(خريف العودة) .. هل تصمد الخرطوم أمام أول موسم أمطار بعد عودة أهلها ؟

“حكومة الولاية تُجيب”
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي أفرغت العاصمة السودانية من سكانها، تستقبل الخرطوم هذا العام أول خريف منذ بدء موجات العودة الكبيرة إلى أحيائها وأسواقها. أكثر من مليوني عائد اختاروا استئناف حياتهم في مدينة أنهكتها الحرب قبل أن تُنهكها الأمطار، ليجدوا أنفسهم أمام اختبار جديد: هل تتحمل بنية تحتية متهالكة، وخدمات متقطعة، ضغط موسم يعرف تقليدياً بأنه الأصعب على المدن السودانية؟
من الطرق المتشققة إلى شبكات الصرف الصحي المعطلة، ومن انقطاعات الكهرباء المتكررة إلى مخاوف الأمراض الموسمية، يرصد هذا التقرير واقع الاستعداد الرسمي لخريف العودة، من خلال إفادة رسمية لحكومة الولاية، ومحاولة الحصول على موقف وزارة الصحة الاتحادية.

الناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم لـ”العودة”
(البيتومين) أكبر تحدٍّ نواجهه يُعطّل صيانة طرق الخرطوم
الولاية بدأت التحضير للخريف قبل ستة أشهر كاملة
ميزانية الخريف موزّعة على ثلاث جهات
تعزيز الجسور في غرب أم درمان وأمبده لمنع انهيارها بالسيول
فقدنا الكثير من مكونات الصرف الصحي
الحرب ضربت شبكة تصريف لا تغطي أصلاً سوى 10% من المدينة
تذبذب العملة يدفع الشركات للعزوف عن توريد مواد الأسفلت
حجم المخلفات لا يزال كبيراً”
نناشد أصحاب المنازل راقبوا أسقفكم بأنفسكم… فالدولة وحدها لا تكفي
والي الخرطوم يطالب المنظمات الدولية بالتزامات واضحة لا وعود عامة
عطاءات جديدة لشركات لصيانة الطرق رغم شح التمويل
العودة: نشوة أحمد الطيب
استعداد مبكر وتحديات أكبر
أكد الأستاذ الطيب سعد الدين وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، في حديثه لـ”العودة” أن التحضير لموسم الخريف لم يكن وليد اللحظة موضحاً أن الولاية بدأت الإعداد قبل أكثر من ستة أشهر عبر لجنة عليا يشرف عليها والي الخرطوم مباشرة، إلى جانب لجنة طوارئ تتبع لوزارة البنية التحتية ولجان خريف على مستوى المحليات، وغرف طوارئ تعمل على مدار الساعة.
وأوضح الوزير أن العمل توزع على عدة محاور متوازية أبرزها تطهير المصارف القائمة من الأتربة والأوساخ و تجهيز الخيران الرئيسية التي تصرف إليها مياه الأمطار محذراً في الوقت ذاته السكان المقيمين على ضفافها من مخاطر السيول ،وأضاف أنه جرت مراجعة الطلمبات المرتبطة بالمصارف الرئيسية في أم درمان والخرطوم.
كما كشف عن تعزيز الجسور الواقية من السيول في غرب أم درمان وغرب أمبده مناشداً المواطنين بعدم استخدام تراب هذه الجسور في أعمال البناء، لما يمثله ذلك من خطر على المنازل الواقعة أسفلها.
وأردف بأن العمل يشمل أيضاً تعلية السدود النيلية في نقاط التسرب، بالتنسيق مع هيئة الأرصاد الجوية التي تزوّد الولاية بمؤشرات الموسم.

أزمة البيتومين تعطل صيانة الطرق
وفيما يتعلق بالطرق أقرّ الناطق الرسمي بأن الحرب “تركت آثاراً واضحة” مبيناً أن حركة الآليات الثقيلة خلال سنوات النزاع أدت إلى تدهور واسع في شبكة طرق العاصمة.
وأشار إلى أن الولاية تجري حالياً أعمال صيانة إلا أنه صرّح بوجود تحدٍ رئيسي يعطل هذه الجهود هو ندرة مادة البيتومين العنصر الأساسي في تصنيع الأسفلت.
وعزا هذه الندرة إلى عزوف عدد من الشركات عن التوريد بسبب عدم استقرار سعر العملة المحلية واصفاً ذلك بأنه “أكبر تحدٍّ” يواجه الولاية في هذا الملف.
الصرف الصحي: تغطية محدودة وتأهيل جزئي
وفي ملف الصرف الصحي أقر الوزير بأن الولاية فقدت جزءاً كبيراً من مكونات الشبكة من طلمبات سحب وضخ جراء الحرب وأوضح أن أعمال إعادة تأهيل تجري حالياً وتتركز في وسط الخرطوم. ولفت إلى حقيقة لافتة مفادها أن شبكة الصرف الصحي في العاصمة لم تكن، حتى قبل الحرب، تغطي أكثر من نحو 10% من مساحة المدينة.
نقل النفايات: لا أزمة وقود بحسب الولاية
وحول ملف نظافة الأسواق ونقل النفايات، نفى الوزير أن تكون ندرة الوقود هي العائق الرئيسي، رغم إقراره بارتفاع أسعاره. وأكد أن الآليات تعمل بدعم من الولاية، وأنه جرى نقل “كميات كبيرة جداً” من الأنقاض، إضافة إلى تأهيل محطات وسيطة لضغط النفايات. واعترف في الوقت ذاته بأن حجم المخلفات المتراكمة لا يزال كبيراً، مؤكداً أن العمل “مستمر في كل المحاور”.

