الخرطوم.. بين “هيبة القانون” و”جدلية العسكرة”

الخطة الأمنية بالخرطوم: رصد وتحليل

خبير عسكري: يجب أن يرى المواطن في الزي العسكري رمزاً للحماية.. لا مصدراً للقلق

 استراتيجية مقترحة لضبط المشهد الأمني في العاصمة

مدير مركز “إنماء” لـ “العودة”: حماية المدنيين “عقيدة تشغيلية” تسبق الاعتبارات العسكرية

——

تقرير: العودة

تتصدر الأوضاع الأمنية في العاصمة الخرطوم واجهة المشهد العام، في ظل تباين الآراء حول طبيعة التواجد العسكري داخل الفضاءات المدنية، وتأثير ذلك المباشر على استقرار الحياة اليومية للمواطنين. وبينما تشدد السلطات الأمنية في تحركاتها الأخيرة على ضرورة الحزم لضبط الشارع العام وملاحقة كافة المظاهر غير القانونية، يطرح مراقبون ومختصون في الشأن الاستراتيجي تساؤلات جوهرية حول آليات الانتقال من التدابير الميدانية المؤقتة إلى نموذج الاستقرار المؤسسي المستدام. يسلط هذا التقرير الضوء على التحركات الأمنية الأخيرة التي شهدتها الولاية، ويستعرض في الوقت ذاته رؤى متنوعة حول كيفية الموازنة الدقيقة بين متطلبات الأمن الوطني الملحة واستحقاقات عودة الحياة المدنية إلى طبيعتها، وذلك في إطار سعي الدولة المستمر لفرض سيادة القانون وحماية أمن وسلامة المواطنين. إن هذه القضية تفرض نفسها كأولوية وطنية تتطلب قراءة فاحصة للأدوار الأمنية المتداخلة، وتدعو إلى استشراف مسارات مستقبلية تضمن حصر السلاح في يد مؤسسات الدولة الرسمية، وتنهي حالة التداخل الإداري والميداني، بما يعزز ثقة المواطن في المنظومة الأمنية وقدرتها على صون مكتسبات البلاد، بعيداً عن أي ممارسات قد تعيق مسيرة الإعمار.

 

مطالب شعبية

 

وفي سياق التحركات الميدانية، شهدت ولاية الخرطوم حملات تفتيش واسعة النطاق نفذتها الشرطة العسكرية والقوات المختصة، وذلك عقب تداول مقطع فيديو يوثق اعتداءً على أحد المواطنين في “شارع الوادي” بأم درمان، وهي الحادثة التي دفعت باتجاه مطالبات شعبية واسعة بفرض هيبة الدولة. وفي مؤشر على جدية التعامل مع التجاوزات، كشف الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، العميد فتح الرحمن محمد، عن تمكن الأجهزة الأمنية من ضبط أكثر من 700 شخص ينتحلون صفة القوات النظامية، مؤكداً في تصريحات صحفية أن القيادة الأمنية تجري اجتماعات مكثفة مع قادة التشكيلات العسكرية؛ لضمان الالتزام بقرارات إخلاء العاصمة من المظاهر العسكرية غير المصرح بها.

وأفادت مصادر محلية للعودة بأن هذه الحملات أسفرت بالفعل عن اختفاء ملحوظ لأصحاب المظاهر العسكرية غير المنضبطة، مما لاقى ترحيباً شعبياً واسعاً بانتظار استمرارية هذه الإجراءات.

مرحلة مفصلية

 

بالتوازي مع ذلك دق مدير مركز “إنماء” للدراسات الاستراتيجية الدكتور إسماعيل الناير، ، ناقوس الخطر بشأن الأوضاع الأمنية في العاصمة الخرطوم، محذراً من أن تكرار حوادث الاعتداءات والانتهاكات التي تطال المدنيين، واستمرار المظاهر المسلحة داخل الأحياء، يمثلان تهديداً استراتيجياً يتجاوز تداعيات الوقائع الفردية، ويؤثر بشكل مباشر على العلاقة الحساسة بين المواطن والمؤسسة العسكرية.

