تعداد 2030: بوصلة التعافي والنهضة لسودان المستقبل

شيء للوطن

بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

في مسيرة الأمم نحو النهوض من كبوات النزاعات المدمرة، لا تقتصر إعادة البناء على ترميم الجدران وتعبيد الطرقات فحسب، بل تبدأ حتماً من ترميم الذاكرة المعلوماتية وتأسيس قاعدة بيانات وطنية صلبة تعكس الواقع الجديد بكل تعقيداته. لا يمكن لأمة، مهما بلغت طموحاتها، أن تبني مستقبلاً مستداماً في ظل العتمة الإحصائية، ولا لسياسة تنموية أن تؤتي أكلها وهي ترتكز على أرقام مجهولة أو تجاوزها الزمن. إن الحروب والأزمات العميقة لا تعيد صياغة المشهد السياسي والجغرافي فحسب، بل تحدث زلزالاً ديموغرافياً واجتماعياً يقلب كافة الموازين والمؤشرات السابقة رأساً على عقب. وفي المشهد السوداني الراهن، الذي يقف على أعتاب مرحلة انتقالية حاسمة يسعى فيها نحو التعافي الشامل واستعادة الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، تجد “حكومة الأمل” نفسها أمام استحقاق ومسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل؛ وهي جعل الاستثمار في إنتاج المعلومة الإحصائية الدقيقة والموثوقة واجباً وطنياً مقدساً. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، يبرز التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت، المقترح مني شخصيا بأن يتم إنجازه بحلول عام 2030، ليس كأداة بحثية روتينية، بل كهدف قومي أسمى وبوصلة استراتيجية لا غنى عنها لرسم ملامح النهضة الوطنية وإرساء دعائم العدالة التنموية الشاملة.

لم يكن السودان يوماً بعيداً عن إدراك أهمية الإحصاء في توجيه دفة الدولة، فقد عرفت البلاد العمل الإحصائي المنهجي منذ منتصف القرن العشرين. شكل التعداد الأول (1955/1956)، الذي أُجري عشية استقلال البلاد، محطة تأسيسية بالغة الأهمية؛ إذ ساهم في حصر الموارد البشرية وتحديد الملامح الأولى للهوية الديموغرافية للدولة الوطنية الناشئة. توالت بعد ذلك الجهود الوطنية من خلال دورات تعداد متعددة، أبرزها في عامي 1973 و1983، والتي سعت لربط النمو السكاني بخطط التنمية الإقليمية آنذاك. وصولاً إلى آخر تعداد شامل جرى إجراؤه في عام 2008، والذي اكتسب أهمية مضاعفة لكونه التعداد الأخير قبل التغير التاريخي في الخارطة الوطنية وانفصال جنوب السودان في عام 2011.

ورغم القيمة التاريخية والسياسية الاستثنائية التي مثلتها نتائج تلك التعدادات، إلا أن المراجعة النقدية لتلك التجارب تكشف أنها ظلت في الغالب محكومة بظروف بيئية وسياسية بالغة التعقيد. فقد تزامنت العديد من تلك الدورات مع فترات من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة في الأطراف، فضلاً عن التحديات اللوجستية الفائقة المتمثلة في شساعة مساحة البلاد وضعف البنية التحتية والمواصلات في العديد من الأقاليم، مما انعكس أحياناً في تباينات حول دقة التغطية الشاملة لبعض المناطق النائية والمهمشة.

أما عند الانتقال لقراءة الواقع الديموغرافي والعمراني الراهن، نجد أن الحرب الطاحنة التي اندلعت في أبريل 2023 قد وجهت ضربة قاضية ومباشرة للبنية التحتية الإحصائية في البلاد وأحدثت شرخاً عميقاً في المشهد السكاني بأسره. لقد تمخض هذا النزاع العنيف عن واحدة من أكبر وأعقد أزمات النزوح الداخلي واللجوء الخارجي على مستوى العالم في العصر الحديث. وفي خضم هذه المأساة، تحولت مراكز حضرية كانت تنبض بالحياة والكثافة السكانية إلى مدن شبه خالية أو متغيرة المعالم، بينما شهدت الولايات والمناطق الآمنة طوفاناً بشرياً تجاوز بأضعاف مضاعفة طاقتها الاستيعابية من حيث البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ولم تقتصر أضرار الحرب على الجانب البشري فحسب، بل امتدت لتشمل تدميراً منهجياً وتضرر آلاف المنشآت الاقتصادية والتجارية والصناعية، والمرفقية. والأخطر من ذلك كله هو فقدان وتلف جانب كبير وهام من السجلات الإدارية ومستندات السجل المدني والخرائط الميدانية في العديد من المدن والمحليات. وبناءً على ذلك، تجد مؤسسات الدولة نفسها اليوم تدير الشأن العام، في مجالات حيوية كالصحة والتعليم وتوزيع الإغاثة وإدارة الموارد، في ظل فراغ إحصائي قاتل؛ حيث لا مفر من الاعتماد على تقديرات افتراضية أو تقارير وإسقاطات إحصائية قديمة لا تمت للواقع المتغير والمتسارع بصلة.

