ايمن كبوش يكتب : عبقرية قرارات (العودة الطوعية)

أفياء..

# يبدو أن نجاح مشروع (العودة الطوعية) للسودانيين من مصر وليبيا ويوغندا، والذي كان حلما ثم اصبح واقعا معاشا ومؤثرا في حياة الناس، قد أصاب بعض الجهات الرسمية في بلد ملتقى النيلين بالصداع الشديد، فكشف عن (رواكيب الخريف) التي كانت تتغطي بالليل الكئيب إلى أن عاد الصباح.. فأزاح القناع الكذوب والمساحيق عن الكثير من حالات العجز وقلة الحيلة، أمام تقديم الخدمات الأساسية والضرورية للمواطنين بغض النظر عن جودتها وآدميتها.

# في المرة الوحيدة التي كنت فيها شاهدا ومتابعا لصيقا لمشروع (العودة الطوعية) عندما كان بين يدي (منظومة الصناعات الدفاعية) وإشراف مباشر ودقيق من المهندسة النابهة (أميمة عبد الله)، وقفت ذات يوم على مآسي عديدة عند محطة رمسيس.. وأدركت أن الحرب قد رسمت معالمها وخيوط بؤسها على تفاصيل السودانيين، الذين وقع عليهم المشروع بردا وسلاما، لما فيه من العناية والرعاية (من طق طق إلى سلام عليكم)، ولكن العجز الحقيقي، بل كان كل العجز يتبدى في جوانب أخرى وصلت إلى المطاردات والمشاحنات ما بين المواطنين العائدين وعمال المحطة الذين ينقلون العفش من الخارج إلى داخل القطار والرصيف تمانية تحديدا، لم يكن العجز بسبب خمسمائة جنيه مصري، ولا حتى مائة، بل كان النقاش يحتدم ويشتعل عاليا بسبب خمسين جنيهاً وما دونها، لأن القادم الى المحطة يأتيها وقد خلّص على كل ما لديه من أموال وبات في انتظار الفرج وفجر الخلاص من بين اشواق (من بف نفسك يا القطار)… ولكن.. !

# عندما قالت اماني الطويل (ربما) تكون الملاحقات الأمنية المصرية تجاه السودانيين، قد جاءت بطلب من الحكومة السودانية، ضجت السوشيال ميديا وهاج الناس وماجوا فتحملت السفارة عبء النفي بحجية أنها (عودة طوعية اختيارية) ليس فيها إجبار.. وكانت الحجة مقنعة وموضوعية.. إلا أن ما أكدته الأيام لاحقا أن حكومة امل وبدر تحديدا، غير قادرة على التحمل، وهي ربما لا تدري بأن من بإمكانهم مضاعفة اوجاعها، حقا، مازالوا خارج نطاق التفاعل مع هذه الأحداث، ومنها العودة الطوعية، وهم ليسوا في حاجة لعودة طوعية أو أدنى منحة من الدولة.. جوازاتهم مجددة وقادرون كذلك على تجديدها في أي وقت أرادوا، وعندما يقررون العودة سوف يعودا عبر المطار لكي يلقوا نظرة على كآبة المنظر في أحياء الخرطوم الكبيرة التي مازالت عبارة عن مدينة أشباح تحتاج لمن يحولها إلى متحف حربي تحت عنوان كانت هنا مدينة، اما القادمون بقطارات وبصات العودة الطوعية، ايها السادة في الجناب العالي، فهم السودانيون الذين افقرتهم هذه الحرب اللعينة، وجعلتهم (على الحديدة) لا يملكون قوت يومهم خارج الدولة، فأرادوا (السِتر) داخل أراضي دولتهم، كاد المشروع يمضي الى غاياته النبيلة، قبل أن يكتشف قطاع مهم في الدولة الحالمة، بأن هؤلاء المندفعين إلى العودة يملكون ما ينقلهم إلى سفارتهم التي (لا تهش ولا تنش) في التجمع الخامس، لكي يحصلوا على وثيقة سفر.. يا للعبقرية.. أن كان جموع السودانيين الذين يتدافعون نحو بوابات السفر الى الخرطوم وعطبرة ومدن السودان المختلفة يملكون حق تجديد جوازات السفر كأسر متعددة الأطراف، لنالوا بذلك شهرا أو شهرين إضافيين في بلاد الغربة حيث تحترم انسانيتهم بالكهرباء الصامدة والمياه النقية ونبض الحياة ولكن ماذا نقول غير (السترة والفضيخة متباريات).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى