العقوبات الأمريكية على السودان ورفض الخرطوم لها:

هل تدخل العلاقات السودانية–الأمريكية مرحلة القطيعة أم إعادة التموضع؟

بقلم/ السفير د. معاوية البخاري

لم يعد الخلاف بين الخرطوم وواشنطن يدور حول تباين في المواقف السياسية أو اختلاف في تقدير مسار الحرب الدائرة في السودان، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بتوظيف أدوات القانون الدولي ومنظومة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في إدارة الصراع السياسي بين البلدين. فقد جاء إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على السودان، استنادًا إلى اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، ليشكل نقطة تحول جديدة في العلاقات الثنائية، أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين البلدين.

وفي المقابل، جاء رد وزارة الخارجية السودانية حاسمًا برفض العقوبات واعتبارها إجراءات أحادية وغير قانونية، مؤكدة التزام السودان الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتعاونه مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومشددة على أن واشنطن لم تقدم أي أدلة تثبت مزاعمها، كما تجاهلت الآليات الفنية والإجرائية التي تنص عليها الاتفاقية الدولية للتحقق من مثل هذه الادعاءات. وبذلك انتقل الخلاف من مجرد اتهامات سياسية إلى نزاع حول شرعية الإجراءات الأمريكية واحترام قواعد القانون الدولي.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية التي تحيط بالحرب السودانية، ولا عن تصاعد التنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا عن التحولات التي طرأت على مقاربة واشنطن للأزمة السودانية وتأولها بالرواية الاماراتية، والتي يرى كثير من المراقبين أنها باتت أكثر تقاطعًا مع روايات بعض القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع. ومن هنا، فإن العقوبات الأخيرة تبدو أقرب إلى كونها أداة لإعادة تشكيل موازين الضغط السياسي والدبلوماسي، أكثر من كونها استجابة لإجراءات فنية مستقلة في إطار نظام حظر الأسلحة الكيميائية.

ومن هذا المنطلق، يثير القرار الأمريكي سؤالًا جوهريًا يتجاوز العقوبات في حد ذاتها: هل نحن أمام بداية قطيعة جديدة في العلاقات السودانية–الأمريكية تعيد إنتاج إرث طويل من انعدام الثقة والعقوبات، أم أن ما يجري يمثل مرحلة لإعادة التموضع الاستراتيجي، تستخدم فيها واشنطن الضغوط السياسية والاقتصادية لإعادة صياغة توازنات الأزمة السودانية بما يتوافق مع رؤيتها ومصالحها الإقليمية؟

 

اعادة تجربة مصنع الشفاء

ليست هذه هي المرة الأولى التي تُثار فيها اتهامات أمريكية تتعلق بأسلحة الدمار الشامل في سياق التعامل مع السودان. ففي عام 1998 شنت الولايات المتحدة غارة صاروخية على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم، استنادًا إلى مزاعم بارتباطه بإنتاج مواد تدخل في تصنيع أسلحة كيميائية. غير أن هذه المزاعم تعرضت لاحقًا لتشكيك واسع، ولم تُقدَّم أدلة قاطعة تثبتها، كما أقرت دوائر أمريكية بوجود قصور في المعلومات الاستخباراتية التي استند إليها القرار، الأمر الذي أثار انتقادات دولية واسعة بشأن مشروعية القصف وتداعياته الإنسانية والاقتصادية، وقامت واشنطن بتعويض ملاك المصنع. ولم تقتصر هذه السابقة على السودان، بل تكررت بصورة أكثر اتساعًا في العراق عام 2003، حين استُخدمت مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل لتبرير التدخل العسكري، قبل أن تثبت التحقيقات الدولية لاحقًا عدم صحة تلك الادعاءات. وفي ضوء هذه السوابق، تنظر الخرطوم إلى العقوبات الأمريكية الأخيرة بعين الريبة والكيد السياسي، معتبرةً أن الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تستوجب أدلة وإجراءات تحقق وفق الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، لا أن تُتخذ أساسًا لإجراءات أحادية الجانب ذات أبعاد سياسية وجيوسياسية.

 

من العقوبات إلى إدارة الصراع

الولايات المتحدة تبرر عقوباتها بأنها تستهدف أطرافاً ترى أنها تسهم في استمرار الحرب، أو تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، أو ترتبط بانتهاكات جسيمة، وتؤكد أن الهدف هو الضغط على جميع الأطراف للدخول في تسوية سياسية. وقد وسعت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة نطاق العقوبات لتشمل شبكات تمويل وإمداد مرتبطة بالطرفين المتحاربين، في إطار سياسة تقوم على تجفيف مصادر استمرار الحرب.

في المقابل، تنظر الحكومة السودانية إلى هذه العقوبات باعتبارها انحيازاً سياسياً، وتدخلاً في الشؤون الداخلية، ومحاولة للضغط على الدولة السودانية في مرحلة تواجه فيها تحديات أمنية وعسكرية وإنسانية غير مسبوقة على خلفية الحرب المفروضة على البلاد. ومن هذا المنطلق جاء بيان وزارة الخارجية رافضاً الإجراءات الأمريكية ومؤكداً تمسك السودان بسيادته ورفضه لأي ضغوط خارجية.

 

بيان الخارجية… رسالة إلى أكثر من طرف

لا يمكن قراءة البيان السوداني باعتباره مجرد رد دبلوماسي على قرار أمريكي، بل يحمل رسائل متعددة.

فالرسالة الأولى موجهة إلى الداخل السوداني، ومفادها أن الدولة لن تقبل ما تعتبره مساساً بسيادتها الوطنية، او اي توجهات كيدية للتشويش على شرعية الدولة وأجهزتها.

والرسالة الثانية موجهة إلى الولايات المتحدة، بأن سياسة العقوبات لم تعد الوسيلة المناسبة لإدارة العلاقة مع السودان، وأنها ستؤدي إلى مزيد من التباعد بدلاً من خلق بيئة للحوار. وأنها تلحق ضرراً بالغا بالمواطنين وسمعة البلاد لا اكثر.

أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى القوى الدولية والإقليمية الأخرى، ومضمونها أن السودان يمتلك خيارات متعددة في شراكاته الخارجية، وأن الضغوط الأمريكية قد تدفعه إلى توسيع علاقاته مع قوى دولية أخرى، وهذا خيار مثالي لا ينبغي ان يتاخر السودان عنه بانتظار المجهول.

 

هل تعود العلاقات إلى نقطة الصفر؟

شهدت العلاقات السودانية الأمريكية خلال العقود الثلاثة الماضية دورات متكررة من التصعيد والانفراج، والتأرجح بينهما.

فبعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة، جاءت مرحلة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020 ثمرة حوار ممتد لعقود، لتفتح نافذة جديدة للعلاقات الثنائية، غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 أعاد المشهد إلى نقطة مختلفة تماماً، حيث أصبحت الأولوية الأمريكية تتمثل في إدارة تداعيات الحرب ومنع اتساعها إقليمياً، رغم تراجع واشنطن عن الدعم الإنساني، بينما أصبحت أولوية الحكومة السودانية الحفاظ على مؤسسات الدولة وكسب الاعتراف الدولي بمواقفها.

لذلك فإن الأزمة الحالية لا تعني بالضرورة انهيار العلاقات بالكامل، لكنها تعني انتقالها إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها الثقة، وتتزايد فيها أدوات الضغط المتبادل، نحتاج معها الي عمل كثيف لسد الفراغ الناجم ودحض هذه الافتراءات.

 

الانعكاسات السياسية

سياسياً، ستؤدي العقوبات إلى تعقيد الحوار بين البلدين، كما ستحد من فرص بناء تفاهمات مباشرة في الملفات الثنائية.

كما قد تؤثر على قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط المقبول والنزيه لدى الحكومة السودانية، إذا ترسخ الانطباع في الخرطوم بأن الولايات المتحدة لم تعد تقف على مسافة واحدة من أطراف الأزمة.

وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات السودان إلى تعميق انفتاحه على شركاء آخرين، بما في ذلك روسيا والصين وبعض القوى الإقليمية، بما يعيد رسم خريطة توازناته الخارجية.

 

الانعكاسات الاقتصادية

رغم أن العقوبات المعلنة تستهدف جهات وأفراداً وشبكات محددة، فإن تأثيرها يتجاوز المستهدفين مباشرة.

فالمؤسسات المالية الدولية عادة ما تتعامل بحذر شديد مع أي بيئة تخضع لعقوبات أمريكية، وهو ما ينعكس على حركة التحويلات المصرفية، والاستثمارات الأجنبية، والتأمين، والنقل، والتمويل التجاري.

كما أن استمرار العقوبات يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، ويزيد من تكلفة المخاطر المرتبطة بالسوق السودانية، وهو ما يحد من فرص التعافي الاقتصادي في مرحلة يحتاج فيها السودان إلى استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار والبناء والتأهيل لما دمرته الحرب.

 

الانعكاسات الدبلوماسية

ستجد الدبلوماسية السودانية نفسها أمام اختبار مهم يتمثل في إدارة الخلاف مع واشنطن دون تحويله إلى قطيعة شاملة.

فالولايات المتحدة لا تزال وستظل فاعلاً أساسياً داخل مجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية، كما أن كثيراً من ملفات السودان الإنسانية والاقتصادية تمر عبر ترتيبات دولية يصعب تجاوز الدور الأمريكي فيها، ولكن بالقطع لن تكون على حساب السيادة والامن القومي للبلاد.

ومن ناحية أخرى، فإن نجاح السودان في شرح مواقفه القانونية والسياسية أمام المجتمع الدولي سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن معركة الرواية السياسية أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة الصراع، على خلفية التدخلات الخارجية وحرب الارادات.

 

بين الضغوط والتفاوض

تاريخ العلاقات الدولية يشير إلى أن العقوبات ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما أداة تفاوضية.

ففي كثير من الحالات تبدأ العقوبات كوسيلة للضغط، لكنها تنتهي إلى طاولة تفاوض عندما تدرك الأطراف أن كلفة المواجهة المستمرة أصبحت أعلى من كلفة التسوية.

ولذلك فإن مستقبل العلاقات السودانية الأمريكية لن تحدده العقوبات وحدها، بل ستحدده أيضاً تطورات الحرب، وعزم الدولة على دحر التمرد وعدم السماح له بأن يكون جزءاً من اي تسوية سياسية، الي جانب مواقف القوى الإقليمية المحايدة، وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، إضافة إلى قدرة الطرفين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم الخلافات.

 

خاتمة

إن العقوبات الأمريكية الأخيرة في هذا التوقيت المفصلي الذي تعيشه البلاد، ليست مجرد إجراء قانوني أو مالي، ولا مجرد خلاف ثنائي عابر، بل تمثل مؤشراً على انتقال العلاقات السودانية–الأمريكية إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي الأمريكي مع حسابات النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، تبدو الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية جزءاً من منظومة أوسع لتكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية على الخرطوم، أكثر من كونها قضية فنية محكومة بآليات اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وفي المقابل، فإن رفض السودان لهذه العقوبات لا يعكس مجرد اعتراض على إجراء أمريكي، بل يؤكد تمسكه بموقفه القانوني والسيادي، واستناده إلى التزاماته الدولية ورفضه تجاوز الآليات متعددة الأطراف المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية. غير أن المرحلة المقبلة ستتطلب دبلوماسية أكثر فاعلية وقدرة على إدارة المعركة القانونية والسياسية في آنٍ واحد، عبر توسيع دائرة الحوار مع الشركاء الدوليين، وتعزيز حضوره داخل المؤسسات الدولية، وبناء رواية وطنية تستند إلى الوقائع والقانون الدولي.

ويبقى السؤال الجوهري: هل تمثل هذه العقوبات بداية مرحلة جديدة من الاحتواء والضغط الاستراتيجي على السودان، أم أنها ستظل ورقة تفاوض ضمن عملية أوسع لإعادة صياغة العلاقات بين الخرطوم وواشنطن في ضوء التحولات الإقليمية والدولية؟ إن الإجابة لن تحددها العقوبات وحدها، بل ستتوقف على مآلات الحرب في السودان، وطبيعة التوازنات الدولية، وقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المصالح ومنطق التسوية القابلة للنفاذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى