أزمة الوقود والكهرباء.. “بلاغ ضد مجهول”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وتستطيع الذاكرة السودانية أن تعود إلى أيام مواجهات الشارع مع النظام، ووقتها كان المتحدث هو “الرصاص” في مواجهة هتاف “سلمية سلمية”، ومع ذلك سقط المئات من الشهداء، سُجلت أسماؤهم في سجل التاريخ، بينما لم تعرف السجلات الرسمية “بلاغات” ومتهمين وتحقيقات تجيب على سؤال ظل يحير الشارع السوداني لسنين حول: من يطلق الرصاص؟
وعلى الرغم من ارتفاع حالات القتلى واحتشاد ثلاجات المشارح بالجثامين، إلا أن دفتر “البلاغات” الرسمي في الغالب لم يكن يسجل حتى أسماء لمتهمين، ناهيك عن سجل مدانين يطالهم حكم القصاص لتلك الأرواح المهدرة.
تحقيقات تتم على عجل، و”المجهول” هو المتهم الرئيسي الذي يطلق الرصاص على المتظاهرين، وهو الذي يقود المركبات التي تدهس المتظاهرين، وهو القناص الذي يختار بعناية مكان الإصابة المميتة، وهو الذي يستخدم القوة المفرطة، وهو كذلك الذي ينجو دائماً بفعلته من العقاب.
“البلاغ ضد مجهول” هو أكثر أنواع البلاغات التي دُوِّنت في سجلات الأقسام السودانية، وفيها ضاعت حقوق وأرواح، ويظل “المجهول” هو طوق النجاة الذي تعفي به السلطات نفسها من المسؤولية، وتتم به استعجال الدفن وتلقي العزاء.
بلاغ ضد مجهول هي لغة الكتابة الجنائية بحسب التوصيف القانوني، وتوصيف “الطرف الثالث” هو استلاف اللغة السياسية للتبرير والتنصل من تحمل أي مسؤولية، سواء كانت جنائية أو تقصيراً في المسؤوليات.
مؤخراً وجد المسؤولون ضالتهم في متهم جاهز وهو “الحرب”، وصار كل شيء يتم تعليقه عليها، ولم يعد أي مسؤول يحمل هم التقصير في مسؤولياته؛ فانقطاع المياه وعدم تشغيل محطات المياه سببه الحرب، وانقطاع التيار الكهربائي بسبب الحرب، وتضرر البنية التحتية أثناءها، وكل “بغلة” عثرت في السودان سببها الحرب ولا شيء غيرها، مع العلم بأن حال الخدمات لم يستجد عليه جديد عما كانت عليه الأوضاع قبل الحرب.
الآن “ترند” الأزمات هو “الوقود” و”الكهرباء”، ولم يعد بالإمكان التستر رسمياً على حقيقة أن هنالك أزمات في موضوع الوقود والكهرباء من حيث الوفرة، ومن حيث استقرار الخدمة وتكلفتها، وكانت “نجومية” التصريحات الرسمية لوزير الطاقة، وهو مع كل اختناق في مسألة الوقود كان يظهر بتصريح يوحي للمواطنين بأن الاقتصاد السوداني يؤثر ويتأثر بالاقتصاد العالمي، وأنه لو اندلعت حرب في أي “زقاق” في أمريكا اللاتينية فإن ذلك يبرر شح الوقود ومشتقات البترول في سهل البطانة.
القرار الأخير لمجلس الوزراء بالدخول في سوق استيراد المشتقات البترولية لم يسمِّ متهمين بالتسبب في هذه الأزمة، إلا أن المنطق الذي تخرج به مثل هذه القرارات بالأساس قائم على فكرة تجريم “مجهولين” لا تريد الحكومة أن تسميهم، أو في الحقيقة هي لا تريد الاعتراف بأنها فشلت في إدارة الملف، وتسيطر عليها فكرة “المؤامرة”، ويسهل عليها أن تعلق على مشجبها كل شيء.
(*) الاقتصاد تحت الحراسة الأمنية..
