المشتركة تقدم درسها الأبلغ وتروي أرض كردفان بدماء القادة..

ما وراء الخبر
تقرير تحليلي | علم الدين عمر
عمليات مسك الختام تربك حسابات المليشيا..
تنسيق عسكري محكم يعيد رسم خريطة المعركة ويؤسس لمرحلة الحسم..
الهجوم المتزامن من عمق كردفان يبدد رهان التشتيت ويعزز وحدة الجبهة الوطنية..
بشكل مفاجئ ..مباغت..أستيقظت مؤشرات التغطية الخبرية ليوميات الحرب في السودان علي تحول كامل لسير المعارك التي تشهدها جبهات كردفان التي تحولت مساء الخميس وصباح الجمعة من مجرد مواجهات ميدانية متفرقة لإنتقال المؤسسة العسكرية السودانية إلى مرحلة أكثر تطوراً في إدارة العمليات تقوم على التخطيط بعيد المدى.. والتنسيق المتكامل بين القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة..بما يحقق وحدة القرار العسكري ويضاعف من فعالية العمليات على الأرض.. الإنتصارات التي تحققت خلال الساعات الماضية في شمال وغرب كردفان..وتحرير مناطق بارا وأم قرفة وجريجخ وإحكام السيطرة على طريق الصادرات أم درمان–الأبيض.. لا يمكن قراءتها كمكاسب جغرافية فحسب..هي مؤشر على تحول نوعي كامل في طبيعة إدارة معركة الكرامة..ودخولها مرحلة “عمليات مسك الختام” بحسب رئيس أركان القوات المسلحة السودانية الفريق أول ياسر العطا..
هذه التطورات جاءت في توقيت بالغ الحساسية..إذ كانت مليشيا الدعم السريع تراهن على نقل مركز الثقل العسكري إلى دارفور..والعمل على تشتيت جهود القوات المسلحة عبر فتح أكثر من جبهة..مستفيدة من المساحات الجغرافية الواسعة وطبيعة الإنتشار العسكري..غير أن ما حدث في كردفان قلب هذه الحسابات رأساً على عقب.. بعدما وجدت المليشيا نفسها أمام هجوم متزامن ومنسق من عدة محاور..نفذته تشكيلات عسكرية مختلفة بروح عملياتية واحدة.. الأمر الذي أفقدها القدرة على المناورة..وأجبرها على الإنسحاب من مواقع كانت تعدها ذات أهمية إستراتيجية..
من الدفاع إلى المبادأة..
كشفت العمليات الأخيرة عن تحول واضح في فلسفة إدارة الحرب.. فالقوات المسلحة لم تعد تكتفي برد الفعل أو استعادة المواقع التي تتعرض للهجوم..بل إنتقلت لمرحلة المبادأة..واختيار زمان ومكان الإشتباك..وفرض إيقاع العمليات على الخصم..
هذه النقلة تعكس تطوراً في الأداء العملياتي..حيث أصبح التنسيق بين القوات النظامية والتشكيلات الوطنية المختلفة أكثر إحكاماً..وهو ما انعكس في القدرة على تنفيذ هجمات متزامنة أربكت خطوط إمداد المليشيا..وأفقدتها ميزة الحركة السريعة التي اعتمدت عليها منذ إندلاع الحرب..
يبدو أن هذا المستوى من التنسيق جاء ثمرة عمل تراكمي داخل المؤسسة العسكرية تقوده هيئة القيادة العامة ورئاسة الأركان..من خلال إدارة موحدة للمعركة..تقوم على توزيع الأدوار.. وتكامل المهام.. والإستفادة من الخبرات المتراكمة خلال أشهر الحرب.. بما يحقق أعلى درجات الكفاءة في استخدام الموارد والقدرات العسكرية..
كردفان… مفتاح المعادلة العسكرية..
ليست كردفان مجرد ساحة قتال إضافية كما يعتقد البعض..فكردفان تمثل حلقة الوصل بين وسط السودان وغربه..كما تشكل بوابة الإمداد الرئيسية نحو دارفور..ولذلك فإن السيطرة على طرقها ومحاورها تعني عملياً التحكم في حركة القوات والإمدادات.. وحرمان الخصم من أحد أهم خطوطه اللوجستية..
من هذه الزاوية تكتسب السيطرة على طريق الصادرات أم درمان–الأبيض أهمية إستثنائية.. لأنه ليس طريقاً إقتصادياً فحسب.. إنما يمثل شرياناً إستراتيجياً تتحرك عبره الإمدادات العسكرية واللوجستية.. وإحكام السيطرة عليه يضيق خيارات المليشيا..ويمنح القوات النظامية أفضلية عملياتية في إدارة المعركة خلال المرحلة المقبلة..
كما أن تحرير أم قرفة وجريجخ إلي جانب بارا وكامل منطقة دار حامد يضيف بعداً آخر.. يتمثل في تأمين نطاقات واسعة كانت تمثل نقاط إرتكاز للمليشيا..بما يحد من قدرتها على إعادة التموضع أو تنفيذ عمليات إلتفاف تستهدف المناطق الآمنة..
المشتركة..حضور يتجاوز البعد العسكري..
من أبرز ما كشفت عنه معارك كردفان.. الحضور المؤثر للقوة المشتركة التي خاضت العمليات جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة..وقدمت عدداً من كبار قادتها شهداء في الميدان.. يتقدمهم اللواء عبدالله هنو شرف الدين أبكر “عبدالله شوا”.. واللواء عبدالعزيز نيري المعروف بـ”مستر هجوم”..وعدد من الشهداء الذين رووا بدمائهم أرض كردفان في مشهد يعكس حجم المشاركة والتضحيات التي قدمتها مختلف التشكيلات الوطنية..
وتحمل هذه المشاركة رسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن المعركة هي الأخيرة فعلاً لإسترداد ما تبقي من التراب السوداني بمشاركة الجميع..حيث أصبحت معركة وطنية تتقاطع فيها إرادة الدولة مع إرادة القوى الوطنية التي اختارت الإصطفاف إلى جانب مؤسساتها الشرعية..
كما أن هذا التنسيق يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن محاولات تصوير المشهد العسكري كساحة متنازعة بين مكونات متفرقة لم تعد تعكس الواقع.. في ظل تنام واضح في مستويات التنسيق والعمل المشترك..
إبطال رهان التشتيت..
إعتمدت المليشيا خلال الأشهر الماضية على إستراتيجية تقوم على تشتيت القوات النظامية بين جبهات متعددة ومفتوحة ..مع محاولة إستنزاف قدراتها عبر عمليات متزامنة في أكثر من محور..
غير أن العمليات الأخيرة أظهرت أن هذه الإستراتيجية بدأت تفقد فعاليتها.. بعدما نجحت القوات المسلحة وشركاؤها في تنفيذ هجوم واسع مباغت من عمق كردفان بينما كانت المليشيا تعتقد أن ثقل العمليات سيتجه نحو دارفور وحدها..
هذا المفاجئ العملياتي أربك حسابات المليشيا.. لأنها وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع أكثر من محور في وقت واحد..وهو ما أنعكس علي سرعة إنهيار مواقعها..وتراجع قدرتها على الحفاظ على خطوطها الدفاعية..
وتشير القراءة العسكرية إلى أن نجاح الهجوم المتزامن لا يرتبط فقط بعنصر المفاجأة.. بقدر ما يعكس وجود منظومة قيادة وسيطرة أكثر تطوراً وفاعلية..وقدرة على التنسيق بين مختلف الوحدات والتشكيلات بما يضمن وحدة الهدف وتكامل الأداء..
الجبهة الداخلية.. شريك في الحسم..
لا يمكن فصل النجاحات العسكرية عن التحولات التي تشهدها الجبهة الداخلية..فكلما ارتفعت مستويات التنسيق العسكري.. إزدادت الحاجة إلى جبهة سياسية ومجتمعية أكثر تماسكاً..تدعم مؤسسات الدولة وتحصن ظهر القوات التي تخوض المعركة..
لقد أثبتت الحرب أن الإنتصار تصنعه أيضاً وحدة الإرادة الوطنية..وتكامل الأداء بين المؤسسات..والقدرة على عزل خطاب الإنقسام..وإحباط محاولات الإستثمار في الخلافات الداخلية..
من هنا تبدو المرحلة المقبلة بحاجة إلى توسيع دائرة الإصطفاف الوطني.. ليس على أساس الانتماءات السياسية الضيقة.. إنما على أساس حماية الدولة السودانية..وصيانة مؤسساتها.. واستكمال معركة استعادة الأمن والإستقرار..
في المقابل..فإن إستمرار المؤامرات الخارجية ومحاولات إطالة أمد الصراع يجعل من تماسك الجبهة الداخلية عاملاً لا يقل أهمية عن الإنجاز العسكري.. لأن المعركة لم تعد تدار في الميدان الجغرافيا وحده.. دخلت جبهات السياسة والإعلام والدبلوماسية والرأي العام كعوامل حاسمة وحاكمة..
ما بعد كردفان..
تشير المؤشرات الحالية إلى أن العمليات العسكرية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها تضييق الخناق على المليشيا..وتقليص قدرتها على المناورة..واستعادة المبادرة بصورة متواصلة..وإذا أستمر هذا النسق من التنسيق بين القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة.. فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التحولات في خريطة السيطرة الميدانية..
وفي الوقت نفسه.. فإن إستشهاد عدد من كبار القادة الميدانيين يؤكد أن كلفة المعركة لا تزال مرتفعة..وأن طريق الحسم يتطلب إستمرار وحدة الصف الوطني.. وتقدير تضحيات المقاتلين الذين يدفعون الثمن في خطوط المواجهة الأمامية..
لقد حملت معارك كردفان أكثر من رسالة في توقيت واحد..رسالة عسكرية تؤكد تطور الأداء العملياتي.. ورسالة سياسية تعكس إتساع دائرة التنسيق الوطني.. ورسالة إستراتيجية مفادها أن رهانات إستنزاف الدولة وتشتيت جهودها لم تعد تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها المليشيا..
وبقدر ما تمثل هذه الإنتصارات خطوة متقدمة في مسار العمليات العسكرية.. فإن قيمتها الحقيقية تكمن في أنها تعزز الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على العمل المشترك..وترسخ معادلة جديدة عنوانها أن وحدة القيادة..وتكامل الجهود العسكرية والوطنية..أصبحت أحد أهم مفاتيح إدارة المرحلة.. وصولاً إلى استعادة الأمن..وبسط سلطة الدولة على كامل التراب السوداني.




