علم الدين عمر يكتب : وسط السودان.. مأزق الدولة السودانية وحلها!!..(1-2)

حاجب الدهشة..
في بحر متلاطم من تحديات الدولة والمجتمع السوداني بعد الخامس عشر من أبريل..وعقب تمرد مليشيا الدعم السريع الشامل..في مساراته المختلفة ومراحله المتواترة ومحاولاته المستميتة..المرتبة..لإسقاط الدولة وطمس هوية الشعب وما صاحب ذلك من إمضاء متسلسل لخطوات المشروع الذي كشفت عنه الأيام..وأسقطته إرادة الشعب السوداني وقواته المسلحة..كان حتماً علي ذاكرة الناس والأحداث أن تطرح سؤالاً جوهرياً حول من الذي سيدفع ثمن ما جرى لوسط السودان إذا لم تدفعه الدولة اليوم؟..
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل مسؤول..وكل مركز دراسات..وكل مؤسسة معنية بمستقبل السودان.. فهذه الحرب ومشروعها التدميري ترك آثاراً على الوعي الجمعي قد تمتد لعقود..وربما لقرون إذا أُهملت أو جرى القفز فوقها..
لقد عاش وسط السودان.. منذ تأسيس الدولة الحديثة..وهو يحمل عبء الدولة السودانية منفرداً..مستهدفاً بكل تمرد أو فرية تهميش أو إدعاء بطولة..الوسط وعلي رأسه الخرطوم الولاية تقاسم أرضه وخدماته وفرصه مع ملايين السودانيين دون أن يسألهم من أين جاءوا..دفعت الخرطوم ومدني وربك وسنجة فاتورة القومية كاملة..حتى غدت مدناً لكل السودان..بينما تراجع نصيب أهلها من التنمية والخدمات والإهتمام باسم الدولة الجامعة..
ثم جاءت الحرب..
وللمرة الأولى في تاريخ السودان الحديث..وجد الملايين من أبناء الخرطوم أنفسهم بلا خرطوم يعودون إليها..وبلا بلد بديلة يلجأون إليها..وبلا أرض أخرى تحتضنهم..حين داهمت الحرب بيوتهم..كانت الحرب قد داهمت جذورهم نفسها.. لم يكن أمام كثيرين طريق للعودة.. لأن المعركة قامت فوق ديارهم.. ولأن الوطن الذي احتضن الجميع ضاق بأصحابه..
وفي الجزيرة وسنار وأجزاء من النيل الأبيض..اتسعت دائرة المأساة عقب سقوط الخرطوم..قرى كاملة أُفرغت من سكانها. وتحولت إلى أطلال..وأسر شُردت.. وآلاف المدنيين قتلوا أو أصيبوا أو فقدوا أو تعرضوا لإنتهاكات مروعة بحسب ما وثقته تقارير وشهادات صورتها المليشيا بنفسها.. سالت دماء رجال ونساء وأطفال.. وتحولت المنازل لثكنات للموت بعد أن كانت مأوى للحياة..
هذه ليست خسائر جانبية في الحرب..هذا لُب الموضوع..
إنها الجراح التي أصابت قلب السودان..
وسيكتب التاريخ.. الذي ستُفتح صفحاته عاجلاً أو آجلاً تفاصيل إستباحة وسط السودان..كما سيكتب أسماء الذين خططوا.. والذين نفذوا..والذين حرضوا..والذين صمتوا، والذين اعتقدوا أن الخراب يمكن أن يكون طريقاً إلى السياسة أو وسيلة للوصول إلى السلطة..
وسيبقي دائماً السؤال الأخطر ليس عن التاريخ..
السؤال سيكون عن الدولة..
هل تدرك الدولة أن هناك كتلة إجتماعية كاملة تشعر اليوم بأنها دفعت فاتورة السودان مرتين؟ مرة حين احتملت أعباء المركز منذ إستقلال السودان ومرة حين أصبحت أرضها ومنازلها وأرزاقها ساحةً لهذه الحرب المدمرة..إن تجاهل هذا الشعور.. أو التعامل معه كمجرد حالة عابرة..سيكون خطأً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الحرب نفسها..
إن إعادة إعمار الطرق والجسور ليست هي القضية الكبرى..السودان بحاجة لإعادة إعمار الثقة..فالثقة المفقودة أخطر من المباني المهدمة..والإنكسار النفسي أخطر من الإنهيار الإقتصادي..المواطن المسالم في وسط السودان ربما لن يعود كذلك أبداً مرة أخرى..
لهذا..فإن الدولة مطالبة اليوم بأن تتقدم المشهد بخطوة بدل أن تلهث خلفه.. خطوة واحدة تسبق بخطة وطنية شاملة تعترف بحجم الكارثة.. وتعوض المتضررين..وتعيد الحقوق..وتحقق في الإنتهاكات..وتحاسب كل من يثبت تورطه وفق القانون.. وتؤسس لعقد وطني جديد يشعر فيه كل سوداني بأن دمه وبيته وكرامته ليست أرخص من حسابات السياسة..
إن مأزق السودان الحقيقي لم يعد عسكرياً فقط..ولا أمنياً..المأزق أصبح أخلاقياً وسياسياً ووطنياً..
إذا لم تُنصف الدولة قلبها الذي نزف.. فكيف تنتظر أن يظل الجسد كله واقفاً؟
ذلك هو السؤال..
وهو.. في تقديري أخطر سؤال يواجه السودان بعد الحرب..
نواصل



