ثابت، مشيراً إلى أن ملامحه تأسست مبكراً منذ مطلع العام 2024 عبر مشاورات بورتسودان التي جمعت كافة الطيف السياسي الداخلي.

 

وأوضح الفحل، خلال حديثه للعودة، أن هذا المشروع قدم رؤية متكاملة خاطبت جميع القضايا الراهنة؛ وفي مقدمتها قضية الحرب، وملف السلام، وإدارة الفترة الانتقالية، وصولاً إلى استكمال هياكل الحكم في البلاد. وأضاف أن هذه الجهود تُوجت بلقاء رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتسليمه مسودة متكاملة، تلتها مشاورات امتدادية مع عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، والدكتور كامل إدريس.

 

إدارة حوار (سوداني – سوداني) بالداخل

 

وشدد الفحل على أن السودان يمتلك الآن إطاراً وطنياً حقيقياً يمثل إرادة كاملة، يمكن الاعتماد عليه لوضع اللبنات الأساسية لإدارة حوار (سوداني – سوداني) خالص داخل البلاد، وفتح الآفاق لتقديم الدعوة لكل من يؤمن بالقضية الوطنية تحت مظلة سيادة الدولة.

 

وعزا الفحل رفض القوى الوطنية للخيارات والمنابر الخارجية إلى الإدراك المسبق بأنها محفوفة بالمخاطر والأجندات الأجنبية. لافتاً إلى أن قوى وصفها بـ “المعادية والباغية” تحاول استغلال بعض المجموعات ورفع شعارات رنانة للهيمنة على المشهد السياسي بمعاونة أطراف إقليمية ودولية.

 

وتابع: “المزاج السوداني لا يمكن أن تُفرض عليه أجندة خارجية، ومن الضروري أن ينعقد هذا الحوار بالتوافق بين المكونات كافة دون إملاءات، كالتي نشهدها حالياً في إثيوبيا وفي عدد من المنابر الخارجية”.

 

رفض قاطع لنزع الشرعية والمساواة بالمليشيا

 

وفي سياق المواقف من المبادرات الدولية، رحب الفحل بالجهود الدولية الصادقة التي تدعم عملية السلام، شريطة أن تقتصر على “تسهيل” العملية السياسية بداخل السودان. وفي المقابل، جدد الرفض القاطع لأي مساعٍ تهدف إلى المساومة أو المساواة بين الجيش الوطني والقوات المسلحة من جهة، وبين مليشيا الدعم السريع المتمردة من جهة أخرى.

 

كما أعرب عن رفضه التام للرؤى المطروحة حالياً في بعض الأوساط والتي تحاول المساواة بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة، ولا تقر بشرعية المؤسسات القائمة، مؤكداً أن هذه المخاطر تجعل من غير الممكن التعاطي مع تلك الجهود الخارجية، مع التركيز الدائم على الحلول الوطنية الصادقة.

 

إرادة وطنية لاستيعاب العائدين

 

واختتم الفحل حديثه بالإشارة إلى النموذج السلوكي للمؤسسة العسكرية، مستشهداً بنجاح القوات المسلحة في فتح أبوابها لعدد من القادة الميدانيين الذين انشقوا عن ضفة المليشيا وعادوا إلى حضن الدولة، حيث يقاتلون الآن في الخطوط الأمامية.

 

وأكد أن القوى المدنية تمتلك بدورها ذات الإرادة لفتح الأبواب أمام الراغبين في الانضمام إلى الصف الوطني، على أن يكون ذلك في إطار الأجندة والثوابت الوطنية التي تحظر وتمنع بشكل قاطع أي مساس بسيادة الدولة أو مؤسساتها القومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى