الرغيف الذي كان يعرف أسماءنا

عكس التيار: يوميات مشاتر في دار صباح
البنيان الاول
بقلم/ مهند أحمد الصاوي
في دار صباح، لم يكن الرغيف مجرد خبز.
كان فردًا من أفراد الأسرة.
يصل قبل الجميع إلى المائدة، ويغادرها آخرهم. وكانت أمهاتنا يتعاملن معه كما لو أنه كائن حي؛ لا يرمينه، ولا يضعنه مقلوبًا، ولا يتركن فتاته على الأرض، وكأن البركة تختبئ فيه كما تختبئ الروح في الجسد.
كنت أظن، وأنا صغير، أن الرغيف يولد في الفرن.. ثم اكتشفت، بعد سنوات طويلة، أنه يولد قبل ذلك بكثير.. يولد في حبة قمحٍ لم ترَها أمي قط.. وفي يد فلاح لا تعرف اسمه.. وفي مطرٍ هطل في أرض بعيدة.
وفي طريق طويل، تعبره الشاحنات، والأسواق، والضرائب، والحدود، قبل أن يصل دافئًا إلى يد خبازٍ يعرف وجوه الحي أكثر مما يعرف أسماءهم.
كان الخباز في دار صباح لا يسأل أحدًا:
“كم رغيفة؟” بل كان ينظر إلى اليد الممتدة أمامه، فيعرف.
يعرف أن هذا البيت كبر فيه طفل.
وأن ذاك البيت عاد إليه مغترب.
وأن امرأة هناك ستقسم الرغيف أكثر مما ينبغي، لأنها لا تعرف كيف تعتذر للضيف عن ضيق الحال.
كنت أشعر أحيانًا أن الأرغفة تعرف الطريق إلى أصحابها.. تمشي معهم بصمت، ثم تختفي خلف الأبواب، لتصبح جزءًا من ضحكة، أو خصومة، أو دعاء، أو صمت طويل حول الصينية.
لم ينتبه أحد إلى أن الرغيف بدأ يصغر.
فالأشياء التي تحب الناس لا ترحل دفعةً واحدة.. إنها تنقص قليلًا كل صباح، حتى لا تجرح قلوبهم. وكان الرغيف، في ظني، يخجل من نفسه كلما خرج من الفرن أصغر من الأمس.
يحاول أن يتمدد فوق الصينية، وأن يبسط أطرافه، حتى لا تفضحه عين طفل لم يتعلم بعد لغة الأرقام، لكنه يعرف جيدًا أن شيئًا ما تغيّر.. وفي مساء بعيد، سأل طفل أمه: “يا أمي… هو الرغيف كان أكبر زمان؟”
لم تجبه.
اكتفت بأن قسمته إلى قطع أكثر.
في تلك اللحظة، فهمت أن بعض الأسئلة لا تجيب عنها الكلمات.
تجيب عنها الأيدي.
في دار صباح، لم نكن نقيس أحوال البلاد بالأخبار. كنا نقيسها بالرغيف.
إذا عاد أبي من السوق صامتًا، عرفنا أن الرغيف قال له شيئًا لم يشأ أن يقوله لنا.
وإذا وقفت أمي أمام الصينية لحظة أطول من عادتها، عرفنا أن الحسابات أصبحت أصعب من أن تُحل بالقلم. وإذا صار الشاي أثقل من الخبز على المائدة، فهمنا أن الأيام بدأت تغير عاداتها. هكذا تعلمنا قراءة البلاد.. ليس من الصحف. بل من المائدة.
كنت أظن السوق مكانًا.
ثم اكتشفت أنه مخلوق. كلما أطعمته جنيهًا، طلب آخر. وكلما ظن الناس أنهم لحقوا به، سبقهم بخطوة. وكان يعود إلى دار صباح كل مساء، مختبئًا في جيوب الرجال، وفي وجوه النساء، وفي صمت الأطفال الذين تعلموا أن يؤجلوا طلباتهم إلى الغد. ولم يكن أحد يراه.
لكن الجميع كانوا يشعرون بثقله.
وفي تلك السنوات، بدأت أمهات الحي يمارسن معجزة صغيرة لا تكتبها كتب الرياضيات. كلما نقص الرغيف… زاد عدد القطع. وكلما زاد عدد الجالسين حول الصينية… وجد كل واحد نصيبه.
ظللت سنوات أبحث عن تفسير لذلك.
ثم فهمت متأخرًا أن البركة ليست كلمة تقال قبل الطعام. البركة طريقة ينقذ بها الناس بعضهم بعضًا حين تعجز الحسابات.
كان مشاتر يجلس في ركنه المعتاد.
لا يسأل كثيرًا.
يجمع فقط.. يجمع نصف رغيفٍ تركه طفل لأنه شبع. وفتاتًا جمعته أم بكفها حتى لا يضيع. وجنيهًا طواه أب في جيبه ثم أعاده لأن الدواء أولى. ورائحة فرنٍ صار يبرد مبكرًا. كان يعرف أن الأشياء الصغيرة أكثر صدقًا من الخطب الكبيرة.. فالرغيف لا يعرف الكذب.. ولا يجامل أحدًا.
إذا ضاقت الحياة… ضاق معها.
ولم يقل أحد إن الحرب جاءت.
لكن الرغيف عرف. صار يصل متأخرًا.
ويغيب أحيانًا. ثم عاد يومًا، لكن بطعمٍ غريب، كأنه عبر مسافات أطول مما اعتاد.
وقيل إن القمح أصبح يأتي من وراء البحار.
ولم أفهم يومها لماذا يستطيع وطنٌ كان يزرع أرضه أن ينتظر سفينة حتى يأكل.
لكن أمي كانت تفهم.
كانت تنظر إلى الرغيف طويلًا، ثم تقول:
“الغريب ما بعيش في بيت غيرو مرتاح.”
ولم تكن تتحدث عن القمح وحده.
بعدها بسنوات، صار بعض الرغيف يأتي من المنافي. ليس لأنه خُبز هناك.
بل لأن ثمنه وصل في رسالة هاتف، كتبها ابن غاب حتى لا يغيب البيت.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المائدة تجمع أفراد الأسرة فقط. صارت تجمع القارات أيضًا.
كان الابن يأكل في مدينة بعيدة.
لكن رغيفه الحقيقي ظل يُقسم هنا، في دار صباح. وعندها أدرك مشاتر أن الرغيف لم يكن طعامًا. كان آخر خط دفاع بين الناس والخوف. كلما استطاعت الأم أن تضعه على المائدة، بدا البيت مطمئنًا، ولو إلى حين. وكلما غاب، دخل القلق من الباب قبل أن يدخل الجوع. لهذا لم يكن السؤال يومًا:
لماذا صغر الرغيف؟ كان السؤال الذي ظل يؤرقه أكثر: أيُّ شيءٍ في البلاد بدأ يصغر قبله، حتى اضطر هو إلى أن يحمل كل هذا النقص وحده؟ رفع مشاتر نظره نحو الفرن الذي ظل يرسل دخانه إلى السماء، وقال في سره: ليست الدول ما يُقاس بما تملكه من قمح، بل بما يستطيع رغيفها أن يحفظه من كرامة الناس.



