ثم ماذا بعد الحرب؟ (2)..هل الفيدرالية السودانية هي الحل؟

الدولة المنتجة.. هل إنتهى زمن إقتصاد المركز؟
كيف مات الإقتصاد القديم عندما تعطلت العاصمة؟
لماذا أفقرت الدولة الأقاليم الغنية تاريخياً؟
هل تستطيع الولايات أن تنقذ السودان؟
تقرير تحليلي/ علم الدين عمر
إقتصاد الحرب واقتصاد الإنتاج بين قوسي الدولة السودانية بعد الحرب التي لم تكشف هشاشة المنظومة المجتمعية والسياسية فحسب..إنما كشفت بصورة أكثر وضوحاً هشاشة النموذج الإقتصادي الذي حكم البلاد منذ الإستقلال.. فحين تعطلت العاصمة..بدا وكأن السودان كله قد توقف عن العمل..
تعطلت المصارف.. وارتبكت الأسواق.. وانقطعت سلاسل الإمداد..وتراجعت الإيرادات..وتوقفت مؤسسات الإنتاج والخدمات..وهو ما قاد إلى سؤال بالغ الخطورة..كيف يمكن لدولة تمتد على هذا الإتساع الجغرافي الهائل أن تصبح رهينة لمدينة واحدة أو مركز إقتصادي وحيد؟؟!!
لقد أثبتت الحرب أن السودان لم يكن يمتلك إقتصاداً وطنياً متوازناً بقدر ما كان يقوم علي اقتصاداً مركزياً شديد التمركز.. تتركز فيه المؤسسات المالية.. والأنشطة التجارية.. والإستثمارات.. والقرارات الإقتصادية..والقدرات الإدارية في العاصمة.. بينما ظلت بقية الأقاليم والولايات (بما فيها الخرطوم نفسها) تؤدي دور المورد للثروات أو المستقبل للأزمات..
ومن هنا تجيئ الحوجة لمنظومة سيادية تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب..إذ لا يمكن بناء دولة جديدة علي الأسس الإقتصادية القديمة..
سقوط المركزية الإقتصادية..
لقد نجحت المركزية السياسية لعقود في إحتكار القرار..لكنها في الوقت ذاته خلقت مركزية إقتصادية أكثر خطورة.. فالعاصمة أصبحت سوقاً ومصرفاً ووزارة وميناءً ومركزاً للتوظيف والإستثمار في الوقت نفسه..
وكانت النتيجة أن الولايات لم تنمُ بوصفها وحدات إقتصادية حقيقية.. وإنما باعتبارها أطرافاً إدارية تعتمد على التحويلات المالية من المركز..
لقد أنتج هذا النموذج مفارقة سودانية فريدة. أقاليم غنية وولايات فقيرة..
فالشرق يمتلك الموانئ والموقع الجغرافي..
ودارفور تمتلك الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والأسواق الحدودية..
وكردفان تمتلك الثروة الحيوانية والنفط والمعادن..
والشمال يمتلك الذهب والطاقة الشمسية..
والجزيرة والوسط يمتلكان أعظم المشروعات الزراعية في العالم..
لكن معظم هذه الميزات التفضيلية لم تتحول إلى تنمية محلية مستدامة لأن القرار الإقتصادي ظل بعيداً عن مواقع الإنتاج نفسها..
ولذلك فإن الأزمة الإقتصادية السودانية ليست أزمة موارد.. وإنما أزمة إدارة موارد..
علي أنقاض الحرب.. إختبار الإقتصاد..
بلا شك لابد أن تعيد الحرب إختبار صلاحية النماذج الإقتصادية القائمة..
وقد ظهر أن النموذج المركزي القائم على تركيز المؤسسات والمال والخدمات في العاصمة لم يعد قادراً على حماية الدولة ومؤسساتها ونظمها ولوائحها..ففي أيام الحرب الأولي وبخروج المركز عن الخدمة ترنحت الدولة وأهتز وجودها تماماً..وتم تدارك الأمر بترتيبات أمنية وعسكرية وليست سياسية إدارية إقتصادية..
وقد أثبتت تجارب كثيرة أن التوزيع الجغرافي للنشاط الاقتصادي يمثل أحد عناصر الأمن القومي الهامة..
فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت على توزيع الصناعة والإستثمار بين الولايات..
والهند بنت إقتصادها على أقاليم متنافسة..
والولايات المتحدة أسست قوتها الإقتصادية على تعدد المراكز الصناعية والمالية والتكنولوجية..
أما السودان فقد ظل يراكم القدرات في مركز واحد..بينما تتراجع بقية البلاد..
لماذا أفقرت الدولة الأقاليم الغنية؟
السؤال الأكثر إلحاحاً في التجربة السودانية هو..لماذ يمكن لإقليم غني أن يبقى فقيراً؟..
السبب لا يعود إلى نقص الموارد..وإنما إلى ضعف السلطات المحلية..وغياب التخطيط المحلي واختلال توزيع الإيرادات..وتضخم الأجهزة المركزية..
لقد كانت الثروات تتحرك نحو المركز.. بينما تتحرك الخدمات ببطء شديد نحو الأطراف..
وكانت الولايات تنتج دون أن تخطط.. وتصدر دون أن تستثمر..وتساهم في الإيرادات العامة دون أن تحصل على نصيب عادل من التنمية..
ولذلك فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تبدأ بإعادة بناء المباني.. بل بإعادة النظر في العلاقة الإقتصادية بين المركز والأقاليم..
السودان يحتاج إلى فلسفة جديدة تقوم على أن التنمية يجب أن تُصنع بالقرب من الموارد.. وأن الإيرادات ينبغي أن تنعكس على المجتمعات المنتجة أولاً وأن الولايات يجب أن تتحول من وحدات إدارية إلى وحدات اقتصادية فاعلة..
الأقاليم محركات النمو..
إن أكبر خطأ ارتكبته الدولة السودانية خلال العقود الماضية هو النظر إلى الولايات كعبء مالي علي الخزانة المركزية
بينما تشير التجارب الدولية إلى أن الأقاليم هي محركات النمو الحقيقية..
فالتنمية لا تنتجها الوزارات المركزية..التنمية تنتجها المدن والولايات والأقاليم القادرة على المنافسة والإستثمار..
ويمكن للسودان أن يؤسس نماذج إقتصادية إقليمية متخصصة من واقع الميزات التفضيلية لكل إقليم وولاية..
فالشرق يمكن أن يتحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي..
ودارفور يمكن أن تصبح أحد أكبر الأحواض الزراعية والتجارية في أفريقيا..
وكردفان تستطيع قيادة الصناعات الحيوانية وسلاسل القيمة المرتبطة بها..
والشمال يمتلك فرصاً إستثنائية في التعدين والطاقة المتجددة..
أما الجزيرة والوسط فيمكن أن يقودا نهضة زراعية وصناعية جديدة..
وعندما تبدأ الأقاليم في المنافسة على الإستثمار والإنتاج والخدمات.. فإن الدولة كلها تصبح أكثر قوة..
من دولة الجباية إلى الدولة الإنتاج..
خلال العقود الماضية توسعت الدولة في الرسوم والجبايات والضرائب..بينما تراجع الإنتاج الحقيقي..
وأصبح الإقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الإيرادات السهلة والرسوم الإدارية.. بدلاً من دعم الزراعة والصناعة والاستثمار..
ولذلك فإن الدولة التي ستخرج من الحرب لا ينبغي أن تكون مجرد جهاز لتحصيل الإيرادات كما كانت.. لابد للدولة أن تتحول لمؤسسة لإطلاق الإنتاج..
المعيار الحقيقي لنجاح الدولة ليس عدد الرسوم التي تفرضها..وإنما عدد فرص العمل التي تخلقها..
ولذلك فإن الإصلاح الإقتصادي بعد الحرب يجب أن يتجه نحو
توسيع الإنتاج الزراعي والصناعي..
تطوير البنية التحتية..
جذب الإستثمارات..
ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة..
وإصلاح النظام الضريبي..
وتمكين الولايات إقتصادياً..
وإنشاء صناديق تنمية إقليمية..
زتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص..
المعرفة قبل القرارات..
كما أن إصلاح نظام الحكم يحتاج إلى التفكير والبحث.. فإن إعادة بناء الإقتصاد تحتاج هي الأخرى إلى المعرفة..
فالسودان في حاجة إلى مراكز دراسات إقتصادية.. وورش عمل متخصصة.. وسمنارات وطنية.. ومؤتمرات علمية تبحث مستقبل الإقتصاد السوداني بعد الحرب…
ويجب أن تنخرط الجامعات ومراكز البحوث داخل السودان وخارجه في إنتاج تصورات جديدة للتنمية الإقليمية.. وتوزيع الموارد..وإعادة الإعمار..وتطوير المزايا التنافسية للأقاليم..
فتحسين السياسات والمعرفة والتخطيط هي الكلمات السحرية في هذا الإطار..
الفرصة التي قد لا تتكرر..
الحروب تترك وراءها خسائر هائلة بالتأكيد ..لكنها تمنح في المقابل فرصة نادرة لإعادة التفكير..
اليوم يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء إقتصاده على أسس مختلفة..وجديدة تقوم تعدد المراكز لتقليل المخاطر..
اقتصاد تقوده الأقاليم..ويعتمد على الإنتاج المحلي وليس الجباية المركزية..
إقتصاد يجعل من التنوع الجغرافي مصدراً للقوة وليس سبباً للأزمة كما هو الآن..
إذا كان السؤال الذي طرحه الجزء الأول هو..كيف يُحكم السودان؟
فإن الجزء الثاني يطرح سؤالاً لا يقل أهمية..
كيف يُنتج السودان؟
لأن السلام الحقيقي لا تصنعه الإتفاقات السياسية وحدها..السلام تصنعه التنمية..ويصنعه الشعور بالعدالة الإقتصادية..وتصنعه قدرة المواطن في دارفور وكردفان والشرق والشمال والجزيرة على أن يرى نصيبه من ثروات أرضه ومستقبل بلاده..
يتبع
ثم ماذا بعد الحرب؟ (3)
العاصمة الجديدة.. هل إنتهى زمن السودان الذي يعيش في مدينة واحدة؟



