​قراءة في مرافعة السودان أمام المنظمة الدولية

السفير الحارث… خطاب الإبانة والإدانة بين الأمم

​وثائق السودان تطالب بتصنيف المليشيا منظمة إرهابية 

​خطاب الإبانة يكشف تضامن أطراف إقليمية مستبيحة

​وثائق السودان تطالب بتصنيف المليشيا منظمة إرهابية

​أطراف إقليمية تمد المليشيا بأسلحة متطورة محظورة

​المليشيا تدير معتقلات سرية لتعذيب وتصفية المواطنين

​السفير الحارث: مستمرون في ملاحقة الجناة عبر القضاء الوطني دولياً

​الحارث: نضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه معاناة شعبنا

​قراءة: رمضان محجوب

​من داخل قاعة الأمم المتحدة، وضع مندوب السودان العالم أمام الحقائق المجردة عن ممارسات مليشيا الدعم السريع. في مرافعته، سرد السفير الحارث حججاً قانونية تدين المليشيا بالإرهاب؛ بناءً على انتهاكات ميدانية وثقتها تقارير موثوقة تجاوزت كل ما عرفته الحروب من تجاوزات. لم يكتفِ الحارث بالدبلوماسية التقليدية، بل واجه المجتمع الدولي بحجم الاستحقاق، معتبراً أن الحياد الدولي يغطي جرائم تستهدف دماء السودانيين. هذه المرافعة، التي أطلق عليها “خطاب الإبانة”، هي لائحة اتهام عملية لكل صامت عن معاناة شعب يحارب وحيداً، بينما يمتد الخراب ليهدد أمن الإقليم، ويفرض على العالم مواجهة عدوان استباح حرمات الأرض، وهو وضعٌ لا يقبل التجزئة أو التبرير.

​■ تورط أطراف خارجية في تأجيج الحرب

 

لا يقف الصراع عند الميدان العسكري، بل تمتد خيوطه إلى غرف السياسة الإقليمية التي توفر للفوضى غطاءً. أوضح السفير الحارث أن استطالة أمد الحرب هي نتيجة طبيعية لتراخٍ دولي متعمد، وهو ضعفٌ منح المليشيا جرأة أكبر على التمادي في تدمير الدولة. ووفقاً لما طرحه السفير، فإن السكوت عن تدفق السلاح والموارد لهذه القوات يزعزع أساس الدولة، ويخلق بؤر قلق يستحيل السيطرة عليها مستقبلاً. حان الوقت ليتوقف المجتمع الدولي عن لعب دور المتفرج، ويواجه القوى التي تضخ الدمار بقراراتها السياسية وتفتح خزائنها للمليشيا، في خرقٍ واضح لكل قوانين السيادة، وهو ما يستدعي كشف الجرائم التي ترتبت على هذا التورط المكشوف الذي أطال أمد معاناة المواطنين، فالتدخل الخارجي هو المحرك الأساسي لاستدامة هذا العدوان.

​■ فظائع المليشيا بحق المدنيين الأبرياء

 

تتضح فظائع المليشيا وسط هذا التواطؤ، إذ عرض السفير وقائع تجاوزت حدود الحروب لتمس حافة الإبادة الجماعية. لم تكتفِ هذه القوات بسفك الدماء، بل مارست أفعالاً يرفضها العقل البشري من استرقاق واستهداف متعمد للمدنيين، بمن فيهم العجزة وذوو الاحتياجات الخاصة. أضحت المسيّرات أداة قتل يومية، وهو ما وثقه السفير بالإشارة إلى أكثر من مائتي هجوم على المناطق السكنية، محولة حياتنا إلى ساحة مباحة. هذه الوحشية ليست وليدة الصدفة، بل عقيدة قتالية تتغذى على شراكات خفية تستوجب تعقب الجناة دولياً؛ فالدماء السودانية غالية، وحق الشهداء والمظلومين يظل ديناً في رقبة العالم، ولا بديل عن عقاب رادع ينهي هذه المشاركة في الخراب الذي يستهدف قلب الدولة، ويحيل يوميات المواطن إلى كابوس مستمر.

 

​■ الشراكة الإقليمية في تدمير الدولة السودانية

 

ملامح الشراكة المريبة التي تضخ القوة في عروق المليشيا تتكشف يوماً بعد يوم، إذ أشار السفير إلى أن أطرافاً إقليمية تتخطى أدوارها لتصبح شريكاً أصيلاً يمد المتمردين بأسلحة متطورة وأنظمة دفاع جوي تخل بميزان القوى. الأمر لا يتوقف عند حدود العتاد؛ فالغطاء الإعلامي والسياسي، وتسهيل علاج القيادات، ونهب موارد البلاد من الذهب، تفضح نوايا استنزاف الدولة. هذا التدخل السافر محاولة لهدم كيان الوطن، كما ورد في إحاطة الحارث، عبر تمكين المتمردين من السيطرة على مفاصل السيادة تنفيذاً لأجندات خارجية، وهو ما نلمسه واقعاً في شبكات الإمداد التي تضمن وصول الدمار لقلب البلاد، وتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب دماء أبنائنا الذين يواجهون هذه الأجندات بصدور عارية.

 

​■ خرق المليشيا الصريح لقرارات مجلس الأمن

 

المعطيات التي ساقها السفير كشفت عن خطوط لوجستية معقدة تعمل بنشاط لضمان تدفق السلاح والمقاتلين في تحدٍ سافر لقرارات مجلس الأمن. تمتد هذه المسارات عبر الحدود، حيث أُنشئت معسكرات تدريب ومراكز إمداد في مناطق استراتيجية مثل الكرمك وجنوب النيل الأزرق. الحديث هنا لا يدور عن عتاد فقط، بل عن ممرات مفتوحة لنقل الموت عبر الحدود التشادية والليبية؛ فهذه الشبكات المحمية سياسياً تحول مراقبة الحدود إلى معضلة وجودية، مؤكدة -كما لفت الحارث- أن المليشيا تُدار عبر منظومة إقليمية عابرة للحدود تهدف لتمزيق أرضنا عبر جلب المرتزقة الأجانب، وهي معركة وجودية تفرض على الدولة التحرك بكل الوسائل القانونية والميدانية لقطع هذه الممرات التي تغذي التمرد وتطيل عمر الفوضى في أرجاء الوطن.

​■ استعانة المليشيا المفرطة بالمرتزقة الأجانب

 

التحقيقات التي أوردها السفير تؤكد التدفق المستمر لمرتزقة من جنسيات شتى، بينهم كولومبيون، يقاتلون بصفوف المليشيا بتسهيلات سيادية مطلقة. يتم جلب هؤلاء عبر مسارات جوية وبرية تتخطى عدة دول، مستغلين قواعد إمداد سرية ومطارات مثل نيالا التي تحولت لقاعدة ليلية لنقل السلاح. هذه العمليات تعكس مستوى تنسيقٍ يتجاوز قدرات المليشيا، وتؤكد أن الحرب تُدار بقرار خارجي يهدف لتركيع السودان. إقحام الأجانب يحول المعركة لحرب استنزاف كبرى تهدف لاستباحة دارفور وكل أقاليمنا، وهي انتهاكات يكتوي بنارها المواطن الأعزل داخل معتقلات المليشيا، وهو أمر يتطلب وقفة دولية حازمة تجاه الدول التي تسهل هذه التنقلات العابرة للحدود لقتل المواطنين السودانيين، مؤكدين أننا لن نتنازل عن شبر من سيادتنا.

​■ انتهاكات المليشيا الجسيمة داخل مراكز الاعتقال

 

وضع المندوب العالم أمام الحقيقة المرة بحديثه عن المعتقلات التي تديرها المليشيا؛ حيث يواجه السجناء ألواناً من التعذيب والاتجار بالأعضاء، وهي ممارسات تعكس نهجاً تصفوياً للخصوم. صمت المنظمات الحقوقية يعد وصمة عار تستوجب تدخلاً عاجلاً لفتح أبواب تلك السجون، فالمطالبة بتحقيق مستقل ليست من قبيل الترف، بل ضرورة إنسانية لإنقاذ من تبقى تحت مقصلة المليشيا. يتطلب الموقف تحركاً يضع محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم في رأس الأولويات، بينما تقف الدولة في الجانب الآخر تقدم العون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالدماء التي تُسفك خلف الأبواب المغلقة هي مسؤولية أخلاقية تلاحق كل من صمت أو تجاهل هذه الانتهاكات التي تدمي قلوب السودانيين، وتجعل من العدالة مطلباً لا يمكن التهاون فيه.

​■ دور الحكومة السودانية بمواجهة الأزمة الإنسانية

 

ظلت الحكومة السودانية السند الوحيد للمتأثرين رغم جحيم الحرب وخذلان المجتمع الدولي، وهو ما أكده السفير في إيضاحاته حول الجهود الوطنية. فتحنا المطارات واستقبلنا الإغاثة، وحملنا على عاتقنا توفير أكثر من 68% من احتياجات الناس، في وقت تعثر فيه دعم الأمم المتحدة عند عتبة ضئيلة لم تتجاوز 37.2%، مما خلق فجوة تهدد الملايين. مسؤوليتنا تجاه أهلنا دفعتنا للعمل رغم شح الإمكانيات والدمار، بينما ننتظر من المجتمع الدولي تجاوز لغة التقارير لواقع الفعل؛ فاستمرارنا في هذا الجهد -كما شدد الحارث- يبرهن على التزامنا المتقاطع مع مسار العدالة الذي لا يقل أهمية عن الإغاثة، وهو دليل عملي على أن الدولة لا تزال قائمة وتقوم بواجباتها تجاه مواطنيها في أصعب الظروف التاريخية، متمسكين بحقنا في حماية حياتهم.

 

​■ التزام الدولة بتحقيق العدالة الجنائية الشاملة

 

تؤكد الدولة السودانية، استناداً إلى مسارها القانوني الذي شرحه السفير، المضي في توثيق الجرائم ومحاسبة المرتكبين، إيماناً بأن العدالة هي طوق النجاة. سجلنا آلاف الدعاوى القضائية المتعلقة بانتهاكات المليشيا من قتل واختفاء قسري، وأحلنا عدداً منها للمحاكم، مصرين على عدم الإفلات من العقاب كقاعدة راسخة لمستقبل السودان. نوثق في هذا المسار حجم الخراب الذي طال البنية التحتية بخسائر تناهز 771 مليار دولار؛ فإعمار ما دمره العدوان ليس مجرد عملية بناء، بل استحقاق وطني يستوجب المساندة الدولية لضمان استقرار البلاد وإرساء قواعد عدالة تحمي الحقوق وتحاسب من تجرأ على أمننا، فالعدالة طريقنا الوحيد لاستعادة وطننا، وسنواصل هذا الطريق مهما بلغت التحديات حتى ينال كل ظالم جزاءه العادل، ونعيد للوطن كرامته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى