سراج الدين  يكتب : كنوز محبة .. كيف نضيع أحلى ما أهديت يا زيدان!!

نقر الأصابع ..

تقريبا يظل زيدان ابراهيم واحدا من قلائل الفنانين في السودان الذين حازوا على حالة نادرة من الاجماع الصامت بين الناس فالرجل لم يكن مجرد صاحب صوت جميل بل كان مشروعا فنيا متكاملا استطاع ان يتسلل الى الوجدان السوداني دون ضجيج مستندا على قدرات ادائية عالية واحساس مرهف وشخصية صوتية متفردة جعلته خارج دائرة المقارنات التقليدية ومع كل عمل جديد كان يؤكد انه فنان يمتلك مفاتيح الوصول المباشر الى القلب

 

وحين يجتمع صوت بهذه المواصفات مع ملحن بقامة بشير عباس تصبح النتيجة عملا استثنائيا فبشير عباس لم يكن مجرد صانع الحان بل كان موسيقيا يمتلك اسرار العود ووعيا عميقا بالعلاقة بين الكلمة والنغمة وقدرة نادرة على تفسير النصوص شعوريا وتحويلها الى لوحات سمعية نابضة بالحياة لذلك جاءت اغنية كنوز محبة نموذجا مثاليا لهذا التلاقي الخلاق بين الصوت واللحن والكلمة

 

نص الدكتور بشير عبدالماجد في كنوز محبة من اجمل النصوص الغنائية التي كتبت في التعبير عن العاطفة الانسانية فهو لا يتحدث عن حب فردي محدود بل يقدم المحبة باعتبارها ملاذا روحيا وكنزا معنويا يلجأ اليه الانسان حين تضيق به الحياة وقد بنى الشاعر نصه على مخاطبة مباشرة تعتمد التكرار الذكي لعبارات (لما تشتاق) و(لما تقسو عليك) ليخلق ايقاعا داخليا يمنح النص انسيابه وتأثيره العاطفي العميق

 

كما تزخر الاغنية بصور شعرية رفيعة مثل (كنوز محبة) و(بحور حنان) و(الشوق بغني) وهي تعبيرات تحمل كثافة دلالية عالية لكن الصورة الاكثر جمالا تبقى في قوله (تلقى فيها الريدة فاردة جناحها تشتاق للربيع) حيث تتحول المحبة الى طائر ينتظر موسم الازهار والحياة بينما تمنح صورة النجوم تلمع بعيد تسخر من السهران وحيد بعدا انسانيا مؤثرا يجسد قسوة الوحدة وعذابات الانتظار

 

عبقرية بشير عباس في هذا العمل تجلت في قدرته على وضع كل كلمة في موضعها اللحني الصحيح فبدت الجمل وكأنها ولدت داخل اللحن نفسه ولم تفرض عليه من الخارج لذلك تفرد زيدان ابراهيم في الاداء واستطاع ان يمنح النص روحه الكاملة فخرجت الاغنية عملا متماسكا لا يقوم جماله على الزخرفة اللفظية او التعقيد الموسيقي بل على الصدق الوجداني والتناغم الكامل بين الشاعر والملحن والمطرب لذلك ظلت كنوز محبة واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الاغنية السودانية.. ويبقى السؤال التراجيدي فى نهاية حينما يكرر زيدان ؛

كيف نضيع أحلى ما أهديت يا غالى ..

وزضع هذه الجملة في نهاية الأغنية يمنحها وظيفة خاصة فهي لا تغلق المعنى بل تفتحه. فبدلا من أن تنتهي الأغنية بإجابة أو موقف حاسم تنتهي بسؤال معلق يبقى يتردد في وجدان المستمع بعد انتهاء الأغنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى