المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/9

رماد الإمبراطورية وظلال “المجموعة المجهولة”
تنطوي صفحات الإمبراطوريات الكبرى لتترك خلفها إرثاً حياً يتناسخ في تفاصيل الأرض؛ فالسياسة تموت برحيل الملوك، لكن الحضارة تملك غريزة البقاء. حين انفرط عقد الدولة المركزية في مروي في منتصف القرن الرابع الميلادي، تفكك النظام الإداري الذي جمع أقاليم السودان القديم لقرون، وتوقفت الكتابة الرسمية، وغابت النخبة الملكية من القصور. كانت تلك اللحظة التاريخية بمثابة هجرة عبقرية للإرث الكوشي من دواوين الدولة إلى تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات الإقليمية، لتولد من رحم الرماد حقبة انتقالية غامضة ومثيرة عُرفت في أروقة البحث الأثري بفترة “ما بعد مروي”.
*تفكك العرش وصعود الكيانات الإقليمية:*
ترتبط جغرافيا سقوط المركزية المروية تاريخياً بحملات ملك أكسوم “عيزانا” عام 350 م، والتي تزامنت مع مشاكل اقتصادية وتحركات قبلية واسعة. أدى هذا التحول إلى إعادة تشكل ديموغرافي وسياسي برزت فيه ثلاث قوى جديدة تتقاسم إرث كوش العظيم. في الشمال، بدأت تتشكل نواة مملكة “نوباتيا” (النوباد) ممتدة من الشلال الأول إلى الثاني لتتخذ من “فرس” عاصمة لها عام 410 م. وتمددت قبائل “البليميين” (البجة) البديرية كقوة مهددة سيطرت على الصحراء الشرقية ووصلت حتى “قصر إبريم” عام 450 م. وفي الوسط والجنوب، بدأت تتبلور معالم مملكتي “المقرة” حول دنقلا، و”علوة” حول “سوبا”، ككيانات وريثة حملت الجينات الثقافية لحضارة وادي النيل وحافظت عليها بمرونة واضحة.
*جدلية رايزنر وظهور “المجموعة المجهولة”:*
في عام 1909م، وقف عالم الآثار “جورج رايزنر” أمام حقول مدافن غريبة تحوي عادات دفن غير مألوفة للمدرسة المصرية الكلاسيكية، وأطلق مصطلح “المجموعة المجهولة” (X-Group) ليدل على الغموض الذي يكتنف الحقبة الممتدة بين عامي 350 م و540 م. انطلق رايزنر من رؤية استعلائية مبنية على المركزية المصرية، معتبراً أن أي تراجع عن الأنماط الفرعونية يعني السقوط في البربرية، ووصف أصحاب هذه الحضارة بأنهم أقوام وفدوا من الجنوب وتجري في عروقهم دماء زنجية. هذا التصنيف القاصر رسخ لفترة طويلة فكرة القطيعة الحضارية زيفاً، وهي النظرية التي تلقفها من بعده المنقبون “والتر إيمري” و”لورنس كيروان” خلال حفريات عام 1931م وجعلوها من المسلمات التاريخية دون مراجعة نقدية.
*كنوز بلانة وقسطل والشاهد الأثري الأصدق:*
أزاحت التنقيبات الأثرية الكبرى في جبانتي “بلانة” و”قسطل” بالنوبة السفلى عام 1932م، الستار عن مدافن تلية ملكية باذخة الثراء تعكس استمرار الرموز الثقافية الكوشية المروية بقوة. في موقع “بلانة”، عثر العلماء على مقابر تتكون من غرف متعددة يعود تاريخها إلى عام 400 م، ووجد في إحداها ملك متوج بتاج فضي مرصع بالأحجار الكريمة، مستلقٍ فوق سرير جنائزي ومحاط بأثاث فاخر من الأواني البرونزية والأسلحة. تميز موقع “قسطل” بظاهرة التضحيات البشرية والحيوانية المصاحبة للمدفونين، حيث دُفنت مع الملوك خيولهم وجمالهم وكلابهم بسروجها المزينة، وهي ممارسة كوشية أصيلة تثبت أن عقائد الحياة الأخرى والطقوس الجنائزية بقيت حية في وجدان النخبة المحلية.
*ثقافة تنقاسي والامتداد الجغرافي للأفق الكوني:*
امتد هذا البعث الثقافي لحقبة ما بعد مروي عبر حيز جغرافي واسع ليصل إلى عمق السودان الأوسط، ويبرز هنا إقليم دنقلا وموقع “تنقاسي” الأثري الذي درسه خبير الآثار “بيتر شيني” عام 1953م، حيث تتجلى مئات المقابر التلية الضخمة التي يصل ارتفاع بعضها إلى عشرة أمتار. أثبتت الحفريات الحديثة لـ “مشروع أبحاث المقرة المبكرة” بالتعاون مع جامعة وارسو عام 2004م في مواقع “الزومة” و”الغدار”، أن هذه المدافن تنقسم لهندسة معقدة تعود لجذور مروية متأخرة من القرن الخامس الميلادي، حيث عثر على فخار مصنوع يدوياً يتميز بذات الزخارف الإفريقية المحلية. هذا التواصل العضوي يشير إلى أن إنسان وادي النيل ظل يزرع ذات الأرض بأدواته المتوارثة، ممهداً لبناء العصر الجديد. نواصل….