أمام هذا الواقع المعقد، يبرز اقتراح جعل عام 2030 الموعد المستهدف والنهائي لإنجاز التعداد القومي السادس، ليس كخيار عشوائي، بل كقرار استراتيجي يمتلك دلالات وأبعاداً عميقة. أولاً، تتزامن هذه السنة المحورية مع الموعد الختامي لتقييم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs 2030)، مما سيمنح السودان منصة دولية لتقديم تقييم علمي دقيق ومدلل بالأرقام حول مدى تعافيه وقدرته على إعادة الاندماج في المنظومة التنموية العالمية. ثانياً، يوفر المدى الزمني الفاصل عن عام 2030 لـ “حكومة الأمل” النافذة الزمنية الكافية والمطلوبة بشدة لترتيب البيت الداخلي؛ من خلال استكمال مسارات السلام واستعادة الاستقرار الأمني الشامل، وتوفير التمويل، وإعادة تأهيل وتجهيز الجهاز المركزي للإحصاء بأحدث التقنيات، والبدء في استعادة السجلات المدنية وبناء القواعد الرقمية المطلوبة قبل التنفيذ الميداني الشامل.

ثانياً: الحتمية الوطنية للتعداد بعد الحرب كأداة للإنقاذ والتأسيس الجديد

يجب التأكيد بقوة على أن إنجاز التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت في حقبة ما بعد الحروب والنزاعات الشاملة يتجاوز بكثير كونه مجرد إجراء حكومي تنفيذي أو نشاطاً إحصائياً روتينياً. إنه في جوهره يمثل الأداة الأهم للإنقاذ الوطني وعملية إعادة تأسيس كاملة ومنهجية للدولة ومؤسساتها، وذلك استناداً لمحاور جوهرية منها : إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والحد من العشوائية التخطيطية، حيث أفرزت الحرب واقعاً ديموغرافياً جديداً يتسم بإعادة توزيع قسرية وعشوائية للسكان. لقد باتت العديد من المحافظات والولايات المستقرة تتحمل أعباء تفوق قدراتها الاستيعابية الطبيعية. يمثل التعداد الوسيلة العلمية الوحيدة والموثوقة للتعرف الدقيق على تفاصيل الخريطة السكانية المستحدثة؛ أين تتركز الكتل البشرية الآن؟ ما هي التجمعات السكنية العشوائية أو المؤقتة التي نشأت جراء النزوح وتحتاج إلى تقنين أو معالجة؟ وما هي نسب ومسارات العودة الطوعية إلى المناطق المحررة؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات هي الخطوة الأولى والضرورية لإعادة توزيع الكثافات السكانية الفعلية، ومن ثم توجيه الموارد وإدارة الخدمات الأساسية كالماء، والكهرباء، والصرف الصحي، والخدمات الصحية بشكل عادل وفعال.

التخطيط التنموي القائم على البراهين لإدارة ملف إعادة الإعمار، حيث تقف “حكومة الأمل” أمام مهمة جسيمة تتمثل في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُدار عمليات التخطيط لإنشاء مشاريع السكن التنموي الجديد، أو اتخاذ قرارات إعادة بناء المدارس والمستشفيات والمرافق العامة، أو رسم مسارات تمديد شبكات البنية التحتية، بناءً على الحدس أو الاجتهادات الفردية. يتطلب الإعمار المستدام معرفة دقيقة ومحدثة بالهرم السكاني، وتوزيع الفئات العمرية (لمعرفة احتياجات التعليم والرعاية الصحية المحددة)، ومعدلات الخصوبة والوفيات، ومتوسط حجم الأسر في كل منطقة، لضمان أن تكون الاستثمارات في مكانها الصحيح وأن تُلبي الاحتياجات الفعلية والمستقبلية للمجتمعات المحلية.

