حين يصبح النجاح تهمة

(صوت وقضية)
بقلم: أميرة موسى
يتميز مجتمعنا السوداني بالأصالة والطيبة والتسامح وهي قيم ظلت تميّزه عبر التاريخ حتى أصبحت عنوانا له بين الشعوب. وعلى الرغم من اختلاف قبائلنا وتنوع ثقافاتنا ومعارفنا فإن هذا التنوع ظل مصدر قوة وجمال يؤكد أننا جميعًا أبناء وطن واحد اسمه السودان.
فيا أبناء وطني قد نختلف في الآراء والثقافات ولكن لا ينبغي أن نفترق في المحبة والانتماء. فالسوداني بطبيعته لا يرضى الضرر لأخيه ولا يقبل أن تكون الخلافات سببا في تمزيق النسيج الاجتماعي.
لكن الملاحظ في بيئتنا المحيطة، سواء في مواقع العمل أو مجالات التعليم أو مختلف ميادين الحياة أن التميز أصبح عند البعض يُقابل بإحساس غريب وكأن نجاح الإنسان فعل يستحق الانتقاد بدلًا من التقدير فأصبح بعض الأشخاص ينظرون إلى نجاح غيرهم بعين المقارنة السلبية بدل أن يروا فيه دافعًا للأمل والاجتهاد.
ومن يعاني من هذا الشعور فهو في الحقيقة يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره …لأنه يحمّل قلبه ما لا يحتمل ويعيش أسيرا لمقارنات مرهقة تزرع في داخله القلق والضيق. كما أن هذا السلوك يخلق لديه صراعا داخليا بين رغبته في التقدم وخوفه من نجاح الآخرين..وهو صراع قد يتجذر مع الوقت إذا لم يتداركه صاحبه بالمراجعة الصادقة والتغيير الحقيقي
وقد أثبت علماء النفس أن من يحصر نفسه دائما في دور المظلوم ويكرر أن الجميع ضده أو أن نجاح الآخرين جاء خصمًا له فإنه يعيش صراعا داخليا يحتاج إلى وعي ومراجعة للذات..لأن الإنسان لا يستطيع بناء مستقبله وهو أسير لنظرة سلبية تجاه نفسه والآخرين.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يبقى أسيرا لدائرة(الأنا) فيرى نفسه دائما مظلوما ويعتقد أن نجاح الآخرين جاء على حسابه. وهذه النظرة الضيقة قد تحرم الإنسان من تطوير ذاته لأن طاقته تضيع في مراقبة الآخرين بدلا من بناء مستقبله.
وكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فإن البداية الحقيقية تكون من داخل الإنسان.. أن يراجع أفكاره ويتخلص من مشاعر الحسد والغيرة السلبية وينظر إلى نجاح الآخرين باعتباره فرصة للتعلم وليس سببًا للإحباط.
فليس نجاح غيرك خسارة لك وليس تميز الآخرين انتقاصا من قيمتك. بل إن المجتمعات لا تنهض إلا عندما يفرح أفرادها بإنجاز بعضهم..ويقدمون الدعم والتشجيع بدلا من النقد الهدام والتقليل من الجهود.
لا نريد مجتمعا يحارب الطموح ولا بيئة تجعل المبدع يخشى إظهار قدراته نريد عيونا ترى الجمال في نجاح الآخرين وقلوبا تتمنى الخير وعقولا تدرك أن الطريق مفتوح للجميع.
كن محفزا لا محبطا..وكن سببا في صناعة الأمل لا في كسره. فالكلمة الطيبة قد تصنع إنسانًا ناجحا أما النقد الجارح فقد يطفئ حلمًا كان يمكن أن يغير حياة صاحبه.
إن الفضاء الكوني ليس ضيقا بل متسعا للجميع فنجاح شخص لا يعني فشل شخص آخر وتميز إنسان لا يسلب فرصة إنسان آخر. فالحياة ليست مكانا محدودا يتصارع فيه الناس على مقعد واحد بل هي مساحة واسعة تتسع للأحلام والطموحات المختلفة.
إن صعود أحدهم لا يعني سقوط غيره..بل إن نجاح الآخرين قد يكون مصدر إلهام ودافعا لنا لنطور أنفسنا ونحقق أهدافنا. فالمجتمعات التي تحتفي بالنجاح وتدعم المتميزين هي التي تصنع المستقبل أما المجتمعات التي تحارب إنجازات أبنائها فإنها تضيق على نفسها ما هو في الأصل واسع.



