منى أبوزيد تكتب : نحن نخطئ لنرتقي..!

هناك فرق –
*”الحكمة ليست ابنة المعرفة، بل ابنة الخطأ الذي امتلك صاحبه شجاعة الاعتراف والمعالجة”.. الكاتبة..!*
من أغرب الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه “لماذا لم يُخلق الإنسان معصوماً من الخطأ”، لماذا جاءت حياتنا محشوة بالعثرات، والندم، وإعادة المحاولة؟. أكان الله جل جلاله عاجزاً عن أن يخلق بشراً لا يزلون، أم أن في الخطأ حكمة أكبر من مجرد كونه نقصاً في طبيعتنا..!
ربما لأن الإنسان لا يُخلق كاملاً، بل يُخلق قابلاً للكمال. وما بين البداية والنهاية، يظل الخطأ هو الورشة التي يُعاد فيها تشكيل الروح، وتُصقل فيها الشخصية، وتُختبر فيها القلوب..!
نحن لا نرتقي رغم أخطائنا، بل نرتقي بفضل الطريقة التي نتعامل بها مع أخطائنا. فالخطأ في ذاته لا يصنع إنساناً أفضل، وإلا لكان أكثر الناس خطأً أكثرهم حكمة. الذي يصنع الارتقاء هو الاعتراف، والمراجعة، والتعلم، ثم امتلاك الشجاعة الكافية للمحاولة مرة أخرى..!
ولعل أجمل ما في الحياة أنها لا تعاقب الحركة، بل تكافئها. فالخطأ ليس إلا ضريبة من يجرؤ على السير. أما الواقفون في أماكنهم، أولئك الذين لا يغامرون ولا يجربون ولا يحلمون، فهم أقل الناس أخطاءً، لكنهم أيضاً أقلهم وصولاً، لأن الحياة لا تمنح خبرتها لمن يراقبها من خلف الزجاج، بل لمن ينزل إلى الميدان، ويعفر ثوبه بغبار الطريق..!
ولأننا بشر، فإننا كثيراً ما نخلط بين الكمال والنضج. نؤجل الكتابة حتى تصبح جملنا مثالية، ونؤجل الحب حتى نجد أشخاصاً بلا عيوب، ونؤجل الأحلام حتى تأتي اللحظة المناسبة. لكن اللحظة المناسبة لا تأتي أبداً، لأن الحياة لا تُعاش في منطقة الكمال، بل في منطقة المحاولة. والكمال في كثير من الأحيان ليس فضيلة، بل ذريعة أنيقة للاستمرار في الخوف..!
ومع ذلك، ليست كل الأخطاء سواء. هناك خطأ يولد من الاستهتار، وهناك خطأ يولد من الشجاعة. الأول يعيد الإنسان إلى الوراء لأنه لا يتعلم، أما الثاني فيدفعه إلى الأمام لأنه كان يحاول أن يكتشف طريقاً جديداً. ليست المشكلة إذن أن نخطئ، وإنما أن نحول الخطأ إلى عادة، أو إلى عقيدة ندافع عنها حتى بعد أن نكتشف خطلها..!
ثم أن لكل مرحلة أخطاءها الخاصة. أخطاء العشرين كانت وليدة الحماسة، وأخطاء الأربعين وليدة الخبرة التي لم تكتمل، وربما تأتي أخطاء الخمسين من فرط الثقة بما نظن أننا عرفناه. لذلك يبدو ظلماً أن نحاكم أنفسنا القديمة بعقولنا الحالية. فالإنسان الذي أخطأ بالأمس لم يكن يملك الوعي الذي يملكه اليوم، ولو كان يملكه لما أخطأ بالطريقة نفسها..!
أما الألم ذلك الضيف الغليظ الذي لا نحبه، فربما كان أكثر معلم أخلص لنا. إذ لو كانت الأخطاء بلا وجع، لما تغير أحد. ليس الألم عقوبة دائماً، بل رسالة تقول لنا إن ثمة شيء يحتاج إلى إعادة نظر. إنه الثمن الذي تدفعه الحكمة قبل أن تستقر في القلب..!
وكم من خسارة حسبناها نهاية، فإذا بها بداية أخرى. وظيفة لم نحصل عليها، فعثرت أقدامنا على طريق لم نكن لنسلكه. علاقة انتهت، فأنقذتنا من حياة لم تكن تشبهنا. مدينة غادرناها باكين، فاكتشفنا أن الأبواب التي أغلقت خلفنا كانت تفتح أمامنا نوافذ لم نكن نراها. أحياناً لا تكون الأخطاء سبباً في ضياع الطريق، بل في اكتشاف الطريق الصحيح..!
نحن لا نخاف الخطأ بقدر ما نخاف نظرة الناس إلى الخطأ، ولذلك يعيش كثيرون أعماراً ليست أعمارهم، ويتخذون قرارات ليست قراراتهم، فقط حتى لا يُقال إنهم قد أخطأوا. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فهناك أخطاء تكسر الإنسان، وهناك أخطاء تكسر غروره. الأولى تهدمه إذا استسلم لها، أما الثانية فتبنيه لأنها تعيده إلى حجمه الحقيقي، وتذكره بأنه كائن يتعلم، وليس كائن يكتمل..!
لم يخلق الله الخطأ ليكشف ضعف الإنسان، بل ليكشف قابليته للتطور. فالكائن الكامل لا يتغير، أما الإنسان فقد مُنح نعمة النقص، لأن النقص هو الذي يدفعه إلى السعي، والسعي هو الذي يصنع المعنى. ولو لم نخطئ، لما عرفنا معنى التوبة، ولا قيمة المغفرة، ولا لذة البدايات الجديدة، ولا ذلك السلام العميق الذي يشعر به الإنسان حين يغفر لنفسه بعد أن يتعلم منها..!
كل ندبة في الروح تحمل درساً لم تستطع الحياة أن تعلمنا إياه بالكلمات. فالحياة لا تكافئ الذين لم يخطئوا، بل الذين لم يسمحوا لأخطائهم أن تكون النهاية. وبعض الأبواب لا تفتحها المفاتيح، بل تفتحها الأخطاء التي تجبرنا على البحث عن طريق آخر!.
munaabuzaid2@gmail.com