صياغة سياسات الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة التوزيعية: من أشد التداعيات إيلاماً للحرب هو اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. سيوفر التعداد الشامل القاعدة البياناتية اللازمة لحصر دقيق للفئات الأكثر تضرراً وتأثراً بالحرب، بما في ذلك الأسر التي فقدت عائلها، والأرامل، والأيتام، والأشخاص الذين أصيبوا بإعاقات نتيجة النزاع، فضلاً عن تحديد معدلات الفقر والبطالة الحقيقية. هذه البيانات هي الركيزة الأساسية التي ستمكن الدولة من إعادة هيكلة وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي بدقة، وتوجيه المساعدات الإغاثية والمشروعات التنموية متناهية الصغر بعيداً عن التخمين أو المحسوبية، وبما يضمن وصول الدعم لمستحقيه الفعليين والقضاء على جيوب التهميش.

تعداد المنشآت كمنطلق أساسي للتعافي الاقتصادي: لا تتوقف أهمية التعداد القومي عند حدود حصر الأفراد والأسر، بل يمتد أفقه ليشمل حوراً حيوياً آخر هو تعداد المنشآت بمختلف أحجامها وأنواعها (الاقتصادية، والتجارية، والصناعية، والخدمية). يمثل هذا الحصر الشامل الآلية الدقيقة لتقييم حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالبنية الاقتصادية جراء الحرب. كما سيتيح التعداد التعرف على التغيرات في خريطة الأنشطة الاقتصادية، وتقدير الحجم الحقيقي للقطاع غير الرسمي الذي تمدد بشكل كبير كبديل لغياب الدولة. بناءً على هذه المخرجات، ستتمكن الحكومة من رسم سياسات نقدية ومالية مشجعة للاستثمار، ووضع خطط مستهدفة للتعافي الاقتصادي، وتحفيز التشغيل، وتوسيع المظلة الضريبية بشكل عادل ومنصف.

ثالثاً: استلهام الدروس وتوطين المنهجيات من التجارب الإقليمية الرائدة

لضمان تجاوز التحديات التقنية واللوجستية التي واجهت التعدادات السابقة، ولمواكبة الثورة الرقمية في مجال جمع وتحليل البيانات الإحصائية، تستدعي التجربة السودانية القادمة ضرورة الاطلاع العميق والتفكير في توطين النماذج والمنهجيات الإقليمية الناجحة. لقد حققت العديد من الدول الشقيقة والمجاورة قفزات نوعية ملحوظة في مجالات التحديث الإحصائي والتخطيط القومي، واعتمدت منهجيات وتقنيات معاصرة في إدارة التعدادات القومية، الحضرية منها والريفية، والتي يمكن استخلاص الدروس التالية منها واعتمادها كمرتكزات لتحديث التعداد السوداني:

تبني المنهج الإحصائي المدمج: يمثل هذا المنهج التوجه الحديث عالمياً، حيث لا يعتمد فقط على العمل الميداني التقليدي، بل يرتكز على المزج بين مخرجات الحصر الميداني الإلكتروني الشامل لجمع بيانات المباني والسكان والمنشآت، ومطابقتها وتقاطعها مع قواعد بيانات السجلات الرقمية التراكمية لمؤسسات الدولة. يهدف هذا الدمج إلى بناء سجلات إحصائية مركزية موحدة تتميز بأقصى درجات الدقة والموثوقية والتحديث المستمر.

إرساء حوكمة مؤسسية رفيعة المستوى: لضمان تذليل كافة العقبات الإدارية والمالية والأمنية التي قد تعترض العمل الإحصائي، يتوجب تشكيل لجنة عليا قومية للتعداد تحظى برعاية ومتابعة مباشرة من أعلى سلطة تنفيذية في الدولة. ينبثق عن هذه اللجنة أمانة فنية ولجان فرعية متخصصة تضمن تحقيق أعلى مستويات التنسيق والتكامل بين الأجهزة الإحصائية المركزية والولائية، ووزارات التخطيط الاقتصادي، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن الأجهزة الأمنية والسيادية لتأمين الفرق الميدانية وتسهيل مهامها.

التكامل الرقمي وبناء خريطة الثروة العقارية: يعد الربط الشبكي والتكامل التكنولوجي ضرورة حتمية. يجب تأسيس شراكة استراتيجية بين الأجهزة الإحصائية ووزارات الاتصالات والجهات المعنية بنظم المعلومات الجغرافية لإنتاج وتوفير خرائط رقمية جغرافية محدثة وآمنة تغطي كافة أنحاء البلاد. إن توفر بنية تحتية آمنة لتبادل البيانات المشفرة سيمكن من إدارة العمل الميداني بكفاءة عالية، وتتبع فرق الحصر لحظياً، وضمان الوصول إلى كافة التجمعات السكانية بدقة متناهية.

الربط العضوي بين مخرجات التعداد والمبادرات التنموية الكبرى: يجب ألا ينتهي دور التعداد بإصدار النتائج ونشر الجداول، بل يجب أن تُشكل بياناته المعمارية الدقيقة حجر الأساس الذي تُبنى عليه وتُصمم كافة المشروعات والمبادرات القومية الكبرى التي ستنفذها الدولة مستقبلاً. يشمل ذلك مبادرات تطوير وتنمية الريف، وتحديد واستهداف المناطق الأكثر احتياجاً، والاعتماد عليها بشكل كلي في صياغة الاستراتيجيات القومية للسكان والتنمية وسياسات الإسكان القومي ومكافحة الفقر.

إدارة حملات إعلامية وتوعوية قومية ومبتكرة: لضمان تعاون مجتمعي واسع ومشاركة فعالة، يتوجب تصميم وتنفيذ حملات إعلامية وتوعوية قومية مبتكرة تخاطب كافة فئات المجتمع وبمختلف اللغات واللهجات المحلية. يجب أن تركز هذه الحملات على تنمية الوعي المجتمعي بأهمية الإدلاء بالبيانات الصحيحة والدقيقة كواجب وطني يساهم في تحسين مستوى الخدمات وتطوير جودة الحياة، مع التأكيد الصارم والمدعوم بالقانون على سرية البيانات الفردية وعدم استخدامها لأي أغراض خارج النطاق الإحصائي والتنموي.

رابعاً: نحو تعداد السودان 2030.. رؤية استراتيجية ونداء إلى “حكومة الأمل”

إن الدعوة الموجهة اليوم، بكل إلحاح وإصرار، إلى “حكومة الأمل” للبدء الفوري في وضع التخطيط القومي الشامل والمبكر لإنجاز تعداد 2030، هي في جوهرها دعوة لإحداث قطيعة تاريخية مع سياسات العفوية والارتجال ونهج إدارة الأزمات بالقطعة. إنها دعوة للعبور بثقة نحو تبني منهجيات التخطيط العلمي المحكم، وإرساء مبادئ حوكمة الموارد وإدارتها بكفاءة وشفافية.

إن سودان ما بعد الحرب، المثخن بالجراح والذي يتطلع أبناؤه بشغف نحو مستقبل يسوده السلام والاستقرار والرخاء، بحاجة ماسة ومُلحة لترسيخ دعائم هذا المستقبل المنتظر على أسس صلبة وموثوقة من الحقائق الدامغة والبيانات الدقيقة. هذا المشروع القومي الضخم لا يمكن أن يُنجز بجهود جهة منفردة، بل يتطلب تكاتفاً وتلاحماً غير مسبوق لجهود كافة مؤسسات الدولة القومية والولائية، جنباً إلى جنب مع الشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص، والمساهمة الحيوية لمنظمات المجتمع المدني والإدارة الأهلية، وبدعم ومساندة من الشركاء الدوليين والإقليميين.

إن التعداد القومي المقترح إنجازه في عام 2030 لن يكون مجرد عملية إحصائية عابرة، بل سيكون بمثابة أعظم وأهم وثيقة وطنية معاصرة تُؤرخ بحق لبداية مسيرة نهضة السودان وتعافيه الشامل. وثيقة تضمن وترسخ مبادئ العدالة المكانية والاجتماعية في توزيع ثروات وموارد وخدمات الدولة، ليتمتع بها كافة أبناء وبنات هذا الوطن المعطاء بكل تجرد واستحقاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى