بين “مطرقة” التمويل و”سندان” المدخلات

الزراعة في السودان..
فصول من سيرة الوجع.. (النيل الأبيض نموذجا)
خبير اقتصادي: السودان يواجه انهياراً بنيوياً في معادلة الأمن الغذائي
تقرير- صديق السيد البشير
(1)
قبيل موعد موسم هطل الأمطار ، لتنهل الأرض من ماء السماء ، لتجدد معها معاناة المشتغلين بالفلاحة ، في بحث مستمر عن معينات تسهم في استزراع الأرض ، لتثمر لاحقًا، قمحا ، وقطنا ، وذرة ، وسمسما ، ووعدا ،وتنمني، في بلد يطلق عليه قبل سنوات “سلة غذاء العالم” ليعاني هو الآخر من إختلالات أمنية واقتصادية، وتراجع في تصدير منتجاته مع فقدان عملته لقيمتها يوما بعد يوم ، ما اسهم قي إرتفاع في تكاليف الإنتاج الزراعي ، لأرض بكر وماء وافر وموارد بشرية مؤهلة.
لكن حال زراعته يغني عن سؤال تراجعه ، ليصبح على شفا جرف هار.
(2)
الزراعة في السودان ، هي “فصول” من “سيرة الوجع ، وجع المزارع من ندرة التمويل والمدخلات ، والتأمين ، والآفات ، والتغيرات المناخية ، وغيرها.
يأتي ذلك مع تأكيدات حكومية إتحادية ، أطلقها وزير الزراعة والري الإتحادي، بروفيسور عصمت قرشي ، في زيارته الأخيرة لولاية النيل الأبيض،
تأكديات تنص على تذليل العقبات التي تعترض العملية الزراعية ، عبر توفير الدعم الفني واللوجستي والتمويل اللازم لإنجاح الموسم الزراعي ورفع كفاءة المشاريع الزراعية ، من أجل تحقيق الأمن الغذائي في السودان ، أمن غذائي ، ربما قد يتحقق بعد سنوات قامة.، ذلك لأن السودان يستند على موارد ضخمة ، تكفي لإعادة الحياة للقطاع الزراعي مرة ، من القاع إلى صدارة الأمم ، اقتصادا ، استثمارا ، وتنمية.

(3)
في قراءة تحليلية ثالثة حول القرار الأمريكي حول السلام في السودان ، سودان ما بعد القرار : من ساحة الحرب إلى بورصة موارد كبرى ، يقسم الخبير الإقتصادى المشارك بمركز الخبراء العرب للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات ، الدكتور محمد عوض محمد متولي، يقسم الخبير في دراسته ، القرار إلى خمس دوائر، منها دائرة ثانية ، تتعلق بالأمن الغذائي العالمي ، ويرى أن السودان يمتلك 70 مليون فدان صالحة للزراعة المطرية ، و 6 ملايين فدان للري الدائم ، مع 115 مليار متر مكعب من مياه النيل ، إلى جانب المياه الجوفية المتجددة ، في عالم يواجه أزمة غذاء ، بسبب أزمة أوكرانيا تغير المناخ.
(4)
ويخلص إلى نتيجة ، مفادها أن السودان “سلة الغذاء البديلة”؛ التي تتصارع عليها الصين ودول الخليج وأوروربا.
فالقرار الأمريكي، ببند “أقطاب النمو الستة” كما أسماها ليست مشروعا تنمويا ، بل هو “مخطط تقسيم زراعي” يفصل الأراضي عالية الخصوبة في القضارف وسنار والنيل الأزرق عن الدولة المركزية ويربطها مباشرة بسلاسل الإمداد العالمية ، عبر موانئ تدار بشراكة دولية ، والهدف هو تحويل السودان إلى “مزرعة عالمية” تنتج القمح والعلف واللحوم للتصدير ، بينما يبقى الشعب السوداني مستوردا للغذاء المصنع ، لذلك اشترط القرار ” تحرير تجارة الأراضي، وضمان حقوق المستثمر الأجنبي لمدة 99 عاما ، ليجمل ذلك في تصريح لصحيفة (العودة) بأن هذا ليس إعمارا بل إعادة هندسة للسيادة الغذائية.
هذا هو حاضر ومستقبل الزراعة في السودان ، أشبه بفصول من سيرة الوجع ، وجع بين “مطرقة” التمويل و “سندان السيادة الغذائية ،
فماذا نحن فاعلون إزاء ذلك ، لنسمع صوت الأرض، لتنتج غذاء للعالم.

(5)
من واقع الزراعة في السودان ، إلى نسخة أخرى في ولاية النيل الأبيض ، والتي يعد قطاعها الزراعي ، ركيزة أساسية للإقتصاد المحلي ، وداعما للأمن الغذائي في السودان ، بفضل موقع جغرافي متميز ، وموارد طبيعية، وثقلا زراعيا مميزا ، يجمع بين النظم المروية والمطرية والفيضية ، ما يسهم في جذب المستثمرين الوطنيين والأجانب على حد سواء.
تمتاز الولاية بمساحات شاسعة من الأراضي السهلية الطينية ، الصالحة هي الأخرى للزراعة ، والمقدرة بملايين الأفدنة ، والواقعة ضمن مناخ السافنا الفقيرة والغنية ، ما يسمح لها بتنوع في التركيبة المحصولية، بين محاصيل حقلية وبستانية ، ونقدية ، مع ثلاثة أنظمة للري.
ورغم الإمكانات الهائلة ، يواجه القطاع الزراعي بالولاية عديد التحديات، مع بداية كل موسم صيفي.
وفق متابعات الصحيفة، فإن الموسم الصيفي ، تواجهه معوقات ، تتجدد كل عام ، وتتمثل في تذبذب معدلات الأمطار في القطاع المطري ، ما يتطلب التوسع في تقنيات حصاد المياه والزراعة الذكية مناخيا ، هذا إلى إرتفاع تكاليف المدخلات الزراعية ، من وقود وأسمدة وتقاوى محسنة ، فضلا عن التمويل الذي يعد أكبر مهددات الموسم بجانب الوقود في الوقت المناسب.
(6)
وفق متابعات الصحيفة ، فإن الموسم الزراعي الصيفي لهذا العام 2026م في السودان عامة ، وفي ولاية النيل الأبيض ، خاصة ، جملة من التحديات المعقدة المتداخلة مع الظروف الأمنية والاقتصادية والمناخية ، رغم الجهود المبذولة محليا لتأمين مدخلات الإنتاج.
لكن زيارة وزير الزراعة والري الاتحادي لولاية النيل الأبيض في الأيام الماضية ، وصفها والي الولاية ، الفريق قمر الدين محمد فضل المولى ، بأنها تكشف واقع الزراعة ، وتدعم الجهود الولائية للنهوض بالمشاريع الزراعية وتحديات النهضة الزراعية.
يأتي ذلك مع تأكيدات المدير العام للبنك الزراعي السوداني ، دكتور صلاح عبدالرحيم ، بشراكة البنك الأصيلة في العملية الإنتاجية ، عبر توفير التمويل اللازم للموسم الصيفي ، من خلال نوافذ التمويل الأصغر والمحفظة الزراعية، مشيرا إلى أن التركيز في الموسم الصيفي على تمويل مدخلات الإنتاج و الطلمبات والتأمين الزراعي لضمان استقرار المزارع وتقليل المخاطر وفق خطط لزيادة السعة التخزينية وصناعة الآليات الزراعية.
خطة زراعية ولائية وإتحادية، قد تسهم في تبديد المخاوف من فشل الموسم الزراعي الصيفي للعام الحالي 2026م

(7)
وفق إحصائيات غير رسمية ، مبذولة ، فإن القطاع المطري (الآلي والتقليدي) يمثل الكتلة الأكبر والنسبة العظمى من المساحات المزروعة في الولاية ، ويعتمد كليا على الأمطار ، مع مساحة تقريبية ، تتراوح بين 2.5 إلى 2.8 مليون فدان ، لمحاصيل تتنوع بين ذرة بواقع
مليون فدان ، وسمسم ، بواقع 800 ألف فدان ، إلى جانب قطاع مروي ، لمساحة أقل مقارنة بالقطاع المطري ، وتتراوح بين 350,000 إلى 500,000 فدان.
وتتكامل العروتين الصيفية والشتوية في المواسم المطرية والزراعية الممتازة، لتتجاوز المساحة المزروعة فعليا في ولاية النيل الأبيض حاجز 3,250,000 فدان ، ما يجعلها واحدة من أهم السلال الغذائية الحيوية في السودان.

(8)
سألنا الخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، الدكتور محمد عوض محمد متولي، عن قراءته الاستراتيجية لواقع الموسم الزراعي الصيفي في السودان عموماً، وفي ولاية النيل الأبيض على وجه الخصوص، باعتبارها تمثل نموذجاً مصغراً لتعقيدات المشهد الزراعي السوداني كله. فأجاب ل (العودة) بأن التشخيص الدقيق يبدأ من إدراك أننا لا نواجه أزمة موسم زراعي تقليدي، بل نواجه انهياراً بنيوياً في معادلة الأمن الغذائي القومي، والنيل الأبيض هي المختبر الذي تتجلى فيه كل أعراض هذا الانهيار وكل فرص النجاة الممكنة.
(9)
قال الدكتور متولي إن ولاية النيل الأبيض تمثل حالة خاصة ذات طبيعة مزدوجة تجمع بين الزراعة المروية والزراعة المطرية، وهي جسر جغرافي وزراعي بين الوسط والجنوب، وهذه الازدواجية التي كان يفترض أن تكون ميزة نسبية تحولت إلى نقطة ضعف قاتلة في ظل غياب السياسات المتكاملة. ففي الجزء الشمالي منها، تمتد مشاريع السكر العملاقة كسكر كنانة وسكر عسلاية وسكر النيل الأبيض، وهي مشاريع مروية من النيل الأبيض وتغطي أكثر من أربعمئة ألف فدان، وكانت تمثل 80% من إنتاج السكر في السودان وتوفر ما يزيد على 350 مليون دولار من العملة الصعبة سنوياً، بالإضافة إلى منتجات ثانوية استراتيجية كالمولاس الذي يدخل في صناعة الأعلاف، والإيثانول الذي يمثل بديلاً للوقود، والعلف الأخضر الذي يغذي قطيعاً يتجاوز مليوني رأس في الولاية. لكن هذه المشاريع اليوم تعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب شح الوقود وتعطل سلاسل توريد قطع الغيار وتوقف الصيانة الدورية، فتحولت من مصدر للعملة الصعبة إلى عبء على الدولة يستنزف ما تبقى من احتياطي النقد الأجنبي لاستيراد السكر. الأخطر أن تعطل هذه المشاريع لا يضرب الأمن الغذائي فقط، بل يضرب الأمن الحيواني مباشرة، فتوقف مصانع العلف التابعة لشركات السكر رفع سعر جوال العلف 400%، مما دفع مربي الماشية إلى بيع القطعان بأسعار متدنية أو تهريبها إلى جنوب السودان، وهذا نزيف مزدوج للثروة القومية.
(10)
وأضاف دكتور متولي أن الجزء الجنوبي والغربي من الولاية يمثل الوجه الآخر للأزمة، حيث تمتد مساحات شاسعة من الزراعة المطرية التقليدية والآلية في محليات الجبلين والسلام وتندلتي، وتزرع الذرة والسمسم والدخن والفول السوداني. ميزة النيل الأبيض المطرية أنها تقع في الحزام المطري المضمون نسبياً بمعدل أمطار يتراوح بين خمسمئة وسبعمئة مليمتر سنوياً، وهي معدلات كافية لإنتاج مليون طن من الذرة وحدها إذا استغلت بكفاءة. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه المنطقة تعاني من ضعف البنية التحتية للطرق بشكل يجعلها معزولة إنتاجياً، فالمحصول ينتج ولا يجد طريقاً للسوق، ويقدر الفاقد في النقل والتخزين بسبعة وثلاثين بالمئة وهو الأعلى في السودان. هذا يعني أن ثلث الجهد والبذرة والمطر يذهب هدراً قبل أن يصل إلى بطن جائع. المشكلة هنا ليست في الأرض ولا في المطر، بل في أن كيلومتر الأسفلت الواحد أصبح أغلى من فدان الذرة.
(11)
وأكد الدكتور محمد عوض متولي
أن التحدي الأخطر في النيل الأبيض ليس فنياً ولا مناخياً، بل اجتماعي أمني بامتياز، ويتمثل في النزاع على الأرض بين الزراعة والرعي، خاصة مع حركة النزوح الكثيفة من الجنوب ومناطق الحرب، ما حول كثيراً من الأراضي الزراعية إلى معسكرات أو مراعي مؤقتة. هذا النزاع يتغذى على فراغ السلطة وغياب الخرائط التفصيلية للحيازات، فالمزارع لا يعرف حدود حواشته والراعي لا يعرف مساراته، والنتيجة أن الطرفين يخسران. كما أن قرب الولاية من دولة جنوب السودان جعلها ممراً لتهريب المدخلات والمحاصيل، فالسماد المدعوم يهرب جنوباً ليباع بثلاثة أضعاف سعره، والسمسم يهرب دون جمارك ليعود في شكل زيوت مستوردة بالدولار. هذا يخلق سوقاً سوداء موازية تضرب أي سياسة سعرية للدولة وتجعل المزارع النظامي هو الخاسر الأكبر.
(12)
وحول الحلول العاجلة التي يمكن أن تنقذ الموسم، شدد الدكتور محمد عوض متولي على أن الوقت ليس في صالحنا ، وأن أي خطة تتجاوز التسعين يوماً هي خطة للموسم القادم وليس لهذا الموسم. لذلك فإن الحل في النيل الأبيض يجب أن يكون ثلاثي الأبعاد وفوري التنفيذ.