تمويل مجزأ من ثلاثة مصادر
وبخصوص تمويل مشاريع البنية التحتية، أوضح الناطق الرسمي أن الميزانيات تأتي من ثلاثة مصادر متوازية الولاية مباشرة ووزارة البنى التحتية ممثلة في هيئة الطرق والجسور والمحليات وأشار إلى طرح عطاءات حديثة لشركات متخصصة في أعمال التهيئة دون أن يفصح عن حجم الميزانية الإجمالية المرصودة لموسم الخريف هذا العام.
أما على صعيد التنسيق المؤسسي فأكد الوزير وجود لجنة عليا تضم الجهات الولائية والاتحادية معاً من بينها الدفاع المدني الاتحادي والأرصاد الجوي الاتحادي ووزارة الري التي تزود الولاية بقراءات منسوب النيل.

كهرباء بلا حماية
من يحمي المنازل المهجورة والمباني المدمرة؟
بعيداً عن الإفادات الرسمية يبقى ملف الكهرباء في الخرطوم مثقلاً بأسئلة لم تجد بعد من يجيب عليها بوضوح، فبينما تعود الأسر إلى بيوتها لا تزال آلاف المنازل المهجورة والمباني المدمرة منتشرة في الأحياء ذاتها بأسلاك مكشوفة وتمديدات كهربائية لم تُفحص منذ سنوات. فهل خضعت هذه المباني لأي مسح فني قبل عودة الحياة إلى محيطها؟ ومن الجهة المسؤولة عن فصل التيار عن المنازل المهجورة التي لا يزال مالكوها خارج البلاد؟
مع اقتراب موسم الأمطار، يزداد السؤال إلحاحاً: ماذا يحدث حين تختلط مياه السيول بكابلات مكشوفة في شوارع ضيقة يمر بها الأطفال يومياً؟ وهل تملك الجهات المختصة خريطة واضحة بالمباني الأكثر خطورة، أم أن التعامل مع حوادث الصعق الكهربائي سيبقى، كما في مواسم سابقة، رد فعل بعد وقوع الحادث لا إجراءً وقائياً قبله؟ وفي ظل انقطاعات الكهرباء المتكررة التي تدفع بعض الأسر لاستخدام توصيلات عشوائية أو مولدات غير آمنة، يبقى السؤال الأخطر: من يتحمل المسؤولية حين يتحول انقطاع التيار إلى كارثة أكبر منه؟
هذه التساؤلات لم تجد إفادة رسمية واضحة من الجهات المعنية بالكهرباء، ما يجعلها ملفاً مفتوحاً يستحق متابعة منفصلة.

رسالة عاجلة إلى العائدين
ووجه الوزير رسالة مباشرة للمواطنين، لا سيما العائدين حديثاً، دعاهم فيها إلى مراجعة أسقف المنازل التي قد تكون تضررت جراء القصف خلال سنوات الحرب، محذراً من أن الثقوب في الأسقف الزنكية قد تتسبب في أضرار جسيمة مع بداية الأمطار. كما ناشد أصحاب المنازل المغلقة، الذين لم يتمكنوا بعد من العودة، بتكليف من يتأكد من تصريف المياه داخل منازلهم، حتى لا يتحول المنزل إلى بيئة لتوالد الحشرات ومسببات الأمراض، على حد تعبيره.
وفيما يخص التعاون مع المنظمات الدولية، كشف الوزير عن اجتماع كبير عقده والي الخرطوم مع ممثلي منظمات عالمية ووطنية، طلب خلاله تحديد التزامات واضحة، مؤكداً أن أولوية الولاية ليست الإغاثة بقدر ما هي تلبية احتياجات أساسية كالأغطية والمستلزمات الصحية والخيام الاحتياطية في حال وقوع طوارئ.

وزارة الصحة: وعد بالتنسيق لم يُترجم إلى إفادة
في مقابل التفصيل الذي قدمته حكومة الولاية، بقي ملف الاستعداد الصحي لموسم الخريف غامضاً من الناحية الرسمية الاتحادية فقد تواصلت “العودة” مع وزير الصحة الاتحادي، د هيثم محمد إبراهيم، للوقوف على جاهزية الوزارة لمواجهة الأمراض الموسمية المتوقعة مع كثافة العائدين، ومدى تعافي المرافق الصحية بعد سنوات التوقف، ووجود حملات تحصين أو توعية وقائية قبل ذروة الأمطار، إضافة إلى توفر الأدوية والمستلزمات اللازمة لمواجهة أي تفشٍّ محتمل لأمراض كالكوليرا والملاريا وحمى الضنك.
ووعد الوزير شخصياً بالتنسيق لتقديم إفادة رسمية مع مدير الإعلام بالوزارة للربط مع مدير إدارة الطوارئ. غير أن مراسلات متكررة على مدى عدة أيام لم تلقَ رداً حتى تاريخ النشر تاركة سؤالاً مفتوحاً حول جاهزية القطاع الصحي الاتحادي لموسم يجمع الجميع على أنه الأكثر حساسية منذ عودة السكان.
صورة مزدوجة
توضح هذه الشهادات مجتمعة صورة مزدوجة لخريف العودة جهد ولائي واضح ومُعلن، تعوقه أزمات بنيوية عميقة كندرة مواد البناء الأساسية، ومحدودية شبكات الصرف الصحي، وملف كهرباء لا يزال أشبه بسؤال معلّق بلا جواب وبين الجهد المعلن والفجوات القائمة يبقى المواطن العائد هو من يواجه الاختبار الفعلي لهذا الموسم في مدينة لا تزال تتعافى من آثار حرب لم تمضِ عليها سوى أشهر قليلة.

