العقوبات الأمريكية الجديدة: اختبار “سنة التغيير” وليست نهاية المطاف

د. عبد العزيز الزبير باشا يكتب :
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم، عن فرض حزمة عقوبات جديدة على السودان تدخل حيز التنفيذ في 20 يوليو الجاري، بحجة “عدم التزام الخرطوم بمتطلبات قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية”. وتشمل الحزمة وقف القروض والمساعدات المالية والتقنية، وتقييد الصادر، وتعليق تصاريح الطيران.
هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها واشنطن ورقة العقوبات. ولكنها تأتي هذه المرة في توقيت مفصلي: السودان منتصر في الميدان، ويقف على أعتاب إعادة بناء دولته ومؤسساته. ولذلك فإن قراءة هذا القرار لا يمكن أن تتم بمعزل عن مشروع “سنة التغيير” الذي يمثل جوهر المرحلة القادمة.
*أولاً: تشريح العقوبات.. ما الجديد؟*
جاءت العقوبات في ثلاث محاور رئيسية:
*1. المحور المالي*: وقف دعم السودان عبر القروض والمساعدات المالية والتقنية من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد. مع الإبقاء على استثناء المساعدات الإنسانية. الهدف واضح: خنق قدرة الدولة على التمويل وإعادة الإعمار.
*2. المحور التجاري*: تقييد تصدير معظم السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان، وتشديد الرقابة على المواد “ذات الاستخدام المزدوج”. هذا المحور يستهدف مباشرة قطاعات الإنتاج، من التعدين إلى الصناعة الدوائية.
*3. المحور اللوجستي*: تعليق تصاريح شركات الطيران الحكومية السودانية للهبوط في الولايات المتحدة. وهي ضربة رمزية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية، تهدف لعزل السودان جواً.
موقف واشنطن معلن: العقوبات ستظل قائمة “إلى حين التزام السودان”. وهي نفس اللغة التي استخدمت لعقود. اتهامات مرفوضة من الخرطوم، ومراجعات أمريكية أحادية، ثم عقوبات.
*ثانياً: أثر العقوبات على 3 شرايين حيوية*
لكي نرد بذكاء، يجب أن نفهم أين يوجع القرار:
*1. قطاع الذهب والمعادن: شريان الصادر*
السودان اليوم يعتمد على الذهب بنسبة تتجاوز 40% من حصائل الصادر. معظم أجهزة التعدين والاستكشاف وقطع غيار المصافي هي أمريكية أو تمر عبر النظام المالي الأمريكي. وقف القروض سيبطئ تمويل شركات الامتياز الجديدة. وتشديد الرقابة سيعطل استيراد المدخلات.
ولكن: هذا القطاع هو الأكثر مرونة. يمكن تعويض التقنية الأمريكية فوراً بالصينية والروسية والتركية. ويمكن تمويله عبر شراكات مباشرة مع دول لا تخضع للإملاءات الأمريكية. العقوبات هنا قد تكون دافعاً للتحرر من التبعية التقنية والمالية الغربية.
*2. قطاع الدواء والصحة: الخط الأحمر*
هنا مكمن الخطورة الإنسانية. صحيح أن المساعدات الإنسانية مستثناة، لكن “تشديد الرقابة” على المواد ذات الاستخدام المزدوج سيؤخر وصول مدخلات تصنيع الدواء، وأجهزة الأشعة، ومعدات العناية المركزة. وتعليق الطيران سيضرب شحن الأدوية المستعجلة.
ولكن: هذه لحظة تفعيل مبدأ “الدولة خط أحمر”. يجب أن تتحرك وزارتي الصحة والمالية فوراً عبر قنوات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر لتصنيف كل شحنات الدواء كـ “إغاثة إنسانية”. كما أنها فرصة تاريخية لدعم مصانع الدواء الوطنية والانتقال من الاستيراد إلى التصنيع.
*3. قطاع الطيران: محاولة العزلة*
تعليق رحلات سودانير لأمريكا لن يكسر السودان. 90% من حركة السودانيين الاعتيادية التجارية و البضائع تمر عبر الخليج و اسطنبول ولكن الهدف السياسي هو إعطاء انطباع بالعزلة.
ولكن: الرد يكون بفتح المجال لشركات الطيران الخاصة الوطنية والإقليمية. وبتفعيل اتفاقيات النقل مع تركيا وقطر والسعودية. العزلة الجوية لا تصنعها واشنطن، يصنعها ضعفنا نحن.
*ثالثاً: من “حرب البنك” إلى “سنة التغيير”*
هذه العقوبات هي بالضبط ما سميناه في مقال سابق “حرب البنك”. هدفها واحد: تجويع الشعب لإركاع الدولة.
والسؤال الآن: ما هو ردنا؟
ردنا ليس البيانات. ردنا هو “سنة التغيير” بثلاث قواعد حديدية:
*القاعدة الأولى: حكومة كفاءات منتجة*
انتهى زمن انتظار قروض البنك الدولي. المعيار الآن: من يستطيع تشغيل المصنع خلال 30 يوم؟ من يضاعف صادر الذهب؟ من يوصل الدواء؟ أي وزير يتحج بالعقوبات يجب أن يُعفى فوراً. العقوبات تتطلب سرعة، والسرعة لا يصنعها المحاصصون.
*القاعدة الثانية: تدخل رئاسي مباشر لحماية المنتجين*
أي بيروقراطي يعطل تصديق استيراد دواء، أو يوقف تصديق شركة تعدين، أو يبتز مستثمراً بحجة “المراجعات الأمريكية” يجب أن يعفى خلال 24 ساعة. نحن في حالة حرب اقتصادية، وقوانين زمن السلم لا تنطبق.
*القاعدة الثالثة: الدولة خط أحمر*
مرتب الجندي والمعلم والطبيب خط أحمر. استيراد القمح والدواء والوقود خط أحمر. مؤسسات الدولة الأبية هي التي ستحمل العبء. والحكومة دورها واحد: إزالة العقبات من طريقها.
*رابعاً: الرسالة للخارج والداخل*
للخارج نقول: جربتم العقوبات ثلاثون عاماً وفشلتم. السودان الذي صمد تحت الحصار أيام البشير، وصمد تحت الحرب اليوم، لن ينكسر بعقوبات جديدة. بل سيتحول هذا الحصار إلى دافع للإنتاج والاعتماد على النفس.
للداخل نقول: لا تخافوا. “التغيير” الذي نتحدث عنه لا يعني هدم الدولة. بل يعني تحريرها من الحكومة البيروقراطية. يعني أن نستبدل العقلية لا الأشخاص. أن ننتقل من “دولة محاصصة” إلى “دولة مؤسسات”.
العقوبات الأمريكية ليست نهاية المطاف. هي اختبار. واختبار “سنة التغيير”.
الخاتمة
التاريخ لا يرحم المترددين. والفرصة التاريخية التي جمعت كل السلطات في يد القيادة اليوم هي لاتخاذ القرارات الصعبة والسريعة.
إما أن ننتصر في معركة الاقتصاد كما انتصرنا في معركة الميدان…
وإما أن نسمح للبيروقراطية أن تهزم ما أنجزه السلاح.
ونحن نختار الانتصار.
السودان لا ينكسر… السودان يُبنى.



