التحكيم فاشل

مبنى و معنى
بقلم/ عثمان الشيخ الأُسيد
أدخلتُ يُوسُفَ في مطارحةٍ مع فِطَحْلين من فطالحةِ الشعرِ الجاهلي: عبيدٌ الأبرص وامرؤ القيس، فقد جرت بينهما مطارحةٌ في شكل ألغاز، طلبتُ من يوسفَ أن يجاوبَ قبلَ امرؤِ القيس وبنفسِ القافية، فقبل هذا التحدي، ولا أدري على أي أساسٍ قبله، فانا أعرف انَّ علاقة يُوسُفِ بالشعرِ كعلاقة الأطرش في الزفة بصخبها، على كل حال سوف نرى ماذا قال يوسفُ، وكيف كان ردُه على ألغازِ عبيدٍ الأبرص، ثم كيف كان رد امرؤ القيس؟ قال عبيدٌ الأبرصُ لا مريء القيس ملغزا له:
ما حيّةٌ ميتةٌ قامت بميِتتِها
درداءُ ما أنبتتْ سناً وأضراسا؟
قال يوسف: دعني أولا أفهم ماذا يعني عبيدٌ الأبرص، ثم بعد ذلك أرد عليه بنفس القافية. وبعد أن فهمَ المعنى، قال يوسفُ:
هي المعادنُ تخرجُ من الأرضِ
حديدًا و ذهبًا ونحاسا..
قلت له: خطأ، قال امرؤُ القيس:
تلك الشعيرةُ تُسقى في سنابلها
خرجتْ بعد طول المُكث أكداسا..
قال عبيدٌ الأبرص:
مالسُّودُ والبيضُ والأسماءُ واحدةٌ
لا يستطيعُ لهُنّ النّاسُ تَمسَاسَا؟
أجاب يوسف:
تلك حميرُ الوحشِ في ألوانها
كأنها اختارت البجامةَ لها لباسا..
قلت: خطأ، وقد قال امرؤُ القيس:
تلك السحابُ إذا الرّحمنُ أرسلها
روى بها من مُحول الأرضِ أيْبَاسَا
قال عبيدٌ الأبرص:
ما مُرتجاتٌ على هَولٍ مراكِبُها
يقطعنَ طولَ المدى سَيراً وَإمرَاسَا؟
قال يوسف: ما معنى مرتجاتس؟ قلتُ له: لا أدري، قال: (هل ممكن استعين بصديق)؟ قلتُ له: وهل لك صديقٌ غيري؟ ثم فكر، فقال:
تلك البواخرُ يَمخُرنَ في البحرِ شهورًا
لا يَرَوْنَ فيها جنًا ولا ناسا..
قلت: خطأ، قال امرؤُ القيس:
تِلكَ النّجُومُ إذا حانَتْ مَطالِعُهَا
شبّهتُهَا في سَوَادِ اللّيلِ أقبَاسَا..
قال عبيدٌ بن الأبرص:
ما القَاطِعاتُ لأرضٍ لا أنيس بها
تأتي سِراعاً وما تَرجِعنَ أنْكاسَا؟
قال يوسف:
تلك السياراتُ ذاتُ الدفعِ الرباعيِّ
يَقطعنَ الفيافيَ ولا يقطعنَ أنفاسا..
قلت: خطأ، قال امرؤُ القيس:
تلك الرّياحُ إذا هَبّتْ عَوَاصِفُها
كفى بأذيالهَا للتُّربِ كنّاسَا
فقال عبيدٌ الأبرص:
ما الفَاجِعاتُ جَهَاراً في عَلانِيَةٍ
أشدُّ من فَيْلَقٍ مَملُوءةٍ بَاسَا؟
قال يوسف:
تلك الحرب، تقتلُ الأبرياءَ
عجوزٌ كشَّرتِ النابَ والضرسا
قلت: خطأ، قال امرؤُ القيس:
تِلكَ المَنايَا فَمَا يُبقِينَ مِنْ أحدٍ
يكفِتنَ حمقَى وما يُبقينَ أكيَاسَا
قال عبيدٌ الابرص:
مَا السّابِقَاتُ سِرَاعَ الطَّيرِ في مَهَلٍ
لا تستَكينَ وَلَو ألجَمتَها فَاسَا؟
قال يوسف:
تلك المسيرات يتسللن خلسةً
فتقتل أطفالًا ونساءً واجناسا
قلت: خطأ، قال امرؤُ القيس:
تِلكَ الجِيادُ عليَها القَومُ قد سبحوا
كانوا لهُنّ غَدَاةَ الرَّوْعِ أحلاسَا
فقال عبيدٌ:
مَا القَاطِعَاتُ لأرْضِ الجَوّ في طَلَقٍ
قبل الصّباحِ وَما يَسرِينَ قِرْطَاسَا؟
قال يوسف:
تلك خطوط الطيران يسبَحنَ في الجوِّ
سودانير وتاركو وطيران ناسا..
قلت: خطأ، فقد قال امرؤ القيس:
تِلكَ الأمَانيُّ يَترُكنَ الفَتى مَلِكاً
دونَ السّمَاءِ وَلم تَرْفَعْ لَه رَاسَا
فقال عبيدٌ:
مَا الحاكمُونَ بلا سَمْعٍ وَلا بَصَرٍ
ولا لِسَانٍ فَصِيحٍ يُعْجِبُ النّاسَا؟
قال يوسف: دعنا من السياسةِ والساسةِ
والصمت عنهم حكمة وكياسا. قلت: قال امرؤُ القيس: تِلكَ الموَازِينُ وَالرّحْمَنُ أنْزَلهَا ربُّ البَرِيّةِ بَينَ النّاسِ مِقيَاسَا..
ثم سألني يوسف: ما رأيُك؟ قلت له: يوسفُ- أيها الصديق- إن قلتُ لك الحقيقةَ، سوف أُغضبُك، وإن كذبتُ عليك، فسوف أُغضبُ اللهَ. و لكن يكفي شرفًا أنك نافستَ امرؤَ القيس، قال يوسف: أنت كنتَ صريحًا معي، ولا بد ان أكونَ صريحًا معك، قلت له: قل ما شئت، قال: التحكيمُ كان فاشلًا..
كان هذا يوسفُ وأنا، فابقوا معنا إن كان في العمرِ بقية،،
والله أعلى وأعلم ..