وفي تصريح خاص لـ “العودة”، أكد د. الناير أن الخرطوم تعيش مرحلة مفصلية تتطلب الانتقال من “عقيدة الحرب” إلى “عقيدة حفظ الأمن المدني”، مشدداً على أن أي تجاوزات أمنية هي مؤشر على وجود خلل في حلقات المنظومة الأمنية، يستوجب مراجعة جذرية لبرامج التأهيل والانضباط والمتابعة الميدانية.

 

الحملات الميدانية.. ضرورة لا تكفي

 

وفي تعليقه على الحملات التفتيشية التي نفذتها الشرطة العسكرية مؤخراً لضبط الانفلات، أشاد الناير بهذه الخطوات واصفاً إياها بأنها “مؤشر إيجابي على استشعار الخطر”، لكنه استدرك قائلاً: “الحملات الميدانية وحدها لا تكفي ما لم تكن جزءاً من استراتيجية مؤسسية متكاملة. فالإجراءات المؤقتة تنجح في احتواء الأزمات مؤقتاً، لكنها لا تعالج الأسباب الهيكلية للانفلات”.

ودعا مدير مركز “إنماء” إلى بناء منظومة رقابية دائمة، وتفعيل المساءلة العسكرية الصارمة مع الإعلان عن نتائج التحقيقات للرأي العام، لضمان استعادة الثقة بين المواطن والجندي، مؤكداً أن “المواطن يجب أن يرى في الزي العسكري رمزاً للحماية لا مصدراً للقلق”.

 

خارطة طريق لاستعادة الأمن

وطرح الناير رؤية استراتيجية من ثلاثة محاور لضبط المشهد الأمني في الخرطوم، ترتكز على:

1.الانضباط الصارم: لمنع التجاوزات قبل وقوعها.

2. الشفافية:لمحاسبة المخالفين وضمان العدالة.

3. التواصل المجتمعي: لترميم العلاقة بين القوات النظامية والمجتمع.

 

فصل المهام

 

وشدد الخبير الاستراتيجي على ضرورة إنهاء مظاهر الوجود العسكري غير المصرح به داخل الأحياء، مشدداً على أن”النموذج الأمني الأمثل يقوم على مبدأ واضح: الجيش لمهامه الاستراتيجية، والشرطة لمهام الأمن المدني وحفظ النظام العام.

ودعا الناير في ختام حديثه إلى ضرورة تقليص الوجود العسكري المباشر داخل الفضاء المدني تدريجياً، مع تعزيز دور المؤسسات الشرطية والقضائية، ودمج التقنيات الحديثة في العمل الأمني، لضمان بناء بيئة مستقرة تليق بتضحيات القوات المسلحة وتطلعات المواطنين في عودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة.

 

نحو استقرار مستدام

 

​إن التحديات الأمنية التي تشهدها الخرطوم ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على العبور بالعاصمة من مرحلة “التأمين الميداني” إلى “الاستقرار المؤسسي”. إن نجاح حملات الضبط والرقابة الحالية يمثل خطوة أولى ضرورية، لكنها تظل مرهونة بمدى الالتزام باستراتيجية شاملة تضع سيادة القانون فوق أي اعتبارات أخرى.

 

حق الرد

 

في إطار التزام صحيفة “العودة” بمهنيتها المعهودة وتطبيقاً لمبدأ حق الرد، تواصلت الصحيفة منذ يوم الاثنين الماضي مع الناطق الرسمي باسم القوات المشتركة، الرائد متوكل على الوكيل، لطرح التساؤلات والشكاوى المثارة من قبل المواطنين حول الأداء الميداني لبعض أفراد القوات في الخرطوم. وعلى الرغم من تلقي الصحيفة وعداً من الرائد متوكل بالرد على هذه الاستفسارات، إلا أنه حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تتلقَّ الصحيفة أي رد رسمي؛ ليبقى حق الرد مكفولاً له وللقوات المشتركة في أي وقت لاحق لتوضيح وجهة نظرهم للرأي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى