الأبيض في قبضة العطش والظلام

تداعيات إنسانية كارثية وتآكل مقومات الحياة

قصص مواطنين يواجهون الموت في رحلة البحث عن أبسط مقومات البقاء

تدمير 5 محطات وقود كبرى يرفع جالون البنزين إلى 150 ألف جنيه

الجيش يجدد العهد بحماية المدنيين وفتح المسارات

المدينة تعيش حالة من “الظلمة الدامسة” منذ أربعة أيام

العودة – عماد النظيف 

تواجه مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، وضعاً إنسانياً يتسم بالتعقيد المتزايد، وسط تصاعد وتيرة الاستهداف الممنهج للمرافق الحيوية والخدمات الأساسية. فبينما تحاول المدينة الصمود أمام تداعيات الحرب، أدى الاستهداف المباشر للمحطات الخدمية وشبكات الكهرباء والمياه إلى دفع مئات الآلاف من المواطنين نحو نفق من المعاناة المعيشية الصعبة التي تهدد استقرارهم اليومي، وسط صمت دولي وإقليمي مريب تجاه ما يجري في هذه المدينة الاستراتيجية.

وفي ظل هذا المشهد الميداني المعقد، تبرز حاجةٌ ملحة لتقييم الاحتياجات الإنسانية والخدمية للمدينة، والوقوف على طبيعة الصعوبات التي يواجهها السكان يومياً في سبيل تدبير أمور معيشتهم، في ظل غياب بدائل خدمية كافية لتجاوز آثار التدمير الذي طال البنية التحتية والمرافق الاستراتيجية.

 

ظلام دامس وعزلة خدمية خانقة

 

تعيش المدينة منذ أربعة أيام حالة من “الظلمة الدامسة” عقب استهداف دقيق تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء عبر طائرة مسيرة من قبل الدعم السريع ، وهي المحطة التي تُعد الشريان الرئيس لتغذية معظم أحياء المدينة.

لم تكن هذه الحادثة منعزلة، بل جاءت ضمن سلسلة من الهجمات التي طالت مرافق المياه، مما ضاعف من وطأة المعاناة على الأسر التي تجد نفسها اليوم أمام أزمة مزدوجة (انقطاع التيار وتذبذب الإمداد المائي).

 

وفي هذا السياق، يصف المواطن محمد إبراهيم الوضع بالقاتم قائلاً: “المدينة محاصرة والكهرباء منقطعة تماماً، والوقود شبه معدوم، وإن وجد فأسعاره خيالية؛ حيث وصل سعر جالون البنزين إلى 120 ألف جنيه، والجازولين إلى 80 ألف جنيه”. ويضيف بحسرة: “المواطن هنا يعيش في الرمق الأخير، حتى رغيف الخبز بات رفاهية، إذ تباع الخبزة بـ 3 آلاف جنيه، والقطعتان بألف جنيه”.

 

وحول أزمة المياه والمواصلات، يتابع إبراهيم: “المعاناة تمتد لتشمل مياه الشرب، حيث يصل سعر جركانة المياه النقية إلى 5 آلاف جنيه، والمالحة إلى 4 آلاف. أما حركة المواطنين، فقد توقفت تماماً، واضطر الناس للمشي لمسافات طويلة أو الاعتماد على الدواب، وهي وسيلة باتت مهددة بالانقراض مع شح المياه”.

شهادات حية: الموت يتربص بالطرقات

​لا تقتصر معاناة الأبيض على توقف الآلات أو تدمير المنشآت، بل تمتد لتغرس أنيابها في تفاصيل الحياة اليومية لأسرٍ باتت تفاضل بين توفير شربة ماء وبين وجبة طعام. ففي أحياء المدينة التي خيّم عليها الظلام، تحولت ليالي الصيف إلى كابوسٍ من الترقب، حيث تُختصر حياة المواطن في البحث عن “جركانة” مياه في طوابير انتظارٍ تطول، في ظل انعدام أبسط سبل التنقل.

وتؤكد الطالبة الجامعية (س. ع) هذه المأساة، مشيرة إلى نيتها مغادرة المدينة قائلة: “كل شيء في الأبيض أصبح صعباً؛ والمسيرات تستهدف أماكن الوقود بشكل عشوائي ومروع”. وتستشهد بحادثة بالأمس حين ضربت مسيرة شارع الجامعة (جامعة العلوم الصحية فرع الأبيض)، مستهدفة ناقلة صرف صحي ظناً منها أنها ناقلة وقود، مما يعكس حالة الذعر والارتباك التي يعيشها السكان. وتضيف: “الحياة في المدينة أصبحت مخاطرة، والجامعات والمدارس تعمل وسط خوف دائم من غارة مفاجئة”.

تدمير البنية التحتية وأزمة الوقود

في مشهد يعكس حجم الدمار الذي طال البنية التحتية، تعرضت خمس محطات وقود للتدمير الكامل، من بينها محطة “الميثاق-” الكبرى التي كانت تمثل ملتقى حيوياً وسط المدينة. هذا التدمير أدى إلى انعدام شبه تام للمشتقات النفطية؛ حيث يقول محمد صالح، سائق “ركشة” من حي الربع الأول، إن سعر جالون البنزين قفز إلى 150 ألف جنيه، بينما تتراوح جركانة الجازولين بين 280 و300 ألف جنيه، وهو ما يضع الأسر والعمال أمام خيارات البقاء الصعبة، ويؤكد الفجوة الكبيرة بين الأسعار في السوق الموازي والقدرة الشرائية المنهكة للمواطن.

 

صمود السوق وتحديات الطريق القومي

 

على النقيض من أزمات الخدمات، تشهد الأسواق وفرة نسبية في السلع الغذائية رغم ارتفاع أسعارها، مع حالة من الركود نتيجة ضعف القوة الشرائية. ويُعزي التجار ذلك لانسياب السلع عبر الطريق القومي الرابط بين النيل الأبيض والأبيض، والذي تؤمنه القوات المسلحة، في حين تسعى مليشيا الدعم السريع لقطع طرق الإمداد وضرب الجسور الحيوية في “أم روابة” لشل حركة المدينة بالكامل. هذه المحاولات تعكس استراتيجية عسكرية تهدف إلى خنق المدينة اقتصادياً وإجبارها على الرضوخ من خلال تجويع سكانها.

“محامو الطوارئ”: سياسة تجويع ممنهجة

 

حذرت مجموعة “محامو الطوارئ” من التدهور المتسارع، مشيرة إلى أن مناطق واسعة تواجه حصاراً غير معلن.

وأدانت المجموعة قرار المجلس الاستشاري للدعم السريع (15/2024) الصادر في أكتوبر 2024، والذي قضى بمنع مرور الغذاء والمواشي والمعادن إلى مناطق سيطرة الجيش، معتبرة ذلك “حصاراً فعلياً للمدنيين” و”سياسة تجويع” تخرق القانون الدولي الإنساني الذي يحظر تجويع المدنيين كوسيلة للحرب.

 

خارطة السيطرة

 

تتوزع السيطرة الميدانية في الولاية بين الجيش في (الأبيض، أم روابة، والرهد) والدعم السريع في (بارا، سودري، وجبرة الشيخ).

ويعاني المدنيون في القرى والمحليات التي يسيطر عليها الدعم السريع من نقص حاد في الغذاء والدواء، حيث يضطر السكان للمخاطرة بحياتهم للحصول على احتياجاتهم في ظل هجمات المسيرات المستمرة على الطرق والمركبات.

إن هذا الوضع يضع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية للتدخل العاجل لفتح ممرات إنسانية آمنة تنهي معاناة آلاف الأسر المحاصرة بين مطرقة الاستهداف وسندان نقص أبسط مقومات البقاء.

 

مستقبل الأبيض تحت طائلة التجاذبات

​بينما تترقب مدينة الأبيض مآلات المشهد الميداني، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف في هذا النزاع المستمر. إن التدهور المتسارع في الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه ووقود، لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل هو تحول جوهري في نمط الحياة اليومية، يفرض تحديات وجودية تتطلب حلولاً عاجلة لا تحتمل التأجيل.

​إن استمرار الوضع على ما هو عليه، يضع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام اختبار حقيقي لمصداقية الشعارات المتعلقة بحماية المدنيين وتحييد المرافق الخدمية عن الصراع. ومع غياب مؤشرات انفراج قريب في الأفق، تتزايد المخاوف من اتساع الفجوة الإنسانية، مما قد يدفع بموجات جديدة من النزوح القسري، ويحيل المدينة إلى منطقة تفتقر لأبسط مقومات البقاء.

​يبقى الصمود الأسطوري لأهالي الأبيض، الذين يواجهون هذه الظروف بصلابة، هو العنوان الأبرز لهذه المرحلة، في انتظار مبادرات فعلية تضمن تحييد الخدمات عن التجاذبات العسكرية، وتفتح ممرات إنسانية آمنة تنهي حالة الحصار الخدمي، وتضع حداً للمعاناة اليومية التي أنهكت مدينةً كانت، ولا تزال، تمثل القلب النابض لشمال كردفان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى