المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أربعة أشهر هزّت العالم

بين ضربات فبراير و اتفاق سويسرا المزمع.. كيف أعادت الحرب الأمريكية الإيرانية رسم خارطة الشرق الأوسط؟
في 28 فبراير 2026 أشعلت ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة فتيل حرب لم يشهد الشرق الأوسط لها مثيلاً منذ عقود. أربعة أشهر من القصف والصواريخ وإغلاق المضائق وانهيار أسواق النفط، انتهت في 15 يونيو 2026 بإعلان رئيس وزراء باكستان شهباز شريف التوصل إلى اتفاق سلام شامل، يُوقَّع رسمياً في جنيف يوم 19 يونيو. و لأنني تابعت هذا العدوان الامريكي على ايران منذ الوهلة الأولى كان حريٌ بي أن أختم سلسلة مقالاتي عن مسار الحرب بتحليل بنود الاتفاق، لمعرفة الرابحين والخاسرين في هذا المشهد الذي لم يتبدد ضبابه بعد.
لم يكن العالم يتوقع أن يستهل العام 2026 صفحاته على هذا النحو الدموي. في الثامن والعشرين من فبراير، انطلقت موجة من الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة نحو المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، في عملية وُصفت بأنها الأكثر جرأة في تاريخ المنطقة. اعتقد العالم أن الهدف المعلَن هو تدمير البنية التحتية النووية، و لكن و بكل بجاحة و عجرفة قوى الاستبداد صرحت أمريكا أن هدفها هو تغيير النظام الحاكم في طهران. و في خطوة صادمةً وفي اليوم الأول من الحرب تمت تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي رحمه الله ، فاهتزت معادلة الردع الإقليمية من أساسها، وتسلَّم نجله خلافته في ظروف غير مسبوقة.
غير أن طهران لم تنكسر. ردّت بضربات صاروخية متتالية على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وأشعلت فتيل أزمة اقتصادية عالمية حين أغلقت مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره خُمس النفط والغاز العالمي. بين ليلة وضحاها، تجاوزت أسعار النفط ذروات تاريخية، وارتجف الاقتصاد الأمريكي تحت وطأة تضخم قياسي، فيما وجدت دول الخليج نفسها في قلب عاصفة لم يسبق لها مثيل منذ عاصفة الصحراء.
في خضم الفوضى، برز اسم لم يكن على أحد توقعه وسيطاً في أعقد أزمة دبلوماسية في القرن الحادي والعشرين ، باكستان . فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، تحولت إسلام آباد إلى القناة الاتصالية الوحيدة بين واشنطن وطهران، إذ لا علاقات دبلوماسية رسمية تجمعهما، وتضطلع باكستان تاريخياً بتمثيل المصالح الإيرانية على الأراضي الأمريكية. رئيس الوزراء شهباز شريف أجرى اتصالات مكوكية مضنية، وعقد مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومع المسؤولين الأمريكيين، فيما التقى رئيس الأركان الباكستاني الفيلد مارشال عاصم منير بالرئيس ترامب في البيت الأبيض.
في السابع من أبريل، جاء الإعلان الأول: هدنة أولية لأسبوعين، تفتح إيران بموجبها مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية مقابل وقف أمريكي للضربات. كان ذلك بمثابة فرصة للتنفس، لا سلاماً حقيقياً. لكنه فتح الباب أمام جولات تفاوضية لم تنقطع طوال الأشهر التالية، حتى جاءت ليلة الخامس عشر من يونيو لتعلن ما بدا مستحيلاً: اتفاق سلام شامل بين القوتين.
الاتفاق المُعلَن في جوهره مذكرة تفاهم تعمل على مرحلتين متتاليتين، لا معاهدة سلام نهائية بالمفهوم الكلاسيكي. المرحلة الأولى تمتد ستين يوماً، تتضمن وقفاً فورياً ودائماً لجميع العمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها لبنان، *وفتح مضيق هرمز* دون رسوم مع إزالة إيران للألغام البحرية التي نشرتها فيه. في المقابل، ترفع الولايات المتحدة حصارها عن الموانئ الإيرانية، وتسمح لطهران بتصدير نفطها بحرية، وتُطلق الأموال المجمدة التي طالما كانت ورقة ضغط أمريكية.
أما المرحلة الثانية، المقررة خلال فترة الستين يوماً تلك، فتُخصَّص للمحادثات التقنية التي تُعالج الملفات الخلافية الحقيقية: البرنامج النووي الإيراني واليورانيوم عالي التخصيب، ومنظومة الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي لطهران. هذه بالضبط هي نقاط الضعف في الاتفاق، وهي ما يجعل المحللين يصفون ما جرى بـ” *تأجيل منظَّم للأزمة”* لا بحلها. ترامب نفسه أقرَّ بأنه لا جدول زمنياً بعد للتعامل مع ما أسماه “الغبار النووي”، وأن هذا سيُعالَج في مرحلة لاحقة من الهدوء.
قراءة مشهد الرابحين والخاسرين تستدعي حذراً شديداً، لأن المآلات لن تتضح في أغلبها قبل أشهر بل سنوات. لكن ثمة صورة أولية تتشكَّل. الصين وروسيا هما الرابحان الأوضحان بلا جدال، فبينما استُنزفت الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، عزَّزت بكين حضورها في الأسواق التي انحسر عنها النفوذ الغربي، وورَّثت موسكو انتباهاً دولياً مُنصرفاً عنها نحو أزمة الشرق الأوسط.
أما إيران، فالصورة أكثر تعقيداً مما يبدو عليه الاحتفاء الرسمي. صحيح أن النظام نجا، ورفعت عنه العقوبات، واستعاد أمواله، وحافظ على دوره في هرمز. لكنه دفع ثمناً فادحاً: خسر مرشده، ودُمِّرت بنيته التحتية النووية التي أمضى عقوداً في بنائها، وشهدت مدنه احتجاجات غاضبة ضد وزير خارجيته وهو يتفاوض. أما “حزب الله” ومعادلة المقاومة الإقليمية، فمصيرها يتوقف على ما ستسفر عنه محادثات الستين يوماً.
إسرائيل تبدو في موضع أكثر هشاشة مما أرادت قيادتها الإقرار به. شنّت مع الولايات المتحدة حرباً بهدف تغيير النظام وإنهاء التهديد النووي، فخرجت بعقوبات دولية متزايدة وشريك أمريكي أكثر برودة. وحين ضربت ضاحية بيروت في السابع من يونيو كادت تفجِّر المفاوضات برمتها. ترامب نفسه نقل عنه قوله إن نتنياهو “لا يملك حكماً سليماً”.
من أكثر المسائل التي تستوجب التوازن والإنصاف، *وضع الشعب الإيراني.* ليس الإيرانيون كتلة متجانسة، فمواقفهم من الحرب ومن الاتفاق تتباين تبايناً جوهرياً بحسب المرجعيات الفكرية والمصالح الاقتصادية والانتماءات السياسية. ثمة من يرى في صمود الجمهورية الإسلامية أمام أقوى جيشين في المنطقة لأربعة أشهر انتصاراً وطنياً يستحق الاحتفاء، بصرف النظر عن موقفه من النظام. وثمة في الطبقة التجارية من يرحّب برفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي باعتباره بارقة أمل في نهاية نفق طويل.
في المقابل، يرى المعارضون للنظام أن ما جرى لم يغيّر بنية الحكم التي يعتبرونها أصل المشكلة، وأن الشعب دفع من دمه وقوته الاقتصادية ثمن حروب لم يختَرها. أما عامة الناس الذين خبروا القصف والنزوح ونقص الوقود والأدوية، فيحدوهم أمل واحد لا تعقيد فيه ، أن يتوقف كل شيء ويعود الأمان. لا يصح أخلاقياً ولا علمياً اختزال هذه الصور المتعددة في حكم واحد.
هل نستطيع أن نقول أن يوم التاسع عشر من يونيو 2026 في جنيف هو نهاية الفصل، أم هو ربما مجرد نقطة فاصلة في حكاية لن تنتهي هكذا؟ . التوقيع على مذكرة التفاهم لن يُحسم فيها البرنامج النووي، ولا الصواريخ الباليستية، ولا دور الوكلاء الإيرانيين من لبنان إلى العراق إلى اليمن. هذه الملفات الثلاثة هي جوهر الأزمة الحقيقية، وستكون محور محادثات الستين يوماً القادمة التي لا ضمانة بنجاحها.
المنطقة تجلس اليوم على فوهة مشهد بالغ التعقيد. دول الخليج التي تأثرت بالحرب أمنيا و أقتصاديا ، تراقب بقلق بالغ ما ستؤول إليه المحادثات النووية. لبنان الجريح يحبس أنفاسه رهيناً لصياغة تفاصيل بنود الهدنة. وإسرائيل تجد نفسها في موضع مرتبك بين حليف أمريكي أقل التزاماً مما ظنّت، و في الطرف الآخر تدّعي إيران أنها لم تُهزم. والأطراف الغائبة — الشعوب الفلسطينية واللبنانية والإيرانية — تنتظر ما لم يُبحَث ، عنها أو فيها.
في نهاية المطاف، ما جرى في الأشهر الأربعة الماضية يذكّرنا بحقيقة قديمة لا تتغير *الحروب أسهل في الإشعال منها في الإطفاء* ، والسلام الحقيقي لا يُبنى على مذكرات تفاهم مؤقتة، بل على إرادات سياسية صادقة وتسويات هيكلية عميقة لم تتشكّل معالمها بعد. جنيف محطة لا وجهة، وما بعد التوقيع قد يكون أصعب من الحرب ذاتها.