أبسط قواعد قانون “الإثبات” تتطلب “البينات” والأدلة طالما أن هنالك اتهاماً وجريمة، وبالتالي لم تعد فكرة القيد ضد “مجهول” أو “الطرف الثالث” أو تلك الجرائم التي يشار فيها للمتهمين بأعداء الدين والوطن والعملاء وغيرها من الأوصاف المفتوحة، تحمل أي أثر قانوني.
الإجراءات الأمنية التي ظلت تمثل “عظم” ردة الفعل الحكومية كلما داهمت الأزمات الاقتصاد السوداني، كان من الواجب أن تكون هي إجراءات مساعدة وليست أصيلة في الحلول، واستخدامها بشكل منفصل عن السياسات والمناهج طويلة الأجل في الحلول يفاقم الأزمات.
صبر المواطنين وتحملهم لكل الأزمات التي لم يخرجوا منها يوماً، بحرب أو بدونها، عند الحكومة يجب أن يكون الخيال فيها مفتوحاً على آخره، وليس هنالك اتساع أكبر من فكرة الطرف المجهول وغير المسمى في مضابط رسمية، فالشعب السوداني لم يشاهد حتى الآن “المجهول” معلقاً على حبل المشنقة، ولم يسمع بأن “الطرف الثالث” قد اقتيد إلى أقسام الشرطة مخفوراً بجملة اتهامات موجهة إليه.
ولأننا نأخذ التصريحات الحكومية على محمل الجد، فإن الأزمة المستفحلة مؤخراً في مسألتي الوقود والكهرباء ترجع بالأساس إلى مخربين ومجرمين وأصحاب مصلحة في هذه الأزمة وإظهار الأداء الحكومي بمظهر التقصير، وأن عيون الدولة مفتوحة لهؤلاء.
المشكلة الآن ليست في تصديق هذا التبرير، بل إن المشكلة الحقيقية أننا نمتلك “كوم” تصريحات لمسؤولين حكوميين تفننوا في صياغة التبريرات في موضوعي الوقود والكهرباء، لم يكن من بينها متهم اسمه “المجهول” أو “الطرف الثالث”.
من الممكن والوارد جداً أن تكون الأزمات الحالية التي يدفع كلفتها الشعب السوداني بسبب “نشاط إجرامي”، لأن الأوضاع الحالية تمثل بيئة مثالية للإجرام والمتاجرة بأزمات الشعب السوداني، ولكن في ذات الوقت كنا نريد توصيفات أكثر دقة من التوصيفات المفتوحة التي لا تقدم متهماً للتحقيق.
في ما يخص الكهرباء على وجه الخصوص، كانت أعذار كالتي خرج بها المسؤولون في هذا القطاع مقدمة للزيادة في فاتورتها، وتبريراً لتعويض الفاقد في التوليد والصيانة، والآن مع ذكر مبررات أخرى غير تلك المذكورة في التصريحات، فإننا أمام حقيقة لا يجوز التغافل عنها، تقول بأن المسؤولين إما أنهم قد تستروا على المخربين و”أعداء الشعب السوداني”، أو أنهم لم يتحروا الصدق في حديثهم للشعب السوداني، ونصبح الآن في رحلة بحث عن متهمين جدد.
على الحكومة أن تعلم بأن وجود المخربين والمجرمين لا يعفيها من مسؤوليتها في تحمل مسؤولياتها.
منهج الدولة “مختل” في التعامل مع الأزمات، لأن الثابت هو أن الحكومة ظلت تنتظر تكرار الأزمات ثم تبدأ رحلة البحث عن الحلول، ولا تعجز في إيجاد “شماعة” تعلق عليها الفشل المستمر في مسائل أصبحت عبئاً على الشعب السوداني، ولم يعد بالإمكان الصبر عليها.
وصفة “الصبر” المكتوبة للشعب السوداني لم تعد صالحة للصرف بعد الحال الذي أوصلتهم إليه الحرب، والامتنان عليه بكل ما حدث أثناء الحرب هو بالأساس يحتاج إلى طاقة صبر إضافية لتجاوزه، والأزمات “تتناسل” يوماً بعد يوم في ظل عجز حكومي يتستر بإحالة الأمر إلى مجهولين.