البعد الأول هو فك الاشتباك بين مشاريع السكر والزراعة الأهلية، وهذا لا يكون بالشعارات بل بإجراء عملي يتمثل في تخصيص مساحات محمية للمزارعين الصغار حول المشاريع الكبرى بنظام الزراعة التعاقدية. بمعنى أن تمنح شركة كنانة مثلاً عشرة آلاف فدان من أراضيها غير المستغلة لمئة مزارع من أبناء المنطقة، توفر لهم الشركة الري والميكنة والإرشاد، وتلتزم بشراء محصول الذرة منهم بسعر ضمان معلن قبل الزراعة. بهذا نكون قد حللنا معضلة التمويل للمزارع الصغير، ووفرنا العلف الأخضر للمشروع، وخلقنا حزاماً اجتماعياً آمناً حول المنشآت الاستراتيجية يحميها من التخريب والنهب.
(13)
البعد الثاني هو كسر عزلة الإنتاج عبر تمويل إنشاء سوق محصول مركزي في ربك مربوط بسكة حديد وطريق مسفلت إلى الميناء. لا نحتاج إلى بورصة إلكترونية معقدة الآن، نحتاج إلى ساحة خرسانية مسورة بميزان بسكول ومخازن مسقوفة ومكتب لتوثيق العقود. هذا السوق المركزي سيقضي على 80% من الوسطاء ويضمن أن المزارع يبيع بسعر عادل، وأن الدولة تستطيع تحصيل رسومها، وأن التاجر يجد كميات مجمعة بدلاً من اللهاث خلف الشاحنات في القرى. تكلفة هذا السوق لا تتجاوز ثلاثة ملايين دولار، وهو مبلغ يمكن توفيره من ضريبة القيمة المضافة على محصول واحد فقط.
(14)
البعد الثالث هو إطلاق مشروع قومي لحصاد مياه الأمطار في مناطق تندلتي تحديداً، لأن الولاية هي الأقرب جغرافياً لمراكز الاستهلاك في الخرطوم والأقل تكلفة في الترحيل إذا أُصلحت الطرق. إن حفر 500 حفير بسعة 50 ألف متر مكعب لكل حفير، بتكلفة كلية 15 مليون دولار، يكفي لري مليون فدان ذرة رية تكميلية واحدة تنقذ المحصول إذا تأخر المطر أو انقطع. هذه ليست تكنولوجيا معقدة، بل هي هندسة ريفية بسيطة كان أجدادنا يتقنونها.
(15)
وختم الدكتور محمد عوض متولي مداخلته ، بالتأكيد على أن ولاية النيل الأبيض ، يمكن أن تتحول من خاصرة رخوة في الأمن الغذائي ، إلى قاطرة إنقاذ خلال موسم واحد ، إذا توفر القرار السيادي الشجاع الذي يتعامل مع الزراعة كقضية أمن قومي وليس كنشاط اقتصادي هامشي. فالمزارع في تندلتي لا ينتظر مؤتمراً اقتصادياً، ينتظر جرعة (ديزل) وجوال تقاوي ، وطريقاً لا يبتلع شاحنته. وإذا عجزنا عن توفير هذه الثلاثية، فإننا لا نحتاج إلى محلل استراتيجي ليخبرنا بالنتيجة ، فالجوع لا يحتاج إلى تفسير.

(16)
في تصريح لصحيفة (العودة) يرى مفوض عام الاستثمار بولاية النيل الأبيض ، عبدالله إسماعيل، أن الحلول المثلى لأزمات القطاع الزراعي ، يتمكن في إيجاد صيغ توافقية مع جميع الأطراف ، تمكن من الدخول في استثمارات ناجحة ، تحدث الأثر الاقتصادي المطلوب على مختلف الصعد، مشيرا إلى إجازة حكومة الولاية لقانون الاستثمار الذي نص على حوافز تشجيعية للمستثمرين في القطاعات المختلفة.
(17)
من تغيرات مناخية ، إلى تذبذب في معدلات الأمطار ، وتأخر في وصول المدخلات إلى الحقول ، مع إختلالات أمنية ، وفقدان أنظمة التأمين الزراعي ، هي فصول من سيرة الوجع ، لتحديات تواجه الزراعة في الولاية والسودان على حد سواء ، هل ستنجح المجهودات المبذولة في كتابة “روشتة” ناجعة ، تداوي جسد الزراعة ، لينهض من داءة العضال ، السنوات حبلى بالكثير.



